لا تزال قضية المياه وقلة مواردها في الدولة تمثل إحدى القضايا الشائكة التي تؤرق الجميع، وذلك لوقوع الدولة في حزام المناطق الجافة والقاحلة، حيث وبلا شك أن الزيادة المطردة في عدد السكان ومشاريع التنمية الاقتصادية في الدولة تمثل تحدياً كبيراً فيما يتصل بتوفير مصادر المياه اللازمة لسد الاحتياجات المتوقعة في إطار الاستدامة البيئية والاقتصادية والاجتماعية.
وكانت الدراسات قد أشارت إلى أن معدل استهلاك الفرد من المياه في إمارة عجمان قد زاد من 500 لتر يوميا خلال عام 1997 إلى 600 لتر يوميا في العام الجاري، ولذلك فقد عزمت دائرة البلدية والتخطيط في عجمان اخيرا على إعداد خريطة بيئية ومائية للإمارة بالتعاون مع معهد البيئة والمياه والطاقة التابع لجامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا، لتوفير قاعدة بيانات جيدة يمكن الاعتماد عليها لإجراء الدراسات المائية للإمارة، وتوفير البيانات الخاصة بمخزون المياه الجوفية.
وقد حاولنا في تحقيقنا هذا تسليط الضوء على هذه الخريطة لمعرفة فوائدها ومجالات الاستفادة منها ولذلك التقينا مع المهندس خالد الحوسني، مدير ادارة الصحة في دائرة البلدية والتخطيط في عجمان والذي أوضح لنا بأن الهدف الرئيسي من وراء الخريطة المائية هو توفير قاعدة بيانات جيدة يمكن الاعتماد عليها في إجراء الدراسات المائية المطلوبة للإمارة، وتوفير البيانات الخاصة بمناطق مخزون المياه الجوفية في الإمارة للمساعدة على تحديد المناطق التي يسمح بها حفر الآبار وترخيصها والتي تهدف بالنهاية الى تنظيم عملية سحب واستغلال المياه الجوفية وللحفاظ على المخزون المائي للدولة».
وأضاف: «تعتبر الخرائط الهيدروجيولوجية الأساس القوي الذي تعتمد علية الدراسات والمشاريع المائية، وهذا المشروع من شأنه المساهمة في توفير بيانات قيمة عن الموارد المائية في الإمارة مثل تحديد مواقع الحفر المناسبة، الى جانب انها تتيح سهولة تحديد الطبقات الحاملة للمياه، بالإضافة الى سهولة التعرف على جودة المياه وتحديد المناطق التي تعاني من عجز مائي، الأمر الذي يسهل على الجهات المعنية اتخاذ الإجراءات المناسبة إزاء تطورات الوضع المائي».
دراسة شاملة
وفي السياق ذاته أكد الحوسني حرص إدارة الصحة وحماية البيئة على التعاون مع معهد البيئة والمياه والطاقة بجامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا ومركز دراسات الفضاء والاستشعار عن بعد في جامعة بوسطن لإجراء دراسة بيئية ومائية شاملة للإمارة، الى جانب دراسة البيئة البحرية ومصادر التلوث وتدريب كوادر الإدارة.
حول سبل تعزيز الموارد المائية في الإمارة قال الحوسني: «يمكن تعزيز موارد المياه في الإمارة من خلال الاستفادة واستغلال مياه الصرف الصحي المعالج في عمليات الري المقيد للتقليل من سحب المياه الجوفية عبر إنشاء السدود لتجميع مياه الإمطار لتغذية المياه الجوفية، بالإضافة الى زيادة كفاءة محطات تحليه المياه من البحر والتقليل من استخدام مياه الآبار، الى جانب زراعة النباتات والأشجار التي تستهلك كميات بسيطة من المياه، ولديها القدرة على تحمل ملوحتها».
وعن إمكانيات الاستفادة من هذه الخريطة، قال الدكتور زين العابدين السيد رزق، عميد معهد البيئة والمياه والطاقة، وكرسي اليونسكو حول البيئة وموارد المياه بمنطقة الخليج العربي، ورئيس هيئة مكتب معالي رئيس شبكة جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا: «في الآونة الأخيرة أصدرت الإمارة اللوائح التنفيذية لقانون استغلال المياه الجوفية.
وبلا شك أن هذه الخريطة ستوضح لنا أماكن تواجد المياه في الإمارة ومواردها ونوعيتها والخزانات المائية الموجودة والعوامل التي تؤثر على مصادر المياه الجوفية، وبالتالي فالخريطة ستوفر لنا حشد من المعلومات تحدد في مجملها طبيعة ومصادر هذه المياه واستخداماتها، إلى جانب أنها ستمكننا من منح التراخيص لحفر الآبار التي يجب ان تتم بمواصفات خاصة».
وتابع: «الخريطة المائية هي عبارة عن مجموعة من الخرائط تتكون من خريطة طبوغرافية، وخريطة مناخ وجيولوجيا وخريطة الخزانات المائية، وكذلك خريطة توضح نوعية المياه ويتم وضعها فوق بعضها البعض بعد تحويلها الى خرائط رقمية بحيث تشكل صورة واحدة لتخرج لدينا خريطة مائية متكاملة».
وأشار د. العابدين إلى ان أعماق ومناسيب المياه في إمارة عجمان التي تنقسم الى ثلاث مناطق جغرافية غير متصلة، هي مصفوت والمنامة وعجمان متفاوتة فيما بينها، وأكد على ان مياه منطقة مصفوت التي يزيد عمقها عن 100 متر تعتبر الأجود في الإمارة، تليها منطقة المنامة التي يصل أعماقها الى 30 مترا، وأقلها جودة في منطقة عجمان التي يصل فيها عمق المياه إلى أربعة أمتار، وذلك لقربها من الخليج وبعدها عن مناطق تغذية المياه الجوفية عن طريق الامطار.
