سأل صحافي عربي ناشراً إنجليزياً، «هل تصدر ترجمات رديئة في بلادكم»، فأجابه بدهشة: لا، فالوضع الثقافي في البلد لا يسمح بذلك. الأمر في العالم العربي مختلف، كل شيء يشجع على صدور ترجمات رديئة، حقوق المترجم، الملكية الفكرية، جشع بعض دور النشر..
لذا لا تزال الترجمة عشوائية؛ يشتري مترجم نسخة من كتاب، ويترجمه، ويعطيه لناشر ينشره من دون رقابة أو مراجعة أو حقوق نشر. فتظهر ترجمات ضعيفة وغالباً ليس عن لغاتها الأصلية، وهو ما يجعلها تحتاج إلى ترجمة ليستطيع القارئ فهمها!الجيد في الموضوع أن العالم العربي يسعى إلى الاطلاع على ثقافات الشعوب الأخرى، وهناك طلبة لغات أجنبية، في الإمارات مثلاً، ممن يبحثون عن دورات ترجمة، لكنهم لا يجدون سوى الترجمات القانونية، وهم يرغبون في التمرن على ترجمة الأعمال الأدبية والفكرية والعلمية وغيرها.يبدو أن الحل في المشاريع الطموحة وغير الربحية، مثل «كلمة» التابع لهيئة الثقافة والتراث في ابوظبي و«ترجم» التابع إلى مؤسسة محمد بن راشد. ويمكن الاطلاع على الكتب المئة التي ستترجمها «ترجم» في عام واحد. أما تكاليف الترجمة فتتم من خلال شراء 1500 نسخة من كل كتاب يُترجم، ويخضع التقييم إلى نخبة من المفكرين والأكاديميين والخبراء.
«كلمة» تترجم من ؟؟ لغة، أولها الإنجليزية وأصدرت مؤخراً تسعة كتب. ويتحمل شركاء «كلمة» من الناشرين مسؤولية اختيار المترجم المناسب لترجمة كتاب معين. ولا يتعامل المشروعان «كلمة» و«ترجم» مع المترجمين مباشرة، إلا أنهما ملتزمان بالاستثمار في مجال الترجمة باعتبارها مهنة، ويعتزمان إرسال المترجمين في بعثات دراسية لإعداد جيل جديد من المترجمين. يقول جوزيف رزق، المسؤول عن مشروع «كلمة»: المشروعان مختلفان سواء باختيار نوعية الكتب أو المترجمين، وفي التسويق وأسلوب دعم الترجمة.
نحن نترجم لهم، أي للكتّاب والأدباء الأجانب، ولكننا بحاجة إلى أن يطلعوا هم على أدبنا وفكرنا. وهذا ما يمكن أن نطلق عليه «الترجمة العكسية». كان مهرجان دبي للشعر العالمي مناسبة لاطلاع مائة شاعر مدعوون إليه على إنتاجنا الأدبي.
ولكن ليس لدينا ما نقدمه لهم من ترجمات لأدبائنا الإماراتيين والعرب فيما عدا بعض الأنطولوجيات الشعرية التي صدرت هنا وهناك وهي على عدد أصابع اليد الواحدة.
يرى المترجم محمد السعدي أن ترجمة الإبداع العربي إلى لغات العالم لا تزال فقيرة كمَّاً ونوعاً وفي كثير من الأحيان تخضع لعوامل ظرفية، تغيب فيها الترجمة المنظمة التي ترتبط بالتخطيط والمثابرة، فضلاً عن الجودة.
وفي الاتجاه الآخر نرى أن دور النشر الغربية تقوم بترجمة أدبنا إلى لغاتها. والدليل على ذلك إن الكتب الجيدة تفرض نفسها على القارئ الغربي، فقد بيع من رواية علاء الأسواني «عمارة يعقوبيان» ما يقارب الـ 200 ألف نسخة في فرنسا فقط. ومؤخراً قامت إحدى كبريات دور النشر الفرنسية وهي دار «لافون» على توقيع عقد مع الكاتبة والشاعرة السورية سلوى النعيمي، حصلت بموجبه الدار الفرنسية على حقوق ترجمة روايتها «برهان العسل» إلى الفرنسية وكل لغات العالم بالإضافة للحقوق السينمائية، وتقوم حالياً بترجمتها إلى17 لغة عالمية.
