شهدت الفترة الأخيرة اهتماماً ونقاشاً واسعاً في دول الخليج حول دور موارد رأس المال البشري (المعرفة ـ المهارات ـ القدرات) في أداء المؤسسات العامة والخاصة والمجتمع بشكل عام.
يبدو هذا واضحاً في عدد المؤتمرات والندوات التي عقدت في الشهور الأخيرة. يسيطر على تلك المناقشات والجدل ثلاثة آراء معادة ومكررة: الإدعاء بوجود عجز في الموارد البشرية المحلية والمؤهلة، الحاجة للمزيد من الاستثمار في بناء المهارات والقدرات للقوة العاملة من خلال برامج تدريب وتطوير المهارات الإدارية والقيادية، وأخيراً سياسات التوطين لتقليل الاعتماد على التقنيات والمهارات الأجنبية. وفيما يتعلق بضعف أداء مؤسساتنا وإدارتها، غالباً ما يُلقى باللوم على قلة عدد المواطنين المؤهلين الذين يتميزون بالمهارة والحافز للاضطلاع بالوظائف في القطاعين العام والخاص وأدائها بشكل جيد.
لقد ركزت معظم الحلول السابقة لهذه المسألة على زيادة عدد برامج تطوير الإدارة والقيادة ومهارات المواطنين ومنح الدراسة في الداخل والخارج. ويعتقد المخططون والمنفذون لبرامج التدريب والتطوير أن هذه السياسات ستؤدي إلى تحسين الأداء بشكل أوتوماتيكي نتيجة للاستثمار في التعليم والتدريب والتحديث التقني. والإصلاح الآخر الذي يعد أكثر صعوبة هو تشجيع توطين القوة العاملة.
وبالرغم من هذا الاهتمام المستمر بتطوير الموارد البشرية طوال سنوات كثيرة، يعد مردود الاستثمار في التعليم والتدريب ضعيفاً في جميع أنحاء المنطقة العربية على مدى الثلاثة عقود الماضية. ومازالت الدراسات والتقارير عن أداء التنمية في المجتمعات العربية تظهر أن نتائج الاستثمار في التعليم والتدريب لا تزال محدودة في تحسين أداء المؤسسات والاقتصاد بشكل عام.
وهو أمر محير: لماذا لا يؤتي كل هذا الاستثمار في تنمية رأس المال البشري ثماره، ولماذا لا يحقق النتائج المرجوة؟
يلقي الكثير من المحللين اللوم على نوعية التعليم وبرامج التدريب أو القيم والسلوكيات المحلية المتعلقة بالعمل. هناك أسباب وجيهة للحرص المستمر على تنمية المعرفة والمهارات لسد ثغرات الموارد، وخصوصاً بين العاملين المحليين والوافدين: ولكن يغفل النقاش العام عوامل أخرى مهمة في كل من تشخيص وحل المشكلة.
أحد هذه العوامل هو كيفية إدارة المعرفة والمواهب في مؤسساتنا. وتظهر دراسة انتهيت منها مؤخراً حول أداء رأس المال البشري والمؤسسات في بلدان مجلس التعاون الخليجي، وجدت أن أحد الأسباب وراء النتائج غير المرضية للأداء ليس بالضرورة نقص المهارات المحلية في دول الخليج.
ولكن في تضخم الطاقات المعطلة وغير المستغلة وانعدام المناخ الملائم والحوافز التي تضع تلك الطاقات في مكانها الصحيح مما يتيح تفعيلها والاستفادة منها. وقد اعتمدت هذه الدراسة على بحث ميداني أجري على أكثر من 700 موظف في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان.
وأوضحت الدراسة أنه برغم توفر المهارات والقدرات لدى الموظفين، فكثيراً ما يتم وضعها في المكان غير المناسب أو عدم تقديرها والاستفادة منها ـ وتصل نسبة ضعف الاستفادة من الطاقات 49% في المملكة العربية السعودية و46% في سلطنة عُمان و40% في الإمارات العربية المتحدة مقارنة بـ 16 في عدد من الدول الأوروبية.