مشيرا الى ان نصيب الفرد في الإمارات من المياه الطبيعة يبلغ 160 مترا مكعبا في السنة، في حين ان خط الفقر المائي يصل الى 10000 متر مكعب في السنة للفرد الواحد بحسب المعايير العالمية، وهو ما يفسر اعتماد الدولة على تحليه المياه لسد العجز في مصادر المياه الطبيعية.
وعن دور المعهد في هذه الدراسة وطبيعة تعاونه مع إدارة الصحة والبيئة التابع لدائرة البلدية والتخطيط، قال د. العابدين: «نحن سنقوم بتنفيذ الدراسة، حيث يوجد لدينا برنامج ماجستير هندسة وإدارة المياه الجوفية ويضم 15 طالبا وطالبة، وهم يعملون على مناطق مصفوت والمنامة وعجمان، وقد تمكنا خلال عامي 2007 ؟ 2008 من جمع عينات مختلفة من مناطق عجمان تعرفنا من خلالها على مناطق المياه في عجمان ومدى جودتها.
ولكن النتائج التفصيلية سنعرفها بعد استكمال التحاليل والقياسات وإعداد الخريطة، في الوقت ذاته سنستعين بما تمتلكه إدارة الصحة والبيئة من مختبرات حديثه ووحدة استشعار عن بعد، وهذا بالتأكيد سيوفر علينا الكثير من تكلفة الدراسة التي قد تزيد عن 250 ألف درهم، حيث يمكن لنا تحليل العينات التي نجمعها من مناطق الإمارة فيه بدلا من إرسالها إلى خارج الدولة»، وحول تعاونهم مع مركز د. فاروق الباز قال د. العابدين: «تعاوننا مع مركز الدكتور فاروق الباز سيوفر علينا الكثير من الوقت.
وذلك لان د. الباز يعمل على هذه القضية منذ 30 عاما وقد تمكن خلالها من تكوين جيل من الخبراء، الى جانب ان لديه صور الاقمار الصناعية التفصيلية لكل مناطق العالم بما فيها الامارات، حيث قاموا في السابق بدراسة عامة للإمارات الشمالية، وبالتالي فهذه الصور ستمكننا من تحديد مواقع الابار في الامارة وتصنيفها اما منتجة او غير منتجة او ملوثة، الى جانب انه يمكن لنا معرفة المناطق الواعدة وكذلك المناطق التي لا يوجد فيها مياه اصلا، وعلى ضوئها يمكن لنا منح التراخيص».
وحول مدى الاستفادة من تنبوءات الأرصاد الجوية في إعداد الخريطة المائية قال د. العابدين: «نحن نحاول في دراساتنا المائية الاستفادة من كل معلومة تصلها ايدينا، وبلا شك أن المناخ عامل مهم يؤثر على المياه ومن اهم عناصره الامطار ومعدلات التبخر، ولدينا حاليا معلومات كاملة وشاملة جمعت من 60 محطة داخل وخارج الإمارة منذ عام 1960.
حيث تبين لنا هذه المعلومات توزيع الأمطار ومعدلاتها السنوية وأكثر شهر تتساقط فيه الأمطار، ومن خلالها يمكن لنا معرفة إذا كان هناك دورات مائية ام لا، وذلك يمكننا من التنبوء متى يمكن ان يكون لدينا مطر غزير، وقد اكتشفنا من دراسة الامطار ان كل 10 سنوات يكون هناك عام شديد المطر، وبالطبع فهذا يفيدنا في عملية استغلال مياه المطر، وكذلك حصاد المياه التي يمكن الاستفادة منها، من خلال حقنها في الارض قبل تبخرها للاستفادة منها مستقبلا، كما يحدث في امارتي الشارقة وابوظبي اللتان تقومان بهذه العملية في محطات تحلية المياه''.
وأكد د. العابدين ان النتائج التي ستصل إليها الخريطة المائية ستكون مثيرة، حيث سيتم الاعتماد عليها في عمليات حفر الآبار واستغلال المياه الجوفية في عجمان على أسس علمية.
الخريطة الهيدروجيولوجية لمياه عجمان تنتهي سبتمبر 2010
يستغرق إعداد الخريطة الهيدروجيولوجية عاما كاملا ويبدأ فعلياً في أكتوبر المقبل وينتهي في سبتمبر 2010، وتسعى الدراسة الى حصر المياه التقليدية في عجمان كمياه السيول الموسمية التي يتم حصاد جزء منها بواسطة عدد من سدود التغذية، ويفقد جزء كبير منها عن طريق التبخر الطبيعي. وكذلك كميات المياه الجوفية، والتي تكون في الخزانات الطبيعية للمياه، بغرض إدارتها وتحقيق الاستفادة من مياهها وتقليل مخاطر تلوثها أو استنزافها.
كما تسعى إلى دراسة مصادر المياه غير التقليدية مثل مياه التحلية ومياه الصرف المعالجة وتقييم آثار تلك المياه واستخداماتها على الإنسان والبيئة، وتشمل ايضا وضع مقترحات عملية من واقع دراسات ميدانية في الدولة ومنطقة الخليج لتعزيز موارد والمياه بتطوير تقنيات حصادها ترشيد استخدامها والتوعية بمشاكل المياه وضرورة مشاركة الأفراد في مواجهتها بما يحقق الفائدة للجميع، الى جانب المساهمة في إعداد عدد من النماذج الرياضية لمصادر المياه بالإمارة بهدف إدارتها على أسس علمية واستخدام أحدث التقنيات في إعداد تلك النماذج منها الاستشعار عن بُعد ونظم المعلومات الجغرافية والنظائر الطبيعية.
غسان خروب
