في أجواء رمضان المفعمة بالروحانيات والأجواء الإيمانية تتسابق الأيادي إلى أبواب الخير لتنهل من الأجر العميم الذي تفيضه الصدقات وتسديه المساعدات للمحتاجين من أبناء المجتمع، مما يعمق روح التواصل والتكافل بين الناس ويحقق الهدف المرجو من الصيام في الشعور الحقيقي بمعاناة الآخرين.
ولاشك أن هناك فئة من أبناء المجتمع قد أصابتهم ابتلاءات الحياة فوقعوا جراءها وراء أبواب السجون لقضاء فترات العقوبة على ما اقترفوه وهم أثناء ذلك وبعد ذلك في أمسّ الحاجة لتواصل المجتمع معهم ليخرجهم من ظلام الخطأ الذي وقعوا فيه وليجدوا عندهم اليد الحانية التي تساعدهم بعد خروجهم من السجن على الاندماج في المجتمع كأفراد نافعين مساهمين عاملين بشكل إيجابي بناء. ويعتبر السجين الذي يقضي فترة عقوبة في إحدى المنشآت العقابية في مرحلة إعداد وإصلاح وإعادة تأهيل وليس فقط في مرحلة عقاب عما ارتكبه في حق المجتمع من خروج على القانون, وتسعى الجهود المجتمعية إلى إعادته مرة أخرى لتأدية دوره كفرد صالح عقب انتهاء فترة التأهيل حتى لا يعود إلى ارتكاب الجريمة مرة أخرى.
ولأن المجتمع يتحمل جزءاً من المسؤولية تجاه هذه الفئة, ويسعى لتقويمها, فهو يحاول تقديم حلول لمشكلاتها المادية والاجتماعية عبر مجموعة من الإجراءات التي تسهم فيها هيئات العمل الخيري في الدولة وقطاع الأمن والقطاعين العام والخاص. وتعد لجنة «أيادي لرعاية النزلاء وأسرهم والمفرج عنهم» إحدى أهم صور اهتمام المجتمع بهذه الفئة, وتقوم هذه اللجنة بتنظيم جهود الرعاية اللاحقة لنزلاء المنشآت الإصلاحية والعقابية المفرج عنهم, كما تقوم بتقديم المساعدات المادية لأسرهم خلال تأديتهم فترة العقوبة, وتساعدهم على إيجاد فرص العمل الشريف عقب انتهاء المدة.
يقول المقدم حسين الغزال الشامسي رئيس قسم الشؤون المالية بإدارة الشؤون الإدارية والمالية في شرطة الشارقة والذي تطوع بالقيام بمهام المنسق العام للجنة أنها إحدى ثمار التعاون بين شرطة الشارقة وجمعية الشارقة الخيرية، وهي منطقة وسط بين الشرطة وجمعية الشارقة الخيرية ونسعى من خلال ذلك التعاون إلى تأمين الحد المعقول من الرعاية الاجتماعية لأسر النزلاء والمفرج عنهم بصورة إنسانية تضمن ابتعادهم عن الانحراف والجريمة وأي طرق غير مشروعة للحصول على الأموال, كما تساعدهم على الاندماج في المجتمع.
يضيف المقدم الغزال أن شرطة الشارقة قامت بتوقيع مذكرة تفاهم بينها وبين جمعية الشارقة الخيرية التي بادرت إلى الترحيب ودعم الفكرة من الناحيتين المادية والمعنوية, حيث نستهدف مساعدة النزلاء والمفرج عنهم من خلال إعانتهم على التكيف الاجتماعي وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي لهم وتقديم البرامج التأهيلية التي تساعدهم على الالتحاق بحرفة تدر عليهم دخلاً يكفل تلبية احتياجاتهم مع الاهتمام بإلحاقهم بالوظائف المناسبة بالتعاون مع الجهات الحكومية والقطاعين الخاص والعام ومساعدة أسرهم مادياً على تجاوز محنة غياب العائل خلال مدة المحكومية.
