لطالما سيطرت قضية غلاء الأسعار على عناوين الصحف ونشرات الأخبار التلفزيونية وأبرز المجالس المحلية، لتأثيرها البالغ على حركة الأسواق وعمليات البيع والشراء، وبلا شك أن بقاء الأسعار على ما هي عليه بعد الأزمة المالية فيه مؤشر على عدم وجود ضبط ورقابة مباشرة أو غير مباشرة عليها، وهذا يكشف لنا مدى تغلغل سياسة الاحتكار في الأسواق، الأمر الذي اثر بشكل مباشر على المواطن والمقيم من ذوي الدخول المحدودة.

هذه القضية كانت مثار جدل في مجلس جمال الحاي، عضو المجلس الوطني الاتحادي بمنطقة جميرا في دبي، حيث أثارت النقاش بين جميع ضيوف هذا المجلس، والذين اتفقوا جميعا على ضعف الرقابة على الأسعار وحتى الأسواق، وترسيخ ثقافة الاستهلاك بين أفراد المجتمع، وقلة الأسواق التجارية الضخمة في الدولة وانحصارها ببعض المراكز التي بدأت تغتنم الفرصة لتغيير الأسعار بين الفينة والأخرى، وقد ضرب الحضور أمثلة عديدة من الولايات المتحدة وفرنسا وحتى المغرب وغيرها.

«البيان» تواجدت في المجلس وتابعت ما جرى فيه من نقاشات ومداخلات، وخرجت منه ببعض الآراء التي دعت في مجملها إلى ضرورة تفعيل دور لجان الرقابة في وزارة الاقتصاد وكذلك جمعية حماية المستهلك لحمايته من «غول» الأسعار.

دور المجلس الوطني

بداية الحديث كانت لجمال الحاي، عضو المجلس الوطني، والذي تحدث في مداخلته عن الدور الذي لعبه المجلس الوطني الاتحادي في عملية ضبط الأسعار خاصة في شهر رمضان المبارك، حيث قال: «بلا شك ان هذه القضية مهمة جدا، وتعتبر من الأبرز على الساحة المحلية، لأنها تطال كافة شرائح المجتمع، وفي هذا الخصوص ندرك تماما أهمية دورنا كأعضاء مجلس وطني في المساهمة بالحد من تفاقم هذه الظاهرة التي تطال المواطن والمقيم على حد سواء.

خاصة وان الإمارات قد قطعت شوطا طويلا في مجالات التجارة والتطور الاقتصادي وكافة المجالات الأخرى»، وأضاف: «ونظرا لأهمية هذه القضية فقد تمت مناقشتها في جلسات المجلس الوطني، وتحديدا في الجلسة التي عقدت في مايو الماضي، حيث نوقش فيها الفصل التشريعي الرابع عشر، وقبل عقدها تقدمنا بطلب استدعاء لوزير الاقتصاد، معالي سلطان بن سعيد المنصوري، وزير الاقتصاد، والذي ناقشنا معه «تفاقم ظاهرة ارتفاع الأسعار»، وتطرقنا فيها الى العديد من النقاط المحورية الهامة مثل دور الجمعيات التعاوني.

وسياسة الاحتكارات التي يتبعها بعض التجار، ودور لجان الرقابة المختلفة، وقد خرجنا في نهاية النقاش بعدد من التوصيات التي تقضي بضرورة إعادة النظر في بعض الأنظمة والقوانين ووضع استراتيجية اتحادية لمواجهة هذه الظاهرة، وتبني سياسة دعم بعض السلع مثل الأرز والقمح وغيرها، ودعم القطاع الزراعي في الدولة، والعمل على زيادة المنافسة في الاقتصاد الوطني لمواجهة ظاهرة الاحتكار، ودعم الجمعيات على الانتشار الجغرافي»، وأضاف:«وقد لمسنا خلال المناقشات تجاوب جيد من قبل وزير الاقتصاد، الذي حاول بدوره توضيح بعض الأمور المتعلقة بهذه الظاهرة وسبل الخروج منها».

