مثّل كل الفلسطينيين الذين اقتلعتهم من ديارهم آلة الحرب الإسرائيلية عام 1967، ظلّت الفنانة التشكيلية، المقدسية الأصل هائلة الوعري تحتفظ برائحة مكان الولادة وذاكرة الطفولة الأولى، وتعقد الأمل على حق العودة في رحلة لجوئها الطويل التي بدأت من الأردن وانتهت في البحرين، وحين حصلت على دبلوم الفنون الجميلة من لندن عام 1990، باتت ذاكرة الحنين هي منطلق التكوين في فضاء لوحتها، وقد تعرفنا مؤخرا على هذه التجربة حين استضافت صالة السيد بدمشق معرض الوعري «القدس هنا وهناك» ضمن سياق سلسلة الفعاليات السورية التي تحتفي بالقدس عاصمة للثقافة العربية هذا العام.
في المعرض قدمت هائلة ست عشرة لوحة مشغولة بالقماش والأكريليك، أغلبها جاء بمقاسات كبيرة، وعلى وقع الذاكرة تحركت الخطوط والألوان، وتخلّقت التشكيلات، لترسم تفاصيل المكان الأول وحكايا مدينة الطفولة، كما احتفظت بها مخيلة الفنانة، فكل اللوحات تجوّلت بحب في أحياء القدس وشوارعها، وألحّت على البعد الإنساني والحضاري لهذه العاصمة العربية العريقة التي تتعرض للتهويد، لكن الرؤية اختلفت من لوحة إلى أخرى.
كانت الرؤى تفيض أحيانا من منطقة الحلم وزمن الطفولة، فيكتسي المشهد ببقع لونية كبيرة ومتناثرة الأطراف، حارة وتصادمية تعبّر عن فرح طفولي وتحد صارخ، ربما هو ردة الفعل الدفاعية على حالة الفقد المستمرة. وفي بعض الأحيان كانت الذاكرة تستحضر مدينة السلام والأنبياء برموزها التاريخية المختلفة، فتدخل مساجدها وكنائسها، تصوّر صلبانها وقببها، تحكي عن ولادة المسيح وعن العشاء الأخير وعن مسرى النبي، وهنا تلين الخطوط، ويكتسي المشهد بالسكينة، وتغلب عليه ألوان غصن الزيتون.
وفي بعض اللوحات تذهب ريشة الفنانة مباشرة إلى واقع المدينة الراهن، فتملأ المكان وفراغات التكوين بأشكال ضبابية لجموع من البشر، تعاني الألم، وتشهد على حرب الإبادة، تغضب وتثور، وتتحدى الموت بالعرس الفلسطيني، وتنتصر على جراحها النازفة كل يوم، وفي كل اللوحات كان ثمة خطوط عريضة سوداء وأسلاك شائكة، تقطع أوصال التشكيل بحدة، لتشير إلى جدران الفصل العنصري.
وإذا كانت موضوعات المعرض قد تعدّدت في إطار وحدة المكان، فإن أساليب المعالجة قد اختلفت بحسب زاوية النظر، ففي مناطق الحلم ساد الأسلوب التجريدي، ومشاهد الواقع استلهمت التعبيرية، وحاولت بث حس درامي حاد بالتصادم مابين الألوان الترابية والمساحات الحمراء، وطغت النزعة الانطباعية على صور التاريخ والرموز الدينية، وفي أغلب اللوحات انشغلت الفنانة بالعمل على توسيع أمداء التكوين والتعديد من طبقاته عبر خلق سماكات لونية متباينة، أوجدتها من خلال خلط ألوانها في بعض المناطق تارة بالرمل، وأخرى بمسحوق الزجاج والصمغ.
دمشق ـ تهامة الجندي