أنشطة متنوعة
يشير المقدم الغزال إلى قيام شعبة الموارد البشرية بدور رئيس في توفير الموارد المالية اللازمة لتمويل الأنشطة المتنوعة للجنة والتي تضم مصادر التمويل الخيري ومنها كوبونات التبرع وتشتمل على ثلاث فئات: 20 و50 و100 درهم للكوبون، كما تبذل اللجنة جهود كبيرة في توفير الرعاة لمشروعات جديدة تضمن وظائف للمفرج عنهم حديثاً، عدا مشروع الوقف الخيري الذي أقامته اللجنة، أيضاً تسعى لتأمين وظائف لهذه الفئة ودمجهم في المجتمع بصورة صحيحة تضمن عدم عودتهم للجريمة مرة أخرى، ومعظم هذه الوظائف تتمثل في الحرف اليدوية وهي تناسب النزلاء من حملة الشهادات الابتدائية والإعدادية.
ومن أهم أنشطة اللجنة دراسة الجدوى للمشروعات المقترحة واحتياجات السوق من منتجاتها وذلك لتوفير فرص العمل للنزلاء لفترات طويلة, وسوف تساعد عملية إعداد قاعدة البيانات الخاصة بكل النزلاء في تنمية وتحديث مشروعات التأهيل الخارجي للمفرج عنهم حديثاً.
على أن أهم ما يصادفه المفرج عنه حديثاً من مشكلات هو صعوبة توفير مصدر رزق لأن جهات التوظيف تشترط توفير شهادة حسن السيرة والسلوك, فضلاً عن عدم تقبل مؤسسات المجتمع المختلفة لفكرة توظيف هذه الفئة مما يصعب معه إعادة دمجهم, وبالتالي تندر فرص التوظيف أمامهم مما يستوجب توفير البرامج والمشروعات اللازمة لتأمين دخل مناسب لهم ولأسرهم يحفظ لهم كرامتهم وإنسانيتهم.
ويؤكد المقدم الشامسي على تعدد صور المساعدات التي تقدمها لجنة أيادي ومنها توفير كوبونات لأفراد أسرة النزيل يمكنهم بموجبها الحصول على مواد غذائية والعمل على توفير المتطلبات الأسرية بالإضافة إلى المساعدات النقدية التي تقوم اللجنة بصرفها بشكل دوري كل شهر لأسر هؤلاء النزلاء بعد دراسة احتياجاتها الفعلية وتتراوح المبالغ بين 1000 و3000 درهم حسب الحاجة المادية لكل أسرة ومدى استلامها مساعدات مادية من جهات أخرى مثل الشؤون الاجتماعية أو غيرها بالإضافة إلى مبالغ محددة تقوم اللجنة بصرفها لأسرة النزيل في حالات الاحتياج الطارئ وتتراوح ما بين 2000 إلى 5000 درهم وتشمل أيضاً المساعدات المادية توفير تذاكر السفر للنزيل الوافد وأسرته عندما تشمل العقوبة الإبعاد عن الدولة بعد قضاء المدة.
ومن أوجه المساعدة كما يوضح المقدم الشامسي أن أسر النزلاء تستفيد من المساعدات المادية من تاريخ تقديم الطلب وحتى ما بعد الإفراج عن النزيل بستة أشهر قابلة للتجديد وذلك مراعاة للظرف الإنساني للنزلاء وصعوبة حصولهم على فرصة توظيف عقب الإفراج مباشرة, وينبه إلى أن حسن السيرة والسلوك للنزيل خلال فترة العقوبة والتزامه ببرامج التأهيل الخاصة باللجنة يعتبر شرطاً أساسياً للاستفادة من الخدمات المتنوعة التي تقدمها لهم.