وحول إذا ما شكلت السلة الرمضانية حلاً لارتفاع الأسعار في شهر رمضان قال الحاي: «بلا شك أنها مثلت حلاً، وأنها ساعدت على كبح جماح الأسعار ولكن المشكلة فيها ان محتويات هذه السلة لا تغطي احتياجات الأسرة، وهو ما يعني الخروج من دائرتها والوقوع في فخ غلاء الأسعار».

وبدوره علق الدكتور سلطان أحمد عبد الله المؤذن، عضو المجلس الوطني الاتحادي : «بلا شك أن غلاء الأسعار ظاهرة تؤرق الجميع، ولكن ما هي أسباب هذه الظاهرة وكيف تفاقمت؟ اعتقد ان هذا هو المهم في الموضوع، وبتقديري ان هناك عوامل كثيرة لعبت في رفع أسعار الكثير من المواد ولعل أهمها هو ضعف الرقابة على الأسواق والمحلات التجارية وهو ما شجع التجار على رفع أسعارهم بشكل ملفت للنظر، وقد عزز من ذلك احتكار بعض التجار للسلع والوكالات التجارية، الأمر الذي انعكس سلبا ليس فقط على الأسعار إنما على جودة السلع التي يفتقر بعضها للمواصفات والمقاييس المحلية والعالمية».

وأشار المؤذن في سياق حديثه الى ان الارتفاع المستمر في الأسعار ادى الى غياب الشفافية بين التاجر والمستهلك بصورة واضحة، وهذا ما اوجد نوعا من الغش التجاري، وقد عمق ذلك غياب أو ضعف دور المؤسسات الرقابية سواء في البلديات أو أجهزة الرقابة المستقلة أو تلك التابعة لوزارة الاقتصاد، وتساءل المؤذن عن أسباب انحصارها في بعض إمارات الدولة، وغيابها عن الإمارات الأخرى، وطالب بضرورة تفعليها بسرعة كمحاولة لإعادة التوازن الى السوق المحلي، ورفده بسلع ذات جودة عالية وفق المعايير والمقاييس المعمول بها محليا، كما طالب المؤذن بضرورة قيام وزارة الاقتصاد والجهات المعنية بفك نظام الاحتكار حتى لا يبقى المواطن ضحية لبعض الوكالات.

وفي إطار التنزيلات أشار د. المؤذن إلى أن قيام بعض محلات الملابس بالتلاعب في طريقة عرضها للتنزيلات، بطريقة لا تشد انتباه الجميع، علما بأن الملابس المعروضة هي مقلدة ولا يكتب عليها بلد المنشأ الصحيح، معتبرا في ذلك غش تجاري وعملية نصب واضحة.

وتطرق المؤذن في مداخلته إلى قضية ضعف المختبرات على مستوى الدولة، مشيرا إلى تشدد بعض إمارات الدولة في عملية الرقابة والتفتيش بينما تتساهل إمارات أخرى في هذه العملية، مؤكدا على وجود بعض الصعوبات في التنسيق مع الجهات المحلية.

سوء التخطيط

ومن جهته، قال جمال بن سعيد بن ثاني: «اعتدنا جميعا على مناقشة هذا الأمر من زاوية الغلاء فقط، ولم يحدث في مرة ان تطرقنا الى الأسباب الفعلية، وبتقديري ان سبب الغلاء الرئيسي هو عدم التخطيط الصحيح للمناطق السكنية، الامر الذي ادى الى افتقارها للأسواق والمخازن الكبيرة التي تعرض فيها شتى البضائع.

واقتصارها على بعض فروع السوبر ماركت الضخمة والتي لم تعد هي الأخرى قادرة على تلبية احتياجات سكان هذه المناطق، وهو ما أدى الى رفع أسعار السلع والخدمات التي تقدمها هذه المحلات التي تسعى الى تحقيق اكبر عائد ربحي ممكن في اقصر وقت».

