يبدو أن التقليد أصبح حاليا واحدا من أبرز المشكلات المستحدثة التي يعاني منها جيل الشباب، والذي يمثل الشريحة الأكبر في المجتمع المحلي، ورغم ما في التقليد من ايجابيات إلا أن سلبياته تبدو الأكثر ظهورا، وهو ما دعا الجميع دون استثناء إلى اعتباره أمرا سيئا لا يجدر بالشباب اتخاذه وسيلة لهم للظهور والتميز، وعلى اعتبار أن مشكلات الشباب المستحدثة كثيرة فالتكنولوجيا وما أفرزته من تطور تدخل في إطار هذه المشكلات، ليس كمشكلة إنما كمسبب رئيسي لعديد الظواهر التي بتنا نشهدها حاليا في كل مكان يتواجد فيه الشباب.

«البيان» طرحت هذه المشكلات على طاولة البحث في مجلس الشيخ الدكتور عبد العزيز بن علي النعيمي في عجمان، والذي ضم بين أجنحته عددا من الشباب الجامعيين الذين تناولوا هذه القضايا من منطلق نظرتهم للواقع.

بداية الجلسة دارت حول ظاهرة التقليد، حيث افتتح الشيخ الدكتور عبد العزيز النعيمي الحديث بالقول: «للتقليد وجهان الأول ايجابي، ويكون كذلك عندما يرتبط بنماذج جيدة سواء على المستوى الديني أو الأخلاقي أو الاجتماعي وغير ذلك، ويمكن تعزيز هذا الجانب من التقليد طالما هو ايجابي ولا يشترط أن يكون المحتذى به من داخل أو خارج الدولة، لأنه في النهاية يمثل قدوة حسنة التي تجتذب الإنسان فيحاكيها .

ومن ثم تتعمق في نفسه بعد ذلك لتصبح جزءا منه، وبتقديري انه يجب أن يتعود الإنسان على التعبير عن نفسه وأن يفكر بحيث تكون الصور الإيجابية والسلبية لدى الآخرين منطلق فكر له لا منطلق محاكاة، وتبقى المحاكاة الأسلوب الذي نعتمده في الحالات الإيجابية لربط الناس بالقيمة الإيجابية التي لا يرتبطون فيها إلا من خلال النماذج الواقعية، ولدينا العديد من الأمثلة في هذا الجانب والتي استطاعت أن تثبت نفسها بيننا.

أما الصورة الثانية للتقليد فهي مرتبطة بالجانب السلبي الذي يمثل النسبة الأكبر وبالتأكيد إن لهذا الجانب آثار كبيرة ليس على الشاب فقط وإنما على المجتمع عموما، لأنه يؤدي إلى إفراز ظواهر سلبية لم تكن في المجتمع من قبل، وعادة يتأصل هذا الجانب عند غياب القدوة الحسنة للشباب، والتي تهمين على مكانها القدوة السيئة، وشخصيا بت لا استغرب كثيرا هذا النوع من التقليد في ظل الانتشار الواسع للفضائيات والانفتاح العالمي الواسع، وهذا أدى إلى قيام الكثير من الشباب بتقليد نماذج كثيرة لم نكن معتادين عليها في السابق».

البحث عن الذات

وحول الأسباب التي تدعو الشباب إلى تقليد الآخرين، قال عبد الله الحوسني: «اعتقد أن السبب الرئيسي هو البحث عن الذات، حيث يعتقد الكثير انهم سيجدونها في الشخصيات التي يقلدونها، وبتقديري إن مشكلة البحث عن الذات تنبع من غياب القدوة لدى الشاب نفسه، الأمر الذي يجبر الشاب على البحث عن بدائل خارج البيت وأحيانا كثيرة خارج دائرة مجتمعه، وقد ساعده في ذلك الانتشار المفتوح للفضائيات والانترنت».

في المقابل اتفق مساعد القاضي مع زميله عبد الله، على أن السبب هو غياب القدوة الحسنة، وانتشار العديد من الأمثلة التي اعتبرها سيئة، وشدد مساعد على أن الخروج من هذا المعضلة يكون عبر المعرفة وتقوية العلاقات الأسرية وأواصر الصداقة الحقيقية والاقتراب من الدين الإسلامي، وأشار إلى أن ما نراه حاليا من ممارسات الشباب المختلفة يؤكد بأنهم يعيشون في حالة من الانفصام بين الموروث والعادات والتقاليد المجتمعية التي لا يعرفون عنها الا القليل وبين ما يتلقونه عبر الفضائيات، وهذا بالتأكيد لن ينتج سوى جيل مهزوز ومرتبك داخليا، الامر الذي سيقوده إلى أن يصبح مقلدا أكثر ما هو منتج.