مساندة المجتمع
يقول الرائد مبارك الرصاصي رئيس شعبة العلاقات والتوعية المجتمعية بلجنة أيادي: من منطلق قناعة اللجنة بدور الإعلام في مساعدتها على تحقيق أهدافها حرصنا على بناء علاقة قوية فيما بينها وبين أفراد المجتمع ومؤسساته لحشد مساندة المجتمع في تحقيق الحد المعقول من الحياة الكريمة,.
ونحن نقدم برامج تثقيف لأفراد المجتمع عن طرق التعامل مع النزيل المفرج عنه حديثاً وأفراد أسرته، كما توفر شعبة الإعلام التوعية اللازمة للنزلاء من خلال المحاضرات والندوات بالتعاون مع الجهات المعنية بهدف استعادة النزيل لثقته بنفسه ومساعدته على استعادة التكيف الاجتماعي والتغلب على العقبات التي تعترضه أثناء قضاء العقوبة علاوة على مساعدة النزلاء على المشاركة في الجهود الإعلامية التي تقيمها الشعبة خلال المرحلة القادمة من خلال المعارض والمنتديات والملتقيات المتعددة.
ويضيف الرصاصي أن الشعبة حالياً تعد برنامجا توعويا باسم (تواصلوا) وهو خاص بإرسال الرسائل النصية القصيرة لتوعية الجمهور بطرق التعامل المناسبة مع النزيل المفرج عنه حديثاً وأفراد أسرته, علاوة على إعداد برنامج تليفزيوني بعنوان (تائبون) يهتم بعرض التجارب الإنسانية .
لبعض النزلاء المفرج عنهم لتعميم الفائدة, كما نعمل على تنظيم زيارات ميدانية لمؤسسات الرعاية اللاحقة لمعرفة أبرز النتائج التي نتجت عن التجارب السابقة في نفس المجال.
مصرف الغارمين نافذة أمل للمسجونين
تأكيداً على أهمية التواصل الاجتماعي مع نزلاء السجون ومساعدة المحتاجين منهم لاسيما المديونين الذين دخلوا السجن بسبب عجزهم عن الوفاء بالتزاماتهم المالية أطلقت الأمانة العامة للأوقاف بالشارقة مع بداية العام الجاري وخلال احتفال أقيم في إدارة المنشآت العقابية بالشارقة بحضور جمال سالم الطريفي، المدير العام للأمانة، مشروع ''مصرف الغارمين'' والذي يندرج تحت إطار مشروع الأسهم الوقفية الذي أطلقته الأمانة عام 2003.
والمستفيدين من هذا المشروع هم الغارمون الذين دخلوا السجون بسبب غيرهم من الكفلاء والموكلين، حيث يعتبرون مسؤولين عن كل تصرف يقوم به مكفولهم أمام القضاء، وإذا قصر المكفول في السداد أو أخل بالتزامه تجاه الجهة التي يتعامل معها عاد الأمر على الكفيل، ووقع في السجن دون ذنب أو جريرة، كما يشمل هذا المصرف أصحاب القضايا المعنية المتعلقة بحق الدفع وليست المتعلقة بالحق العام، وكذلك ممن فرضت عليهم الديات بسبب القتل الخطأ، وأولئك الذين استدانوا لغرض طرف معيشي ملح''.
ويهدف المشروع إلى سداد ديون المسجونين المتعثرين في قضايا مالية، تمهيدا لإطلاق سراحهم وإعادتهم إلى أسرهم التي تحتاج إليهم، إدراكاً من الأمانة العامة للأوقاف لأهمية تماسك الأسرة لضمان صحة المجتمع، وأن أي خلل يصيب الأسرة قد يؤدي إلى تشتتها وبالتالي زيادة معدلات الجريمة في المجتمع وهو ما لا نطمح إليه، ولذلك فنحن بدأنا العمل من اجل إعادة هؤلاء المساجين إلى أسرهم لحفظها من التفكك.
أيمن حجازي


