لاتزال الهوية الوطنية أحد ابرز الإشكاليات التي تؤرق كافة شرائح المجتمع الإماراتي، وبلا شك أن أبرز الأسباب التي ساهمت في تعميق هذه الاشكالية الخلل الواضح في التركيبة السكانية الذي أخذ يفرز العديد من الظواهر التي يمكن اعتبارها غريبة عن المجتمع الإماراتي وحتى العربي إن صح التعبير خاصة فيما يتعلق باللغة العربية التي تمثل أساس هوية المجتمعات العربية.
ولعل توجيه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة بجعل العام الماضي عاماً للهوية الوطنية قد حفز عديد المحافل الثقافية والتعليمية وحتى السياسية على البحث عن حلول لإشكالية الهوية الوطنية، وقد برزت من بين هذه الطروحات قضية الحفاظ على اللغة العربية التي حظيت بأهمية قصوى لما تمثله من عمود أساسي من مكونات الهوية الوطنية، وتعبير حضاري عن الخصوصية الثقافية للمجتمع الإماراتي والعربي عموما.
هموم الهوية الوطنية كانت مدار بحث بين ضيوف مجلس الدكتور عارف الشيخ الرمضاني الذي ضم عددا من رجال الفكر والأدب المعروفين في الدولة، «البيان» كانت في المجلس واستمعت إلى مداخلات الضيوف في هذه القضية وخرجت من المجلس بهذا التقرير.
اللغة أساس الهوية
بداية الحديث كانت للدكتور عارف الشيخ الذي افتتح بكلمة بسيطة جلسة النقاش، حيث قال: «ان الهدف من هذه الجلسة هو التواصل بين الجميع، الى جانب طرح قضية الهوية الوطنية التي اسميها أحيانا بالهموم الوطنية، والاستماع فيها الى آراء أهل الفكر والأدب والشريعة»، وأضاف: «لقد تحدثنا كثيرا في هذا الموضوع.
ولكنه برغم ذلك لايزال موضع بحث ونقاش ويحتاج إلى حلول واضحة والتي لا بد أن تكون من خلال المشاركة المجتمعية»، وبدأ د. عارف الشيخ مداخلته بعرض القضية من خلال عملية التنشئة الاجتماعية للطفل الإماراتي الذي يولد ويتربى على يد نسوه أجانب، والأمر ذاته ينسحب على الأسواق وكل مكان في الدولة التي ينص دستورها على ان اللغة العربية هي اللغة الرسمية.
وأشار د. الشيخ الى القرارات المختلفة التي تنص على ضرورة ان تكون مراسلاتها باللغة العربية، ورغم ذلك لا تزال تقارير بعض الدوائر وحتى سجلاتها ومراسلاتها وعقودها تكتب بالانجليزية، والتي كانت احد اسباب تأثر الهوية الوطنية. في المقابل تطرق الشيخ الدكتور أحمد الكبيسي في مداخلته الى اللغة العربية على اعتبار انها احدى ركائز الهوية الوطنية المهمة، حيث قال: «بلا شك أن أول خطوات الهوية هي اللغة والتي تعبر عن القومية.
وفي الناحية الشرعية فإن تعلم العربية أمر واجب كالصلاة والصوم، وقد حث على ذلك القرآن الكريم الذي نزل باللغة العربية التي تعتبر جزءا من الإعجاز الإلهي، وبتقديري انه ما من لغة على الأرض يمكن أن تستوعب المنطق الإلهي غير اللغة العربية، ولذلك دائما اسأل ما هي قيمة العربي إذا لم يحسن لغته العربية، وكم هي قيمة الأعجمي إذا أحسن نطقها؟
والتاريخ مليء بالأمثلة على ذلك، والمشكلة التي نواجهها حاليا ان بعض شبابنا يخجلون من هذه اللغة التي تعتبر اساس الدين الاسلامي، ولذلك اعتقد انه بات علينا اعادة النظر مرة أخرى في حياتنا وتصحيح الأخطاء الموجودة فيها لان الله سوف يسألنا عن ذلك يوم القيامة».
هوية عالمية
الحفاظ على الهوية الوطنية ينبع من المحافظة على الخريطة الجغرافية وعلى التاريخ الذي يساهم في رفع مستوى تحمل المسؤولية تجاه الوطن، وبالتأكيد ان إغفال المجتمع لهذه الجوانب يتجه الى الذوبان، هكذا يمكن تلخيص مداخلة الدكتورة موزه غباش، رئيسة رواق عوشة بنت حسين الثقافي رئيسة جمعية الدراسات الإنسانية والاجتماعية.
