«كانت الساعة قد تعدت الخامسة عصرا عندما قرر العودة إلى بيته، فقد كان طوال الوقت مشغولا بإنجاز معاملاته، ذهب الى سيارته مسرعا وأدارها دون وعي، عازما الوصول إلى بيته قبل أذان المغرب، فعائلته تنتظره على مائدة الإفطار، ولم يسبق له أن أخلف موعده معها، في تلك اللحظات ظن أنه سيكون ملكا للشوارع لخلوها من السيارات في مثل هذا الوقت، فالجميع في بيوتهم على مائدة الإفطار.
وبخروجه إليها تفاجأ بازدحامها، وبدأ بالبحث عن طريقة توصله الى بيته بسرعة قبل إطلاق مدفع الإفطار، ولكنه لم يتمكن من ذلك الأمر الذي حوله إلى سائق مجنون يقود دون وعي ويزاحم السيارات الأخرى ويتجاوزها بصورة خطرة مخالفة للقانون، وقبل وصوله إلى إشارة المرور التي بدأت تتحول تدريجيا إلى الأحمر، كان قد فقد أعصابه فلم يكن لديه متسع من الوقت ليقف عندها، وما هي إلا لحظات حتى دوت صفارات الإسعاف، فقد اصطدم بسيارة أخرى كانت تقطع الإشارة في الوقت ذاته، لينتقل إلى المستشفى بدلا من بيته، ليبقى مكانه على مائدة الإفطار خاليا في منظر أثار دموع وحزن عائلته...».
قد يكون هذا ملخصا لقصص واقعية كثيرة نعيشها يوميا خاصة في حضرة الشهر الكريم، ولا أحد يفهم سر هذه السرعة القاتلة التي يقود بها الصائمون سياراتهم قبل الإفطار، ورغم صبرهم على الصيام ساعات طويلة يرفضون التأخير نصف دقيقة عن موعد الإفطار، وفي هذه اللحظات يكون لديهم استعداد غريب لقطع الإشارات المرورية الحمراء ويدوسون بقدر استطاعتهم على دواسة البترول ليتجاوزوا السرعات المحددة على الشوارع ليحولوها إلى حلبات سباق في محاولة للوصول إلى البيت في الوقت المحدد، وفي لحظات بسيطة ينحرون صيامهم وأجسادهم معا ليغرقوا الشوارع باللون الأحمر، ويحولون أيام رمضان من خير وبركة الى حزن وألم، وليس غريبا ان نجد عند مقارنة شهر رمضان مع بقية شهور السنة أن حوادث السير تتضاعف مرات عدة بسبب السرعة الزائدة.
وكمحاولة منها لتخفيف حدة السرعة ونسبة الحوادث المرورية قامت الإدارات العامة للمرور في مختلف إمارات الدولة بتوزيع وجبات إفطار خفيفة على السائقين الذين لم يتمكنوا من الوصول إلى بيوتهم في الوقت المحدد، لتبدو هذه الخطوة جليلة تحافظ بقدر الإمكان على حرمة وروحانية الشهر الكريم.
البيان سلطت الضوء على هذه الظاهرة من خلال محاورتها لعدد من الشباب الذين أكدوا على أن هذه الظاهرة ناتجة عن وجود ثقافة الإفطار في البيت.
ثقافة وجوانب نفسية
يقول فاروق الزرعوني: «هذه الظاهرة تعتمد على أمرين أولهما الثقافة العامة الموجودة في مجتمعنا، والتي تفرض وجوب اجتماع أفراد الأسرة جميعا على مائدة الإفطار، أما الأمر الثاني فهو يعتمد على الجوانب النفسية للصائم فهناك من لم يعتد على الإفطار خارج منزله، ولذلك تجده قبل الإفطار يقود بسرعة جنونية ويزاحم السيارات الأخرى بغية الوصول بأقصى سرعة، الأمر الذي يسبب الاستفزاز العصبي له ولغيره من السائقين وترتفع هذه الحالة إذا تفاجأ بوجود زحمة في الشارع، ليبدأ بالبحث عن طريقة تخلصه من الأزمة، وبالطبع فهذا لا يحميه من الوقوع في حوادث مرورية قد تؤدي في أحيان كثيرة الى ان يكون هو الضحية، في المقابل هناك من يتفهم الوضع ويحاول أن يدبر نفسه على الشارع».
وأضاف الزرعوني: «أعتقد أن قيام الشرطة بتوزيع التمر والمياه على السائقين وقت الإفطار هي خطوة جيدة، وفيها من الخير الكثير فهي تنم عن إحساسهم ورأفتهم بمن عرقلتهم الزحمة أو خانهم الوقت ولم يتمكنوا من الوصول الى بيوتهم في الوقت المناسب، وبالطبع فهذه الخطوة تساهم بشكل كبير في الحد من نسبة الحوادث التي تقع خلال الشهر الكريم».
أما عادل الحمادي فقال: «المشكلة التي يعاني منها الجميع أن هناك أشخاص لا يقبلون الإفطار على تمرة وشربة ماء، إنما يجب أن يكونوا على مائدة الإفطار ولذلك تجدهم يحاولون الوصول إلى بيوتهم بأقصى سرعة، وفي هذه اللحظات يتحول الى قاتل محتمل، حيث يحاول التخلص من الأزمة بكل السبل لدرجة قد يقوم فيها بمخالفة القواعد المرورية التي قد تودي بحياته».
