على الرغم من ازدحام المائدة الرمضانية بمختلف أنواع الأطعمة التي تصدرها المطابخ العربية والعالمية، لا يزال للهريس طعم مميز يبثه بعد أذان المغرب، ويبقى الثريد منافساً قوياً للأرز على المائدة في الشهر الكريم، وبين عادات محلية وأخرى دخيلة تتسلل سلوكيات غذائية غريبة لها أثر صحي غير محمود، أولها الأخطاء التي يقع فيها الصائمون عبر الإكثار من تناول أطعمة معينة وهجر أصناف أخرى. وهنا نستعرض القيمة الغذائية العالية للوجبات التقليدية كالهريس والثريد ونموذج وجبة صحية للصائم.
بدءاً، تؤكد شيماء قايد أخصائية التغذية بهيئة الصحي في دبي أن الأخطاء التي يقع فيها الصائمون أولاً تبدأ على مائدة الإفطار عند البدء بوجبة الفطور الدسمة، والمحتوية غالباً على المقالي، تجاهل دور السلطات والخضروات في رمضان، كذلك الفواكه، إلى جانب ذلك يغفل الصائمون الدور الهام للسحور، وفي السحور بركة كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم، كذلك الأمر بالنسبة للحليب وهو من جملة الأطعمة التي يسهو عنها الصائمون بعد إفطارهم.
وسلوكيات تناول الطعام تُعد من الأخطاء التي يجب تجنبها في رمضان، لا سيما تناول وجبة الإفطار دفعة واحدة، بينما من المستحب وحفاظاً على الصحة البدء بجرح الصيام عن طريق تناول 3 حبات من التمر، لاحتوائه على سكريات سهلة الهضم، وفي رمضان يضطر الأشخاص العاملون لحرق السكريات على مدى النهار، وبالتالي فإن الجسم أحوج ما يكون إلى السكريات، وقد يتبعها حالات هبوط مستوى السكر في الدم ما يؤثر سلباً على وظائف الدماغ، وقد يُجنبها سكر التمر أعراض الإعياء والتعب.
ومن المستحب تناول التمر مع كوب من الروب أو اللبن، إلى جانب السلطات المحتوية على أنواع مختلفة من الخضروات. لاحتوائها على نسبة عالية من الألياف المسهلة للهضم، وتجنب تناول السلطات في رمضان يؤدي للإصابة بالإمساك، لا سيما عند تناول المقالي والدهون، ومن شأن السلطة تسهيل العمليات الأيضية التي تكون عندها حركة الأمعاء متوازنة، بالإضافة إلى احتواء السلطات على نسب عالية من البوتاسيوم والحديد وبعض الأنواع تحتوي على الكالسيوم.
فيما يتعلق بتناول الوجبات الرئيسية بعد الإفطار تؤكد شيماء أنه يمكن تناولها بعد صلاة المغرب مباشرةً أو بعد مرور ما يقارب نصف ساعة، اعتماداً على طبيعة الفرد.
نصائح مهمة
يجب تجنب تناول الحلويات عند السحور لعملها كمنبه للجوع بعد فترة بسيطة، ما يؤدي إلى الإحساس بالجوع خلال ساعات النهار، ويعتقد البعض خطاً أنها تمد الجسم بالطاقة لاحتوائها على قدر عالٍ من السعرات الحرارية.
كذلك لا ينصح يتناول المنبهات كالشاي والقهوة بكثرة، سيما عند وقت السحور باعتبارها مدرة للبول وتفقد الجسم سوائله وبالتالي تؤدي إلى جفاف الجسم.
الأطعمة التقليدية
تعتبر شيماء الهريس وجبة غذائية متكاملة، تحتوي على الحبوب التي تمد الجسم بالألياف، والبروتينات المتمثلة باللحوم، ولكن ما يؤخذ على البعض عند تناول الهريس هو إضافة السمن بصورة كبيرة. وللأفراد الذين لا يعانون من أمراض سمنة أو كوليسترول يمكنهم تناوله بكميات بسيطة، بينما يجب على المصابين بأمراض مزمنة مثل أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم والكوليسترول والسكري والأفراد الذين خضعوا لعمليات استئصال المرارة تجنبها لضررها.
كذلك الأمر بالنسبة للثريد الذي يحتوي على قيمة غذائية عالية بشرط ألا تحتوي المرقة على دهون وهي مثالية لوجبة الفطور، وقد أجاد الأهالي قديماً اختيار وجبات الفطور والسحور التي تمدهم بالطاقة، وذلك لطبيعة حياتهم التي تتطلب حركةً وجهداً كبيرين.
وتضم قائمة الأطعمة التقليدية أنواعاً مختلفة من الخبز، التي لا بأس من تناولها بعد الإفطار، والتي تشمل «الجباب» و«المحلى» مع تجنب إضافة السمن.
