بلغة تحررت من الحديث العادي، لتلامس الشعر، تحدث الشاعر الإماراتي أحمد راشد ثاني عن الراحلين الشاعر علي العندل، والمسرحي عبدالله المفتاح وذلك خلال الأمسية الاستذكارية الثالثة التي أقيمت أول من أمس في مقر اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في أبوظبي.

فلسفة علي العندل

الزمن هو الثمانينات من القرن الماضي قال أحمد راشد ثاني: لا أتذكر بشكل محدد متى التقيت بعندل، هل في 1981 أو 1982 ولكن حدث هذا في السكن الجامعي في المقام، الذي يقع على أطراف العين متكئا على المدى الرملي للربع الخالي، وهناك كان الجيل الأول من طلاب الجامعة قد زحف إلى أبوظبي كي يؤكد للوالد زايد ضرورتها الوجودية.

الأساس هو «الاتحاد» هذا ما ركز عليه ثاني مضيفا «الآن قد بدأ بناء الدولة، علينا التساؤل عن هذا البناء وكيفيته، وقبل ذلك عن ماهيته، وهذا هو شعور المجموعة التي انتسبت إليها وحملت بعد ذلك اسم القائمة الطلابية، ولولاها لما كان هناك أشخاص مثل خالد بدر عبيد، ناجي الحاي، إسماعيل عبدالله، إبراهيم الهاشمي، خالد الراشد، محمد الدوسري، مرعي الحليان.

وكان أغلبهم يميل للشعر أو المسرح، أي كان الثقافي بالنسبة لنا أكثر إلحاحا من السياسي، وهذا ما جعلنا على اختلاف مع أساتذتنا في «مدرسة الأزمنة العربية»، وعن هذه النقطة تعرف راشد ثاني إلى علي عندل ولفت انتباهه كما حدد ثلاثة أمور أولها كما وصف تلك الكاريزما التي ميزته عن المجموعة، وكان يخيل إلي أحيانا أنه نبي من زمن قديم يلقي على أتباعه أسئلته الوجودية، ولن أنسى بالطبع انه كان ممثلا فاشلا، قبل أن يأتي إلى الجامعة، وكان منتسبا لمسرح الشارقة الوطني، ولست مستبعدا أن الصدمات الأولى التي تلقاها العندل قد حدثت هناك.

أما الأمر الثاني الذي حدده ثاني فهو دراسته للفلسفة ومن يدرس الفلسفة ولمَ أختار الفلسفة، هذا الشاب الطويل المفتول الجسد، والمنطوي على روح أقرب ما تكون إلى الفراشات، ابن العائلة الفقيرة، والتي تسكن في الأبنية التي حول نادي الشعب في الشارقة، والهدف من هذه الجامعة تخريج موظفين، فأين سيوظف متخرج الفلسفة، ثم من كان يدرس الفلسفة وقتها، إن أقدم الدفاتر المدرسية التي كانت تدرسها الجامعات المصرية كانت هي المنهج.

أما الأمر الأخير الذي حدده ثاني في وصفه للعندل «بلوشيته» لقد كان علي وظل فخورا بتلك القبيلة الشقيقة، وهذا ما جعلني أفكر حينها بأننا وكمجموعة بشرية «اتحدت» فيما صار يسمى ب«الإمارات» ورغم قلة عدد سكاننا إلا أننا متعددون وما يغنينا كما البترول هو هذا التعدد لو اعرفنا به واختلطنا وتغيرنا، وهواجس أخرى عنونتها فيما بعد بـ «التعدد الضحل».

ولم يسترسل أحمد راشد في الحديث عن تجربته الشعرية لأنه وجد في الأمسية إنها تكريمة لتجربة الراحل أكثر منها نقدية مشيرا إلى أن عندل رحل فجأة وهو بعد الأربعين بقليل وترك تلك الأسئلة الوجودية، وديوان طبعته دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة بعنوان «سيف الماء» جمعه وقدم له الشاعر إبراهيم الملا. وبعض الكتابات التي يحتفظ بها أصدقاؤه.

القدر يعبث بالمفتاح

القدر لعب دورا كبيراً في تجربة عبدالله المفتاح قال الشاعر أحمد راشد: السيارة كانت متجهة من الفجيرة إلى خورفكان، وكان فيها المخرج الكويتي صقر الرشود الذي كان قد رسخ اسمه عربيا، وجاء للإمارات في أواخر السبعينات، للعثور على بداية حقيقة للمسرح، والممثل المسرحي عبدالله المفتاح، وآخرين، وقبل دخول العقبة في إحدى الطرق الملتفة بدأت السيارة بالتدهور، ومات الرشود، وبقي الآخرون أحياء، ولكني أظن أن ثمة شيئا مات في أرواحهم، خاصة في روح المفتاح.

و أشار ثاني كانوا وقتها قد انتهوا من مسلسل «شحفان» ذلك المسلسل الذي سيبقى إلى اليوم حيا، وقابلا للمشاهدة، وبذلك كانوا قد وضعوا قدمهم على الطريق الذي سيدخلهم إلى خورفكان المسرح الذي يحبونه والدراما التلفزيونية التي تؤسس جمهورهم، لولا ذلك الحادث، وهكذا تبددت المجموعة التي حاول الرشود تأسيسها، موضحا خلال السنوات العشرين التي تلت الحادث لم يبق من الفرقة المسرحية في أبوظبي إلا الأطلال، أما من كانوا مع الرشود، فمنهم من أخذه الموت بغتة، أو بالتدريج المرير ومنهم من اختفى ومنهم من ظل صامدا يقاوم تكدس الرمال على الخشبة مثل الراحل محمد الجناحي، والممثلة رزيقة الطارش.

وكان مفتاح من الذين أخذهم الموت بالتدريج هكذا وصف ثاني وضعه مسترسلا أخذه الكأس إلى هناك بسبب انهيار حلمه، بعد احتضار المسرح الوليد في أبوظبي، والنكران من قبل الجميع، ورغم ذلك ظلت روحه تنازع ومن رآه يؤدي دور الشخصية الرئيسة في مسرحية «الرجل الذي صار كلبا» لـ «أزوخالدو دراكون» في إحدى الدورات المبكرة لأيام الشارقة المسرحية كان سيحس كما أحسست بأن عبدالله قد عاد إلى الحياة من جديد لكن كفة الإحباط رجحت مرة أخرى.

واختتم أحمد راشد بالقول: حين كنت أصادفه كانت روحه ما زالت تلهج بتعلقه الصميم بالمسرح، إلا أن جسده المسرحي بامتياز كان في سبيله إلى الذوبان على المقاعد المهترئة، قد يأتي الموت أحيانا ليكون خاتمة للتحلل، ولكن التحلل في أحيان أخرى قد يستمر بعد الموت بل ويتفاقم.

عزلة الشاعر

قال الشاعر إبراهيم الملا في مقدمه مجموعة علي العندل السيف والماء: كان محاطاً بعزلة وحشية وفرادة مستعرة، وكان في جل نصوصه يتغذى من تعاليم المتاهة وأساطير العذاب واللامعنى.

أبوظبي ـ عبير يونس