الكلمة الطيبة صدقة، هكذا يعلمنا الرسول الكريم «ص»، كما أن كل التعاليم الدينية والمبادئ الإنسانية تدعو إلى حسن الخلق في التعامل مع الناس وبعضهم، كما تؤكد الرسالة المحمدية أن عقوبة النار في الآخرة يكون معظم أسبابها هو اللسان، واللسان عادة ما يكون مصدر الفتنة والعتبة الأولى في سوء الخلق. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أهمية الكلمة وعظمتها، كما تحث على ضرورة التيقن من القول قبل التلفظ به.

فكلمة يمكن أن تشعل فتنة والفتنة بالطبع هي أشد من القتل. وإذا تصورنا هذه الحال مع امرء بسيط من عامة المجتمع، أو من الحي الواحد ممن قد يثير شيئا من هذه الفتن بجهله ربما أو بحقده، ترى كيف هي الحال إذا افتقر من هو مخول بالتواصل اليومي مع عامة الناس ولساعات طويلة من النهار، وهي ساعات الذروة كما يقال، نقول افتقر هذا المخول إلى ابسط مهارات التواصل. ومنها القدرة على امتصاص شحنة الغضب والانفعال من الآخر لمساعدة نفس بشرية من العودة إلى سويتها وهدوئها في بداية النهار، لتتمكن بعد ذلك من مواصلة عملها.

لكن اليوم ومع الأسف الشديد فان اغلب محطاتنا الإذاعية لاتقوم بمهمتها المرجوة بل على العكس، فنحن مجبرون يوميا على متابعة عناصر غير مؤهلة مهنيا ولا معرفيا ولا ذوقيا، ما لم يكن المتصل مادحا أو مجاملا، نعم الشكر مطلوب فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله، ولكن النقد البناء أيضا مطلوب لان لولاه لتعطلت عجلة التنمية الصحيحة.

وما نستمع إليه من إذاعاتنا قائم في الغالب على مبدأ القمع المعنوي أو التنكيد المعنوي حسب مقالة لرئيس تحرير «البيان» ظاعن شاهين، حيث هذا المبدأ هو المتبع والغالب في برامج الصباح، تلك البرامج التي يفترض بها أن تقوم على بث روح التفاؤل والإقبال على الجد والعمل في المستمعين، وهو الهدف الغائب، في حين يسود الغضب والإحباط من مستوى مناقشة مذيع البث المباشر مع أي من المستمعين المتصلين.

والحقيقة ولكوني مستمع بل ومن المدمنين على الاستماع إلى الإذاعات المحلية وغيرها، فإني لم اسمع قط من هذا المذيع عبارة أو ملاحظة له مع احد المتصلين تنم عن وعي وعمق، وتكون حافزا للتفاؤل أو الرضا بل كل ما يتلفظ به عبارة عن كم من عبارات التهكم والسخرية السمجة، ومحاولات للتذاكي تعكس شخصية غير مؤهلة إطلاقا لتحمل مسؤولية برنامج يبث في ساعات الصباح على ملايين المستمعين وعلى مدى ساعات هي من أكثر ساعات النهار خصوبة في ما يتعلق بالعطاء والانطلاق.

ارحمونا من أمثال هؤلاء المحبطين والساخرين والمتداخلين بما يتفق مع المثل القائل (يا يبا يكحلها عماها) فهو عادة ما يقع في هذا المأزق لانه يفتقر إلى المؤهلات الواجبة، خاصة حين يستفز المستمع بتكراره للزمات غير صحيحة لغويا لكنه يكرسها ويكررها مرات ومرات على مدى ساعات البث، وهذا وحده فقط كفيل بترسيخ مفردات خاطئة قد يتلقفها الناس وتجري على ألسنتهم كما لو كانت صحيحة.

ويتم تداولها لكونها صدرت من جهة يفترض أنها مطبخ اللغة والخبرة الذي لا يقبل أن تخرج المفردة عنه نيئة ولا محروقة، ناهيك عن استخفافه بكل متصل خاصة أولئك الذين ينقلون ملاحظات سلبية لامستهم شخصيا فنجده يهب مدافعا عن الجهة طرف النقد أو الملاحظة آو الشكوى التي لا يفضل استخدامها وهو هنا أيضا يتلاعب باللغة بتجنبه تسمية الأشياء بمسمياتها. فهل اللغة اليوم مع ما تتعرض له من امتهان وتشويه بحاجة إلى أمثال هؤلاء من أرباع وليسوا حتى أنصاف مذيعين ليمعنوا فيها تقطيعا وتغميضا وتشويه.

سعيد أحمد عبد الله ـ الإمارات