يأتي الشهر الفضيل، وهو الشهر الذي ينتظره الناس من عام إلى عام بفارغ الصبر، ويوحي انتظارهم له، ولما يحض عليه بأنهم حقاً مستعدون لأداء واجباته ومتطلباته.لكن ما يثير العجب، أن الاستعداد لهذا الشهر غالباً ما يتنافى مع واجباته جملة وتفصيلاً.
فالمرء لا يرى من ملامح الشهر الفضيل كما يتصور ويأمل ويتوقع، وإنما يرى تنافياً لافتاً لكل موجباته.
حيث ينحو الناس إلى الكسل والخمول بدلاً من العمل والنشاط، خاصة مع تقليص ساعات العمل، كما أنهم يقضون ساعات الليل في السهر ومتابعة قنوات التلفزة المتعددة، حتى طلوع الفجر، فيكون السهر قد استهلك كل الطاقة، حتى لا يسعهم أداء صلاة الفجر.
أما قضاء باقي النهار فغالباً إن لم يكن على مكاتب العمل المترهل، فهو في الجمعيات التعاونية والسوبر مركتات لتحميل عربات التبضع بكميات من المواد الغذائية التي تزاحم بعضها بعضاً، ثم لا تجد لها مكاناً في أطباق المائدة المزدحمة ساعة الإفطار ومن ثم يكون مصيرها أرفف المطابخ حتى تنتهي صلاحيتها وإما مكب الزبالة والعياذ بالله.
أما أغلب النسوة فتجدهن في مراكز التسوق حتى ساعات الليل المتأخرة ومحلات الخياطة، ثم لا ضير من استكمال السهرة في خيم الشيش، وبرامج الترفيه السطحية.
سنوات مرت وفي كل رمضان يأمل المرء أن تتغير الصورة النمطية التي تكرست على مدى السنوات، لمجتمعات يمكن وصفها بمجتمعات اللامبالاة. فكيف تحولت هذه النفسيات إلى ما هي عليه؟
وكيف تقلص احترامهم للشهر الكريم؟ ولمَ تغير احتفاءهم به ليتحول إلى احتفائهم بأنفسهم شكلاً أكثر منه مضموناً؟ إلا قلة قليلة لابد أن تنصف فلا تشمل حيث لا يجوز التعميم هنا.. قلة بقيت محتفظة بتلك العلاقة الروحانية السامية التي لا تسمح أن تشوبها شائبة، بل ما زالت تجد رمضان فرصة ذهبية لها فلا تسمح بانفلاتها من بين يديها دون أن تستغلها وتستثمرها بأقصى درجة لتعويض كل تقصير حدث بقصد أو من دون طوال أحد عشر شهراً.
كم جميل أن تُحيى أيام رمضان ولياليه كما ينبغي لها أن تُحيى.. بكثير من التأمل والتدبر والتذكر والعبادة واستباق فعل الخيرات، لتكون حصيلة من الحسنات لعلها تشفع للمرء ثغرات وعثرات شهور السنة.
أنيسة أحمد علي ـ دبي