والتي قالت: «منذ نحو عام وأنا أعد كتابا حول الهوية الوطنية، وحتى الان لم اخرج بنتيجة محددة لمفهوم الهوية، وبتقديري لا يمكن اختزال مفهوم الهوية في اللغة فقط، لان الهوية عبارة عن تاريخ وجغرافيا ومجتمع كامل، ومنذ ان طرح صاحب السمو رئيس الدولة مفهوم الهوية في مطلع العام الماضي وحتى الان، ووسائل الاعلام تناقش هذا الموضوع ولم تخرج منه الا ببعض الهموم كما طرح في بداية هذه الجلسة».
وأكدت د.غباش في حديثها على ان الهوية تعتبر اشكالية عالمية، وإننا الان امام نظريتين؛ الأولى تكمن في مفهوم الهوية المحلية لمجتمع صغير كالإمارات، والثانية تجسد المنظور العالمي للهوية، ولذلك نجد أن هناك العديد من النظريات العالمية التي جيشت لتذويب هويات العالم في هوية عالمية واحدة تذوب تحتها كافة الهويات المحلية.
ولذلك ما يعانيه مجتمعنا من ذوبان للهوية الوطنية تعانيه اغلب شعوب العالم ما عدا شعوب شرق آسيا التي لم تتوعك حتى اليوم فيه لأنها ما زالت تحافظ على التاريخ والجغرافيا كمحددات رئيسية لهويتهم، بينما نحن اخترقنا تاريخيا وجغرافيا وحتى اجتماعيا عندما اصبح بإمكان الاجنبي الدخول بيننا والتملك ليكون بذلك جزءا من الخارطة السكانية في منطقة الإمارات».
وأضافت: «بلا شك أن الجميع حاليا يحاولون الدفاع عن هويتهم وهو ما اوقعنا بين من ينادي بالهويات المحلية والذي اتهم بالعنصرية والإقليمية، وبين من ينادون بالهوية العالمية الذين يريدون اختزال الاقتصاد العالمي كله كاقتصاد رأسمالي يعيش فيه جميع سكان الارض، ليغير ثقافتهم ودينهم وعاداتهم وتقاليدهم .
وبالتالي ذوبان الموروث الثقافي لكل دولة، والمتابع لهذا الموضوع يجد ان الجيل الحالي لا يستطيع صد جميع اشكال تذويب الهوية الوطنية، وقد استسلم لهذا التحدي، بعد اختراق تاريخنا الذي اختزل في 34 عاما تقريبا ليبدأ من 1971 وحتى الان، وكأن ما قبل ذلك لم يعد ملكنا الامر الذي احدث انقطاعا واضحا في تاريخنا».
ومن جهته شبه الدكتور سعيد حارب، نائب رئيس اللجنة المنظمة لجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، في مداخلته الهوية الوطنية بدوائر المياه التي تتسع بشكل متتالٍ لتساهم بإحداث قلق كبير في المجتمع، حيث قال: «للهوية تعريفات مختلفة ولا يوجد تعريف محدد، ولكن أكثر تعريف أعجبني هو للفيلسوف ابن العربي الذي قال «ان الهوية من الهوى وهي مكنون النفس وكل ما يعبر عن مكنون النفس هو هوية»، ومكونات الهوية تشبه دوائر المياه.
حيث تشبه الدائرة الصغرى خصوصية المجتمع المحلي ويعبر عنها ادبيا وثقافيا ومجتمعيا وبالعادات والتقاليد، ثم تكون الدائرة الثانية هي اللغة وهي اوسع من المحلية وبالنسبة لنا فهي العربية، ومن خلالها يمكن لنا التواصل مع الآخرين من المجتمعات الاخرى، أما الدائرة الثالثة فهي تمثل الدين والتي نلتقي فيها مع جميع المسلمين داخل وخارج الإمارات.
حيث تمثل هذه الدائرة مرجعية لنا جميعا، ثم الدائرة الكبرى وهي الإنسانية التي نلتقي فيها البشرية كلها، وهذه مهمة جدا وأوسع من بقية الدوائر، والوضع الحالي يفرض علينا ان نجعل الإنسانية مرتكز مهم في حياتنا وبالتالي لا يمكن الاستغناء عنها، وبتقديري ان العلاقة بين جميع هذه الدوائر خلق القلق لدينا، ورغم جميع التحديات التي واجهها مجتمع الإمارات لا يعني اننا فقدنا هويتنا وأنها ذابت في خضم هذه الدوائر».
الموروث الشعبي
يعتبر الموروث الثقافي والشعبي احد ركائز الهوية الوطنية المهمة، فهو تعبير عن جذور المجتمع، الموروث الثقافي كان محور مداخلة عبد العزيز مسلم، مدير إدارة التراث بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، والذي قال: «أعتقد انه لتدعيم الهوية هناك عدة ركائز، ومنها ركيزة الموروث الشعبي الذي يعتبر ركيزة مهمة في الهوية الوطنية.
