لا تراه إلا وهو مستغرق في العمل والبحث، لايبعد عينيه عن سطح شاشة الكمبيوتر، يبدو منهمكا في عمل طويل ومتواصل، تلقي إليه بالتحية فيرد عليك بعد تفكير وكأنك ألقيت عليه بسؤال حول معادلة فلكية.

وحين يشرق وجهك بعد طول انتظار بعدما رأيته يخفض رأسه باتجاه مفاتيح الكمبيوتر معلنا توقفه عن الإبحار فيه. تتقدم منه للمبادرة التي طال انتظارها، لكنه يستمهلك للذهاب إلى دورة المياه فيغسل وجهه ويديه ليتمكن من التفكير في حديثك. وإن كنت محظوظاً فإن هاتفه لن يرن في اللحظة التي تبدآ فيها كلامك، وإلا فسوف يدعك تنتظر على مضض ما لم يحلك إلى غيره للاهتمام بأمرك.

فرنة هاتفه غالبا ما تكون استكمالاً لما انقطع من حديث على الشات، فهي عملية تواصل وثرثرة ممتدة يصل بها ما انقطع بإغلاقه جهاز الكمبيوتر، ويضع هاتفه على أذنه حتى يصل سيارته يستقلها يطلب الإذن من محدثته حتى يستقل السيارة ويخرج بها إلى الطريق العام، فيعاود الاتصال، هو لا يرتاح بالحديث بواسطة سماعة الأذن، لكنه لا يخشى مخالفات الشرطة بالانشغال بالهاتف أثناء القيادة.

فيستمر بالتواصل حتى وصوله إلى البيت، يضطر مرغماً على إنهاء المكالمة، ذلك لاستخدامه المصعد، وحين يدخل إلى البيت فانه غالبا ما يضع قناع التعب والإنهاك يتناول طعامه المعد وينطلق للخلود إلى النوم بعد أن يضع هاتفه على وضع الصامت ثم يطلق أمره بضرورة إخلاء الغرفة من أي حركة وصوت، يضمن ذلك ثم يبدأ مجدداً في استئناف التواصل والثرثرة عبر الرسائل النصية إرسال واستقبال حتى موعد الخروج المسائي والعودة والنوم منفرداً حتى الصباح، والهاتف هو الرفيق المنافس والمزاحم للعلاقات الإنسانية الشرعية، وهكذا تضيع الحياة الاجتماعية بين الشات والمسجات، وزعيمهما البلاك بيري.

مي أحمد ـ الإمارات