تدفع تصرفات واقتراحات البعض والتي يستمع إليها المرء عبر برامج الصباح الإذاعية، إلى ما يثير العجب وتبدو غامضة القصد. فمع استعدادات الناس لشهر رمضان، واستعدادات المؤسسات وعلى رأسها وزارة الاقتصاد لضبط أسعار المواد الاستهلاكية في محاولة لردع شهية التجار في هذا الشهر الفضيل من اغتنامه كفرصة ذهبية لاستغلال مقدرات الصائمين، باعتباره شهراً ومناسبة تكثر الحسنات والصدقات فيه.

نقول انه مع هذه الإجراءات يتنطع البعض بمقترح لرفع الأسعار، لكنه لم يوضح الهدف من اقتراح كهذا، خاصة أن الغلاء أصلاً هو الغول الذي يؤرق الناس جميعاً، وهو لم يعد حالة خاصة بمجتمع دون آخر، بل ضرب جميع المجتمعات، وجميعها تعاني من استشراء الغلاء. فلا فرق بين دولة فقيرة أو غنية، حيث الكل يشكو من ارتفاع أسعار المواد الأساسية.

ويشكل مثل هذا الاقتراح صدمة في مثل هذه الظروف العالمية، ومتى؟! في شهر هو من أكرم الشهور حيث يتنافس الناس فيه لتقديم أكبر قدر ممكن من الحسنات والصدقات، فيأتي من يحاول الإسهام بتقليص قدرة المحسنين على فعل الخير، بتقديمه مقترحاً يحد من قدرتهم الشرائية، وقد لا يعي أنه بدلاً من تمكن أسرة من إفطار عدد من الصائمين فقد تكتفي بعدد أقل ان لم تمتنع عن العمل برمته نظراً لتكبدها مبلغاً قد يفوق قدرتها المادية.

لأمثال هؤلاء نقول.. لمَ يحاول البعض منع الناس من عمل الخيرات؟ ولم يحاولون التغريد خارج السرب بنغمة نشاز لكنها قد تطرب من لا يعرف النغمة الأصيلة والحقيقية.

نحن في هذا الشهر الكريم نطالب كما كنا نطالب قبل حلوله بضرورة التيسير على الناس، وضرورة خفض أسعار المواد الاستهلاكية وخاصة الغذائية والضرورية المبالغ في تسعيرها. كما نقول لأمثال هؤلاء - ولعلهم من المقتدرين - إن كنتم من التجار أو لكم مصلحة معهم لتقترحوا مثل هذه الفكرة، فعلى الأقل إن لم تكن على حسابكم فلتؤجل لغير هذا الشهر الذي يتنافس الناس فيه ويسابقون لعمل الخيرات.

وإن ما يراه البعض من تكديس للمشتريات في عربات التبضع في الجمعيات فإن ذلك لأن الناس اعتادت على إعداد وجبات إضافية وأكثر من المعتاد نظراً لقيام الأسر بتوزيعها على الجيران وعلى المحتاجين كما إنها توضع في الخيم المنصوبة أمام البيوت لإفطار غير المقتدرين وعابري السبيل، وتكون المائدة متاحة لكل صائم.

لكن إن كان الاقتراح مفاده ردع الناس عن الاستهلاك والتبذير فقد يكون صاحب الفكرة قد اختار الاقتراح الخطأ والوقت الخطأ، وإن كان ممن يستطيع الشراء بمبالغ عاليه فإن الغالبية الأكبر من الناس لا تستطيع. وكل رمضان ونحن إلى الله أقرب وإلى فعل الخيرات وتقديم الحسنات والقيام بالعبادات أسبق.

أنيسة العمودي ـ دبي