وأضاف الحمادي: «أعتقد انه نتيجة لما اسمعه واراه من حوادث سير خاصة في شهر رمضان قد اثر ايجابيا عّلي، ففي الوقت الذي اشعر بعدم إمكانيتي الوصول إلى بيتي في الوقت المحدد، أقوم بكل بساطة بإعلام عائلتي والتوجه لأقرب محطة بترول لشراء التمر والماء لتناولها عند موعد الإفطار، وبهذه الطريقة أتمكن من القيادة بهدوء وأصل إلى بيتي بسلام دون مخالفة القواعد المرورية»
نسبة مرتفعة
ومن جهته قال راشد المفتول: «بلا شك ان الحوادث المرورية تعتبر من اكثر الاسباب التي تؤدي بالشباب الى الموت، وبتقديري ان ذلك يعتمد على طبيعة الثقافة الموجودة لدينا، حيث يحاول بعض الشباب خاصة في شهر رمضان القيادة بسرعة بغية الوصول الى وجهتهم في الوقت المحدد رغم استحالة ذلك».
ويواصل المفتول: «اذا أجرينا مقارنة سريعة في هذا الأمر بين شهر رمضان مع بقية شهور السنة سنجد ان نسبتها ترتفع في الشهر الكريم وذلك نتيجة لمحدودية الوقت، حيث يتطلع الجميع الى الاجتماع معا على مائدة الإفطار، ولذلك اعتقد انه يجب اتباع طرق جديدة تجبر الشباب على الحد من سرعتهم خاصة في رمضان، خاصة وان الجميع يكونوا صائمين وبالتالي فقدانهم لسيطرتهم على أنفسهم تكون أسرع من الأيام العادية لأنهم يريدون الوصول إلى بيوتهم قبل موعد الإفطار».
وفي السياق نفسه، قال خليفة الفلاسي: «لا يمكننا أن ننكر استفحال ظاهرة السرعة والعصبية في شوارعنا في عموم أيام السنة ولكنها تزداد وتبدو أكثر وضوحا في شهر رمضان، لأن الجميع يريدون الوصول الى بيوتهم في موعد واحد، وهذا أمر مستحيل نظرا لاختلاف دوام الشركات ومواقعها، ويزيد من تعقيد ذلك ازدحام الشوارع في دبي والشارقة تحديدا»، وتابع الفلاسي: «المشكلة التي نعاني منها تكمن في عدم تفهم أو استيعاب البعض للإفطار في الشوارع، ولذلك تجدهم يصرون على الوصول إلى بيوتهم بسرعة لتناول الإفطار مع عائلاتهم، وبتقديري أن هؤلاء لا يعلمون بوجود بعض فئات المجتمع مثل الشرطة وطواقم الإسعاف والدفاع المدني يفطرون بعيدا عن عائلاتهم، ورغم ذلك لا يحاولون اغتنام خلو الشوارع لممارسة هواية السرعة».
اقتراحات للحد من السرعة
لم يتوقف الشباب في حديثهم معنا عند حدود العقبات الوخيمة التي تقود إليها السرعة قبل الإفطار، إنما تقدموا باقتراحات عدة قد تساهم في الحد من سرعة الشباب على الشوارع، ومن أبرزها قيام الشرطة بأجراء مقابلات مع أشخاص سبق وأن وقعوا ضحية للحوادث المرورية وكذلك إعداد كليبات فيديو تدور فكرتها حول السرعة وخطورتها وما يمكن أن تسببه من حوادث وضحايا وان تعرض جميعها على محطات التلفزة المحلية خاصة في الشهر الكريم نظرا لإقبال الجميع على مشاهدة القنوات الفضائية، وكذلك اقترح بعضهم بضرورة تكثيف الحملات المرورية واستمرارها خاصة في الشهر الكريم وإعداد رسائل مباشرة وضمنيه لمن يتخذون من السرعة حلا للوصول إلى بيوتهم، وهناك من اقترح أن تقوم وسائل الإعلام المختلفة بوضع «غراف» يومي يبين ارتفاع نسبة الحوادث المرورية وإحصائيات الوفيات التي تنتج عنها، كطريقة لتوعية المجتمع حول حوادث السير.
حلبات سباق
هناك قصص واقعية كثيرة نعيشها يوميا خاصة في حضرة الشهر الكريم، ولا أحد يفهم سر هذه السرعة القاتلة التي يقود بها الصائمون سياراتهم قبل الإفطار، ورغم صبرهم على الصيام ساعات طويلة يرفضون التأخير نصف دقيقة عن موعد الإفطار، وفي هذه اللحظات يكون لديهم استعداد غريب لقطع الإشارات المرورية الحمراء ويدوسون بقدر استطاعتهم على دواسة البترول ليتجاوزوا السرعات المحددة على الشوارع ليحولوها إلى حلبات سباق في محاولة للوصول إلى البيت في الوقت المحدد.
وفي لحظات بسيطة ينحرون صيامهم وأجسادهم معا ليغرقوا الشوارع باللون الأحمر، ويحولون أيام رمضان من خير وبركة الى حزن وألم، وليس غريبا ان نجد عند مقارنة شهر رمضان مع بقية شهور السنة أن حوادث السير تتضاعف مرات عدة بسبب السرعة الزائدة.
غسان خروب