وأضاف بن ثاني: «بنظرة سريعة على اي منطقة من مناطق دبي او حتى في الإمارات الأخرى، سنجد ان عدد المحال التجارية الكبيرة التي تبيع المواد الغذائية لا يتعدى أصابع اليد الواحدة، الامر الذي يجبر المواطن او المقيم على قطع مسافة طويلة للوصول الى اقرب مركز أو محل تجاري لشراء ما يحتاجه، ولذلك ارى بأن قلة هذه المنافذ قد شجع اصحابها على فرض المزيد من التحكم في الاسعار».

واكد بن ثاني في مداخلته على انه يمكن للاسواق الضخمة ان تساهم في ضرب الاسعار وإعادتها الى وضعها الطبيعي، وكذلك كسر عمليات احتكار السوق التي يقوم بها اصحاب بعض الوكالات، وفي السياق ذاته استشهد بن ثاني بتجربة الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا والمغرب التي خصصت لكل مجمع سكني سوق تجاري ضخم خاص بها.

ثقافة استهلاكية

في المقابل تطرق علي بوجسيم في مداخلته إلى طبيعة الثقافة الاستهلاكية الموجودة في المجتمع ومدى مساهمتها في رفع الاسعار، حيث قال: «المشكلة التي نعاني منها كمجتمع هي طبيعة الثقافة الاستهلاكية الموجودة لدينا، حيث ساهمت ظاهرة البذخ الاستهلاكي في زيادة معدلات التضخم جراء ارتفاع الطلب في الأسواق بشكل مبالغ فيه على السلع والخدمات وهذا انعكس سلبا على الاقتصاد الوطني»، وأضاف: «لقد أصبح نهم الشراء نمطاً اعتيادياً لدى العديد من الأسر، وهذا ما دفع بمؤشرات أسعار مختلف القطاعات الى الاعلى.

ومعدلات هذا الاستهلاك يرتفع بشكل ملحوظ في الأعياد والمناسبات، عبر لجوء المستهلكين إلى شراء منتجات تفوق احتياجاتهم الفعلية، إلى جانب لجوء بعضهم إلى تخزين السلع بشكل مستمر لتفادي أزمات اختفاء السلع وارتفاع الأسعار، ولذلك اعتقد انه يجب على ادارة حماية المستهلك ووزارة الاقتصاد ووسائل الاعلام العمل على نشر مفاهيم ترشيد الاستهلاك ومواجهة البذخ وآثاره، إلى جانب الاهتمام بتوعية المستهلكين بشكل شامل حول سبل الاستهلاك الصحيحة، خصوصاً في أوقات المناسبات المختلفة».

وفي إطار الحديث عن تأثير الأزمة المالية على الاقتصاد وإفرازها لثقافة ترشيد الاستهلاك قال بوجسيم: «لا ننكر ان الأزمة المالية قد احدثت لدى بعض شرائح المجتمع المحلي نوعا من ترشيد الاستهلاك، وعلى الرغم من عدم امكانية تعميمه على كافة طبقات أو شرائح المجتمع، الا انه يمكن اعتباره بادرة خير».

وفي السياق نفسه، اشار غسان أمهز في مداخلته الى دور الاعلام في الحث على ترشيد الاستهلاك، وقال: «اعتقد ان الاعلام يلعب دورا مهما في هذا الاطار، وقد بدأنا نلمس في الاونة الاخيرة توجه إعلامي نحو ترسيخ مثل هذه الثقافة لدى المجتمع، من خلال ما يبث على بعض القنوات التلفزيونية من اعلانات تدعو لذلك، وبتقديري ان هذه خطوة جيدة ولكن يجب ان تتبعها خطوات اخرى تدعمها».

غسان خروب