ولكن هل يمكن اعتبار التقليد نوعا من الحرية الشخصية؟ وحول ذلك قال فيصل السويدي: «لقد أصبحت الحرية الشخصية أشبه بالشماعة التي يعلق عليها الجميع أخطاءه، كمحاولة للهروب من الواقع الذي نعيشه، وإذا اعتبرنا أن التقليد نوعا من الحرية الشخصية فمعنى ذلك إننا نقوم بتكرار الخطأ لأننا نفسر الحرية الشخصية بطريقة مختلفة تماما عن معناها الحقيقي، وعندها ننسى بأن حرية الإنسان تتوقف عند حرية الآخرين، واستمرارنا على هذا النهج يعني تعميق قلة الوعي لدى الشاب، وتكريس عدم قدرة الأسرة على ضبط أمره، الأمر الذي يزيد من هذا المشكلة ولن يحدها أبدا».

ومن جانبه اعتبر عمر القيواني أن الشباب بات يعيش حاليا حالة صراع النفسي بين العادات والتقاليد، وبين ما تعرضه القنوات الفضائية من عوالم مثيرة وغريبة، حيث قال: «قد اتفق معكم على أن الفضائيات قد أدخلتنا في عوالم مثيرة وغريبة عن مجتمعنا الإماراتي والعربي، وهذا افرز العديد من الظواهر التي يعيش فيها عموم الشباب اليوم، والتي خلقت لديه حالة من الصراع النفسي القوي لم يعد معه يدرك الصواب من الخطأ وهو ما عمل على تغييب أو إلغاء شخصية الشباب وهذا بدوره قاد الشاب إلى التقليد، وبتقديري أن غياب القدوة يعتبر من أكثر الأسباب التي أدت إلى انجراف الشباب وراء ما تقدمه الفضائيات».

الأهل والمجتمع سببا

في المقابل أعاد أحمد صالح أسباب التقليد إلى الأهل والمجتمع، حيث قال: «إصرار الشباب على التقليد سببه الأهل والمجتمع وليس الجيل نفسه، وذلك لأنهم لم يقدموا شيئا جديدا للشباب، الى جانب إصرار بعض الأهالي على نقل العادات الغربية إلى أبنائهم سواء في المدرسة أو حتى في الممارسات اليومية»، وأضاف: «بالنسبة لي لا ألوم الشباب عندما يخلطون العربية والانجليزية معا او عندما يلبسون بطريقة غريبة عندما تكون تربية الأب والأم مبنية على منظور غربي بحت، وهذا بتقديري ادى إلى تربية جيل هش يعيش في دوامة صراع مجتمعي قوي».

أما أسامة الفلاسي فقال: «للفضائيات دورا كبيرا في تكريس ظاهرة التقليد بين الشباب، وباعتقادي فان هذه الإشكالية لا تتعلق فقط بطبيعة وشخصية المتلقي، إنما ترتبط إلى حد كبير بنوعية المادة الإعلامية المقدمة لنا كشباب والتي تفتقد للعمق والمضامين الهادفة، فما نراه على شاشات التلفزيون إنما يهدف إلى الترويج لأهمية الشكل والاستعراض، وهذا ساهم إلى حد كبير بزيادة الظاهرة ويدل على قدرة هذه البرامج على التأثير بالشباب، خاصة مع غياب البرامج الهادفة التي تسلط الضوء على مشاكلنا وهمومنا وقضايانا، وهذا الواقع أفرز لنا شبابا غير منشغلين بقضايا وطنهم والمجتمع بقدر انشغالهم بالمظاهر المزيفة للفت النظر والشعور بالتميز، واعتقد انه للخروج من هذه المعضلة لا بد من التركيز على الأسرة التي تعمل على إعادة الشباب إلى الطريق الصحيح».

التكنولوجيا رفيقة الشباب

في المقابل، تطرق ضيوف الشيخ الدكتور عبد العزيز في حديثهم إلى التكنولوجيا التي أصبحت رفيقة الشباب اليومية وما خلقته من عوالم افتراضية أبعدتهم كثيرا عن الواقع الحقيقي، وحول ذلك قال نواف أهلي: «لا استطيع الإنكار بأن التكنولوجيا أصبحت ملتصقة بجيل الشباب، وذلك من خلال ما نلمسه في واقعنا اليومي، حيث لم يعد بإمكاننا نحن الشباب الاستغناء عن إي نوع من التكنولوجيا الحديثة سواء في الهاتف المتحرك أو الانترنت أو حتى أجهزة الكمبيوتر التي لا تكاد تفارقنا نهائيا أينما ذهبنا».