ولكن ليس كما يطرح الآن في التجمعات والمحافل الثقافية وغير الثقافية، بل يجب ان يطرح التراث من باب النموذج والفضيلة الثابت، ولذلك اعتقد ان الجيل الجديد لا يمكن ان يقتدي بتراث مختزل يقدم من غير اصحابه، علما بأنه يوجد في التراث الثقافي علامات أو اشياء اعمق من ذلك مثل علم النجوم والفلك والطوالع، والطبابة الشعبية وغيرها.
واعتقد ان هناك الكثير من الاشياء الشعبية التي يمكن ان تقدم للجيل الجديد والتي تدعوه الى التمسك بهويته الوطنية ولذلك اعتقد انه يجب ان تكون هناك وقفة ثانية مع التراث او الموروث الشعبي حتى يعاد تقديمه بشكل نموذجي جميل يتجاوز الفترة التاريخية التي حوصرنا فيها منذ عام 1971 وحتى الان، وقد انستنا جذورنا التاريخية التي يوثقها التاريخ الشفوي».
ثلاثة اجيال
الدكتور احمد سيف بالحصا، رئيس مجلس إدارة مجموعة بالحصا الدولية،علق في مداخلته على الهوية الوطنية بالقول: «المشكلة التي نواجهها عادة اننا نبحث في شكل الهوية فقط دون النظر الى تاريخ الامارات والإرهاصات التي مر بها.
وبتقديري ان الامر ابعد من ذلك وهو يتعلق بدستور الإمارات بشكل رئيسي والذي يعتبر عقدا اجتماعيا بين المسؤولين والمجتمع، وبالتالي حدد هذا الدستور شكل الهوية الوطنية ونوعيتها من خلال مواده، وبتقديري ان الذوبان الذي حدث للهوية الوطنية كان نتيجة مباشرة لعدم الالتزام بنصوص الدستور، الى جانب غياب الدور المؤسسي».
في المقابل تطرق مستشار العلاقات الأسرية الدكتور خليفة المحرزي في مداخلته الى الأجيال التي ساهمت في ذوبان الهوية الوطنية حيث قال: «بتقديري ان المشكلة التي نعاني منها ان معظمنا لم يسمع بالهوية الوطنية الا في عام 2008، وبالنسبة لنا لم نواجه هذه الاشكالية في جيل الشواب أو كبار السن.
وكذلك جيل السبعينيات الذي ما زال يحافظ على عروبته وهويته الوطنية، ولكن في المقابل علامات التحلل من الهوية الوطنية بدأت تظهر في جيل الثمانينات، وتجذر ذلك في الجيل أو الأجيال التي تلته، حيث اصبحنا نلمس وجود ظواهر جديدة بينهم لم نكن نعرفها، والتي اثرت على عملية التواصل بين عائلات المجتمع التي اخذت تصغر لتتحول مع مرور الوقت الى عائلات نووية صغيرة، والاشكالية الاكبر التي نواجهها حاليا هي تفكك هذه العائلة الصغيرة، حيث اصبح افرادها يتربون على التفكير الفردي، ولذلك اعتقد انه لا بد ان يكون هناك منهجية واضحة للدولة للحفاظ على الهوية الوطنية».
دعوة لإعادة تقديم التراث للأجيال بثوب جديد
أكد عبد العزيز مسلم، مدير إدارة التراث بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة انه يجب أن تكون هناك وقفة ثانية مع التراث أو الموروث الشعبي حتى يعاد تقديمه بشكل نموذجي جميل للأجيال القادمة.
وقال مسلم: «أعتقد انه لتدعيم الهوية هناك عدة ركائز، ومنها ركيزة الموروث الشعبي الذي يعتبر ركيزة مهمة في الهوية الوطنية ولكن ليس كما يطرح الآن في التجمعات والمحافل الثقافية وغير الثقافية، بل يجب ان يطرح التراث من باب النموذج والفضيلة الثابت.
وأضاف مدير إدارة التراث بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة: «أعتقد أن الجيل الجديد لا يمكن ان يقتدي بتراث مختزل يقدم من غير أصحابه، علما بأنه يوجد في التراث الثقافي علامات أو اشياء أعمق من ذلك مثل علم النجوم والفلك والطوالع، والطبابة الشعبية وغيرها، واعتقد ان هناك الكثير من الأشياء الشعبية التي يمكن ان تقدم للجيل الجديد والتي تدعوه إلى التمسك بهويته الوطنية».
غسان خروب