ويشير المشاركون في الدراسة إلى عدة أسباب وراء هذا الضعف في تحفيز وتمكين الموارد البشرية، منها قلة فرص المشاركة في عملية صنع القرار وعدم وجود ثقافة قبول الآراء والأفكار المختلفة والاعتماد الزائد على الأقدمية والتسلسل الوظيفي، إضافة إلى عدم التناسق بين الخبرة ومضمون الوظيفة وبين المعرفة والسلطة الإدارية وضعف في سياسات تعيين الخريجين بعد إتمامهم برامج التعليم وتطوير المهارات.
ويتضح من الدراسة أنه من دون تحسين استراتيجيات الاستفادة من المهارات والمواهب الوطنية، سوف تنعدم فعالية التعليم وتقل صلته بالأداء.
فمن المعروف أنه إذا لم يتم التكامل بين بناء المعرفة والمهارة من جهة وفرص تمكينها واستخدامها في إدارة وتسيير مؤسسات الاقتصاد والمجتمع من جهة أخرى تقل قيمة المعرفة وتضيع فوائدها.
وبالإضافة لإهدار الوقت والمال الذي يتم إنفاقه على تلك البرامج، تظهر الدراسة أن تعيين الحاصلين على درجات علمية عالية في أماكن غير ملائمة لهم عادة ما يفقدهم الحماس والإحساس بالانتماء للمؤسسات التي يعملون بها، كما يقومون على الأغلب بتغيير وظائفهم وتكون لديهم علاقات غير صحية مع مديريهم وزملائهم بل وغيرهم من المواطنين أيضاً.
وبسبب التعجل في تطبيق برامج تطوير المهارات الإدارية والإمكانات التقنية غالباً ما يتم إهمال أهمية التطوير والإصلاح المؤسسي. كما يلتزم صناع السياسات والمديرون ظاهرياً فقط بموضوعات كإدارة المعرفة الاستراتيجية.
ونقل المعرفة عن الشركات الأجنبية والعالمية للشركات المحلية ومن الأفراد إلى المؤسسات والتخطيط للجيل الجديد الذي يخلفهم في المراكز المختلفة والاحتفاظ بأصحاب المهارات وتمكين العاملين. ولكن لا يتم تناول ومعالجة هذه الموضوعات بشكل جدي ولا يأخذ طريقه إلى حيز التنفيذ.
وقد أعادت الأزمة الاقتصادية وتقليص الميزانيات (في القطاع العام والخاص) في دول الخليج الاهتمام بالدور الاستراتيجي للموارد البشرية وعملية الإصلاح المؤسسي والإدارة الرشيدة بشكل عام.
ويمثل زيادة اندماجنا في المناخ العالمي والتنافسي تحديات وضغوطاً جديدة على مجتمعنا من أجل المزيد من التركيز على إدارة وتفعيل المعرفة من خلال التفكير في تحول جوهري حول كيفية إعداد سياساتنا وإدارة مواردنا.
ولن يكون هذا أمراً سهلاً يمكن تطبيقه بسرعة. ويقال ان تلك العملية قد تستغرق على الأقل خمس سنوات من الجهد المتواصل في القطاع الخاص، بل وقد تستغرق أكثر من ذلك في القطاع العام.
وربما تكون الأزمة الاقتصادية الراهنة فرصة لإعادة النظر في أساليب تنمية وإدارة رأس المال البشري وسياسات التوظيف وتنفيذ سلسلة من التدابير لتغيير أسلوبنا في العمل وتركيز قدراتنا على هذه العملية، وهي عملية يمكن من خلالها حل اللغز داخلياً بتكاتف وتعاون الجميع وبشكل فيه نوع من الإبداع مع تقليل الاعتماد على الاستشارات والنصائح المستوردة.
د. خالد عثمان اليحيى ـ أستاذ بكلية دبي للإدارة الحكومية