أما مساعد القاضي فقال: «لقد تمكنت التكنولوجيا من خلق عوالم افتراضية للشباب، الذين اصبحوا يعيشون فيها بكامل قواهم، وبتقديري إن المشكلة لا تكمن في هذه العوالم إنما في عدم قدرة الشباب على الخروج منها أو التخلي عنها لأنهم أصبحوا يدورون في أفلاكها لدرجة إنها أصبحت من خصوصياتهم، واعتقد أن غياب التوجيه الأسري هو الذي ساعد الشباب على دخول هذه العوالم التي أدت إلى خروج بعضهم عن الدائرة المجتمعية المحيطة به».

الشيخ الدكتور عبد العزيز النعيمي ذهب في مداخلته باتجاه المواقع الاجتماعية الجديدة ومدى تأثيرها على الشباب، حيث قال: «قد اتفق مع البعض بأن المواقع الاجتماعية الجديدة مثل الفيس بوك والتويتر وغيرها قد ساهمت بتوسيع علاقات الشباب الاجتماعية، ولكنها في المقابل ساهمت إلى حد كبير في إخراجهم من واقعهم اليومي ومن علاقاتهم الإنسانية الحية، وهذا دليل على عدم نجاحنا في التحكم بها.

بل أصبحت هي التي تتحكم فينا، ولا أنكر انه يمكن للشاب الاستفادة من هذه المواقع عبر توظيفها لخدمته لان التكنولوجيا بالأساس خلقت لخدمة الإنسان ولتسهيل حياته، وليس العكس، ولكن بحسب ما نراه في الواقع أعتقد إننا لم نعد قادرين على تحديد المدى الذي ستصل بنا إليه التكنولوجيا، لاتقاء شرها أسعى دائما لتدريب أبنائي على كيفية التخلص من آثار التكنولوجيا عبر تنظيم أوقاتهم، وعدم تركهم عرضة للتكنولوجيا طوال الوقت».

إدمان التكنولوجيا

التأثر بالتكنولوجيا قادنا جميعا إلى الإدمان على محتوياتها بشكل غريب، وحول ذلك قال فيصل السويدي: «تأثر الشباب بما تفرضه التكنولوجيا الحديثة تحول مع مرور الوقت إلى إدمان يصعب الخلاص منه، فلم يعد بإمكان الشاب الخروج من بيته دون هاتفه المتحرك الذي لم يعد مقتصرا على استقبال وإرسال المكالمات فقط إنما أصبح جهازا شاملا بعد ربطه بالانترنت، وقد ساهم ذلك في ربط الشاب بشكل مباشر بالتكنولوجيا، وبتقديري أن هذا أمر خطير إذا استمرينا عليه، لأنه يساهم بشكل كبير في إبعاد الشاب عن عالمه الحقيقي».

لم تخرج أجهزة «البلاك بيري» وشبيهتها عن طور الحديث عن التكنولوجيا، حيث مثلت مدخلاً مهما للمتحدثين خاصة وإنها المساهم الأكبر في تعميق العلاقة بين الشاب والتكنولوجيا، وفي هذا الإطار قال خالد الفلاسي: بالنسبة لي ما زلت رافضا لاستخدام أجهزة البلاك بيري، ليس فقد لأنها ساهمت في تعميق علاقتنا مع التكنولوجيا، إنما لأنها حرمتنا من التمتع بالعلاقات الإنسانية، واستبدلتها بعلاقات رقمية.

حيث أصبح الشباب يتخاطبون مع بعضهم البعض من خلاله رغم وقوفهم بجانب بعضهم البعض لدرجة أن بعضهم أصبح يسلم على الآخر عبر هذا الجهاز، وإذا بقينا على هذا الحال سنجد انه هو الذي يحدد خطواتنا ومستقبلنا، وهذا أمر خطير. أما أصغر المتحدثين وهو عمر عبد العزيز النعيمي فقد ركز في مداخلته على ظاهرة استبدال بعض الشباب لهواتفهم المتحركة بشكل دوري.

حيث قال: «لم أكن أتخيل بأن يصل تأثير التكنولوجيا فينا إلى حد استبدال الهاتف المتحرك بشكل دوري قد تتجاوز أحيانا الأربع مرات في السنة، والمشكلة أن هذا الأمر أصبح موضة لدى فئة من الشباب»، وأضاف: «أنا لست ضد استبدال الهاتف ولكن يجب أن ندرك إن لعملية الاستبدال تأثيرات سلبية كثيرة على الصحة وكذلك على البيئة، لان معظم من يقومون بعمليات الاستبدال لا يهتمون كثيرا بمصير هذا الجهاز ولا يدركون كيفية التخلص منه».

غسان خروب