ما أجلّ تلك اللحظة التي يجمع فيها المرء شتاتَ قلبه وعقله وجوارحه، بل كلّ ذرّةٍ من بدنه، يناجي فيها مُبدعَ الكون، ويخِر له ساجداً مُتخَلصاً من ذلّ عبوديّة من سواه. يقفُ ببابه مُتذلّلاً، يبث إليه حُزنه، يرفعُ إليه شِكايته، ويعلنُ بين يديه غِناه عن كلّ من سواه، وبهذه الكلمات الروحانية أوجه باقة من الخواطر الرمضانية لعلها تشحذ الهمم أو تشعل العزم في هذا الشهر المبارك.
رمضان كم هي القلوبُ المُتعطّشةُ لجفافِ العروقِ في نهارك، وكم هي الأقدام المُتَلَهفةُ للقيام بنورِ لياليك، وكم هي الرّقابُ الطّامِعَةُ في العتقِ يومَ يفوزُ من يُعتقُ إذْ لا يُؤسَرُ بعدَ العتقِ أبداً.
رمضان.. لكَ منزلةٌ في النفوس ومكان، وأيّ مكان، لم نُميّزكَ نحن، فنحنُ لا نملكُ حق تفضيلِ زمانٍ عن زمان، ولا مكانٍ عن مكان، بل ميّزكَ رب الزّمان والمكان، وخصّكَ بأمورٍ جعلتك دُرّةَ الزّمان، نفيسٌ أنت يا رمضان، بل نفيسةٌ هيَ الأنفاسُ فيك.
أي رمضان، سُبحان من فضّلكَ على سائر الشّهور، وخصّكَ بأيّامٍ من البركات، وليالٍ من نور، سُبحانه، قلّ الشّاكرون لنعمه، وكثُرَ الجاحدون بنعمته، وهو ربّهم وهم له راجعون، نعم، كم يحلو فيكَ القُربُ، وتعذُبُ المُناجاة، أعلم أن ربكَ هو رب بقيّة الشّهور، لكن أنتَ لستَ كبقيّة الشّهور.فأنت محطّ رِحال المُحبّين، وفي انتظارك قلوبُ المُشتاقين، وعبراتُ التّائبين، وأقدامُ المُتهجّدين، ودعواتُ المُخبِتين، ولهفةُ الصّائمين.
آخر الهمس: يضع الرسول (صلى الله عليه وسلم) دستور الصائم العاطفي الأخلاقي بهذه الكلمات الجوامع «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم» متى انقشعت عن المجتمع سحابة التخاصم وترفع الناس عن معاملة المسيء بالمثل، التقى الجميع على صعيد الحب وعادوا إلى ما فطرهم عليه من طبيعة التآلف والتقارب..«وتقبل الله طاعاتكم».
جميلة إسماعيل