وفي بقعة ما على شواطئ الخليج العربي، كانت مجموعة من البيوت البسيطة، القليل من القوارب وصيادي السمك، وبعض الأهالي من بدو وحضر، يعتاشون على ما يفيض به البر والبحر، يحملون المياه في قرب من جلد الماشية. طعامهم بسيط، وملابسهم أكثر بساطة، يتنقلون بين ضفتي الخور باستخدام قوارب صغيرة، وينثرون شباكهم اليدوية الصنع في البحر، وقد يحالفهم الحظ بسفر قريب إلى شمال الخليج.. إلى إحدى الهيرات..
ويرجعون ببعض اللؤلؤ، وقد يغامرون بالمشاركة في أحد المحامل المتوجهة إلى شرق وجنوب آسيا، علهم يرجعون بتجارة مجزية. الناس يعرفون بعضهم، والوجوه مألوفة، والمسافات قريبة، والجمل.. وسيلة التنقل الأكثر رفاهية، وذلك لمن كان قادراً على امتلاكها. وقتها كان التفكير بالذهاب إلى أبوظبي أو رأس الخيمة أمراً ليس بالهين.كنت أتحدث عن إمارة الوصل.. دبي.. دانة الدنيا. هذه المدينة الدانة، والتي دانت لها الدنيا.. قاب قوسين أو أدنى.
واليوم بعد مضي قرابة الستين عاماً، في التاسع من سبتمبر من العام 2009، وقبل نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تتجه أنظار العالم نحو البقعة نفسها.. دبي الوصل، التي وصلت الماضي بالحاضر، ووصلت القريب بالبعيد، وقربت البعيد، وأدنت القاصي، تتجه أنظار العالم والتاريخ المعاصر، إلى رؤية قائد، وحلم شعب، وآمال أمة بأسرها.
الموضوع لا يتعلق بانطلاق مشروع المترو فحسب، بل إنه يتجاوز ذلك بكثير. كثيرة هي الخطط والمشاريع والطموحات التي ظلت حبراً على ورق، حبيسة للملفات والأرفف والبيروقراطية أحياناً، إذ ليس بالمال وحده يتم تحقيق الخطط والمشاريع، إن الأموال التي لا تترافق مع الرؤية الثاقبة، والإدارة الحكيمة، والتخطيط البعيد المدى، هي أموالٌ لا نفع فيها، ولن تؤدي يوماً إلى إحداث فرق تاريخي، وأنا أقول تاريخي، لأن التاريخ هو الذي يخلد ما تصنعه الأمم وليس المال.
إن انطلاق مشروع المترو، يعد بحق شاهداً على صدق العزيمة والهمة، وخير برهان على قيادة رشيدة.. صدقت عهدها وأنجزت وعدها. فبوركت الجهود الجبارة والرؤية العصرية للقائد الفذ، الذي وضع راحة الشعب نصب عينيه، وبوركت الإمارات قيادة وحكومة وشعباً، وجعل الله هذه البلاد أمناً وأماناً.
ولا يسعني إلا أن أختم باقتباس من كتاب «رؤيتي..التحديات في سباق التميز» من كلمات القائد المتميز صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله: «الرؤية الأصيلة ليست رؤية منام بل رؤية المستقبل، لذا ينبغي على القائد أن يتمسك برؤيته انطلاقاً من قناعته التامة بأنه يرى في المستقبل ما لا يراه الآخرون حوله، وأن رؤيته ستحقق الأهداف المرسومة لها».
وفي مكان آخر من الكتاب نفسه، قال سموه: «كيف نسابق بحصان في ميدان السباق من دون راكب؟ الرؤية سباق هدفه النهائي الفوز في معركة ضارية بلا قتال... هي التنمية. التنمية اليوم ليست توجهاً بل صناعة قائمة بذاتها».
سندس عبدالرحيم ـ جامعة الشارقة