ويخضع عدد السعرات الحرارية التي يتحتم على الفرد تناولها لعوامل عدة أهمها الجنس والفئة العمرية حيث يحتاج الذكور عدداً أكبر من السعرات الحرارية، كذلك يجب مراعاة النشاط الحركي للفرد، وبالنسبة للمرأة التي لا تعاني من سمنة تمارس نشاطاً معتدلاً يتراوح معدل ما تحتاجه من سعرات حرارية من 1400 إلى 1800 سعرة في اليوم الواحد، أما فيما يتعلق بحاجة الرجل الذي لا يعاني من سمنة ويمارس نشاطاً معتدلاً فهو يحتاج ما مقداره 1500 إلى 200 سعرة حرارية، وذلك ينطبق على الأفراد ممن تجاوزوا 20 عاماً، أما في مرحلة البلوغ فتشير شيماء إلى أن الأفراد بحاجة إلى سعرات حرارية أكثر باعتبارها مرحلة النمو.
ويمكن للأفراد المصابين بأمراض مزمنة كالسكري مراقبة غذائهم بطرق عدة، فعليهم بدءاً الحفاظ على وجبة السحور، حيث إن تركها يؤدي إلى عملية هبوط في مستوى السكر بالدم خلال ساعات النهار، إلى جانب ضرورة الاعتدال في تناول الطعام، والتنويع في مصادره وضرورة احتوائها على الخضروات والفواكه، إلى جانب ذلك يُفضل لمرضى السكر تناول الخبز الأسمر بدلاً من الأبيض، لاحتوائه على نسبة كبيرة من الألياف والتي تعمل على تنظيم معدل السكر في الدم، كما يُفضل من مرضى السكر تقسيم وجبة الإفطار وعدم تناولها دفعةً واحدة.
كما تنصح أخصائية التغذية مرضى السكر بالابتعاد عن المقالي، والحلويات واستبدالها بالفواكه، ويمكن استبدال عملية قلي السمبوسة ولفائف الخضروات بخبزها في الفرن للابتعاد عن مضار الزيوت التي تلحق بمرضى السكر وضغط الدم، ويمكن إعادة النظر في عملية طهي الأطعمة لأصحاب الأمراض المزمنة، مثل سلقها أو تحميرها بمقدار قليل من الزيت. إلى جانب ذلك يجب عليهم التقليل من النشويات، والإكثار من الخضروات والفواكه بين الوجبات، وتضيف «يجب أن تتسم وجبة السحور لمرضى السكري بغناها بالألياف، مثل الخبز الأسمر والشوفان مع الحليب، بالإضافة إلى السلطات، حيث تكمن فائدة الألياف بقائها في المعدة لفترة طويلة ما يبعث الإحساس بالشبع لفترة طويلة».
ويمكن اتباع النصائح السابقة في حالات السمنة الزائدة، أو من أراد اتباع نظام غذائي صحي تجنباً لزيادة الوزن التي تلحق بالعديد من الأفراد خلال الشهر الكريم نتيجة التغير في العادات الغذائية.
ويتجه بعض الأفراد إلى رياضة المشي خلال شهر رمضان لفقد السعرات الحرارية التي تناولوها خلال فترة بعد الإفطار، وحول ذلك تقول شيماء: «يستحب ممارسة الرياضة خلال الشهر الكريم، ولكن ذلك لا يبرر تناول الطعام بكميات كبيرة لمن يعانون من سمنة زائدة».
بعد انقضاء شهر الصيام يعود الناس لسلوكياتهم الغذائية المعتادة، وفي ذلك يُنصح بالحفاظ على تناول 3 وجبات، حيث إن الاستغناء عن إحداها يؤدي إلى الإفراط في تناول الوجبة التي تليها، أما عندما يعتاد الفرد على تناول وجبتين يعمل بذلك على تعويد جسمه على حرق عدد أقل من السعرات الحرارية، ما يؤدي إلى تكاسل الجسم وحرقه للسعرات الحرارية المكتسبة واحتفاظه بالدهون، بالتالي فإن المحافظة على 3 وجبات رئيسية أمر صحي وضروري، ويستحب تناول فاكهة أو قطع بسكويت بين الوجبات، ما ينتج عنه نشاط العمليات الأيضية، وحرق السعرات الحرارية التي يتم تناولها وبالتالي الدهون المخزّنة.
وتؤكد شيماء على ضرورة عدم تأخير وجبة العشاء، حيث يُعد تأخيرها من السلوكيات المؤدية إلى السمنة وارتفاع نسبة السكر في الدم والكولسترول، لا سيما إذا احتوت الوجبة على نسبة عالية من الدسم، ويُفضل أن يفصل بين وجبة العشاء ووقت النوم ما يقارب ساعتين في حال كانت وجبة خفيفة و4 ساعات إذا كانت دسمة.