وهو حدث فريد من نوعه ليس للأدب العربي فقط بل للآداب العالمية كافة. وقد حققت روايتها الصادرة حديثا عن دار رياض نجيب الريس في بيروت أعلى رقم في مبيعات معرضي بيروت والضاحية، لكنها مُنعت في بلدها سوريا وأثارت الكثير من الجدل واللغط وتعرضت لانتقادات حادة لتناولها موضوع الجنس بجرأة بالغة .
حيث سمت الأشياء بمسمياتها الصريحة، بالاعتماد على كتب التراث العربية. وفي اتصال هاتفي مع المؤلفة ذكرت بأن إبداعنا الأدبي لا يزال يعاني من الإهمال ويجهله القارئ الغربي لأنه لا توجد ترجمة منظمة له، بل إننا لا ننفق حتى عشر ما ينفقه أي بلد أوروبي صغير على الترجمة على الرغم من ثرواتنا الطائلة.
وهكذا يعاني الأدب العربي التهميش والتجاهل. يروي أحد النقاد الألمان إنه عندما منح نجيب محفوظ جائزة نوبل سنة 1988 ، قائلاً: نزلت إلى المكتبات وسألت عن أعماله المترجمة إلى الألمانية، فلم أعثر إلا على ترجمة لرواية بوليسية عنوانها «اللص والكلاب»، وقيل لي إن ترجمة لرواية أخرى قد صدرت في برلين الشرقية، ولكنها غير متوفرة في المكتبات وما فاجأني أكثر من ذلك هو أن الصحافة لم تتفق حتى على شكل واحد لكتابة اسمه. فهناك من يسميه «مخفوتس»، بينما يدعوه آخرون «مهنوس» أو «مهفوس».
وأنا أتساءل: كيف تمنح جائزة نوبل لأديب لا يعرف الرأي العام اسمه الصحيح.ولكن ترجمات قليلة لأدب نجيب محفوظ جعلته يشتهر في العالم، يقول الكاتب والمترجم محمد عيد إبراهيم ما كان لنجيب محفوظ أن يفوز بجائزة نوبل لولا ترجمة بعض رواياته إلى عدد من اللغات الأوربية، لا سيما الفرنسية «زقاق المدق» هي أول ما ترجم من روايات محفوظ إلى الفرنسية في 1970.
وتغير اسمها إلى «زقاق المعجزات». وفي حينها، اقترح نجيب محفوظ إنشاء مؤسسة تابعة لجامعة الدول العربية، تتولى ترجمة الأعمال الأدبية من العربية إلى لغات العالم ولكن هذه الأمنية لم تتحقق لحد الآن. ويذهب مع هذه الفكرة العديد من الأدباء العرب الذين يرون إنه من الأفضل أن نترجم أنفسنا بأنفسنا لنحافظ على أمانة الترجمة كما يؤكد هذه الرؤية الروائي والمترجم، سامر أبو هواش.
مصر تخطو خطوة مهمة على هذا الطريق أي الترجمة العكسية من خلال طرح ما يطلق عليه ناصر الأنصاري، مدير هيئة الكتاب، تصدير الأدب من خلال التعاون مع الناشرين الأجانب لترجمة الأدب العربي لضمان الترجمة الدقيقة لأن ترجمة ركيكية وغير متقنة للأدب العربي هي أكبر إساءة إليه. على أية حال، لا يمكن إقصاء الإثارة من الترجمة، فكتاب زوجات الرسول بيع منه 500 نسخة بمجرد نزوله للمكتبات الفرنسية على سبيل المثال وليس الحصر.
دبي ـ شاكر نوري