مخاطر الزيت
ينصح دائماً بتجنب أو تقليل استخدام الزيوت في الطهي، ولكن ذلك لا يمنع احتوائها على فوائد صحية التي تلخصها شيماء في احتوائها فيتنامين وفيتامين ء التي يحتاجها جسم الإنسان، ولكن بطبيعة الحال الإكثار منها ضار بالجسم. أما النصح بالابتعاد عن الأطعمة المقلية فيعود لعملية تسخين الزيت لفترات طويلة ما يؤدي إلى تأكسده وإضراره بالجسم، أما إضافته للسلطة فتزيد من قيمتها الغذائية، كذلك في عملية تحمير الطعام عن الطبخ أو الشي فلا بأس منه بكميات قليلة ومعتدلة.
وجبة إفطار نموذجية .. محتوى صحي ولذيذ
للحفاظ على الصحة في رمضان، نقدم نموذجاً مقترحاً لوجبة صحية في للصائم، تمد الجسم بمختلف العناصر الغذائية، وتقيه من الجوع والعطش، مع مراعاة تنوع الأصناف الغذائية، مع الحفاظ على قيمة غذائية عالية، ويضم النموذج أطعمة محلية تشكل وجبات متكاملة مثل الهريس والثريد مع تجنب الاستخدام المفرط للسمن. ويشمل الإفطار: 3 حبات من التمر لاحتوائها على سكريات يحتاجها الجسم .
حيث أن 3 تمرات تعطى 60 وحدة حرارية أي يحتوي التمر على 318 وحدة حرارية فى كل 100 جرام.وقد وجد أن 10 تمرات تحتوى على 228 سعرا حراريا و 6/1 جرام من البروتينات و16 جرام من الكربوهيدرات.
والتمر غني بالألياف الطبيعية بالإضافة إلى احتوائه على 541 جراما من البوتاسيوم، كما وجد أنه يفيد كثيرا فئ علاج الأنيميا ويساعد على إشاعة الهدوء النفسي، بالإضافة إلى كوب روب أو حليب، وشوربة غنية بالخضروات أو الشوفان توفر للجسم الألياف المسهلة لعملية الهضم، ويساعد على مقاومة الجوع بين الوجبات، ويقترح تناول سلطة بخضار متنوعة، وفطائر السمبوسة (يستبدل القلي بالشوي في الفرن ).
أما الوجبة الرئيسية فيمكن تناولها بعد الإفطار مباشرةً أو بعد صلاة العشاء حسب الرغبة، ويمكن تضمينها أرزا مسلوقا، الثريد مع مراعاة تجنب الدهون في المرق، أو الهريس بحيث يتم تقليل كمية السمن أو الاستغناء عنها لمن يعانون من سمنة أو أمراض مزمنة مثل اسكري وضغط الدم والكوليسترول.
يمكن تناول وجبة خفيفة مثل سلطة الفواكه أو حصة من البقوليات المسلوقة مثل النخي (الحمص) أواللوبيا أوالفول. أما وجبة السحور فينصح باحتوائها على سلطة خضروات، أو كوب حليب، أو روب مع أرز مسلوق، ويُحبذ تناوله عند السحور لوقاية الجسم من الجوع، أو قطعة خبز أسمر غني بالألياف المسهلة للهضم مع جبنة أو لبنة، إلى جانب حبة فاكهة.
للحفاظ على صحة بدنية يُنصح باستبدال العصائر والمشروبات السكرية بأخرى طبيعية ويفضّل تجنب الحلويات عند السحور لتجنب نوبات الجوع التي تلحقها، كما يجب شرب لتر إلى لتر ونصف من الماء للوقاية من الجفاف.
عيادات التغذية والتثقيف تنصح بالالتزام بالعادات الصحية
أكدت شيماء قايد أخصائية التغذية في هيئة الصحة بدبي أن معظم المترددين على عيادات التغذية والتثقيف تتعلق شكاواهم في كيفية المحافظة على الوزن خلال شهر رمضان بسبب تغير طبيعة الأطعمة والعادات الغذائية، بالإضافة إلى مخاوف تصدر من مرضى السكري من إصابتهم بنوبات هبوط خلال ساعات النهار، وقالت قايد إن البعض يشكو من الإعياء والتعب والعطش، لذلك ينصح خلال فترة ما بعد الفطور إلى السحور بالإكثار من شرب الماء من لتر ونصف إلى لترين، لتعويض الجفاف الذي يصاب بها الفرد خلال الصيام، والمقصود الماء في صورته الطبيعية خلافاً للسوائل التي تُغني عن شرب الماء.
وتكثر حالات الإصابة بالإمساك في رمضان، ولعل أهم أسبابها الإكثار من تناول الأطعمة المقلية، وهجر الأصناف الغنية بالألياف كالخضروات والفواكه والشوفان، والبقول كذلك التي تشمل الحمص والعدس واللوبيا والتي يستحب تناولها مسلوقة، وتنصح شيماء بشرب الحليب خلال الشهر الكريم عند السحور.
أمل الفلاسي
