منذ أكثر من عشر سنوات اجتاحت الأسواق السورية حمى «كساندرا» بطلة المسلسل المكسيكي المدبلج إلى اللغة العربية الفصحى، حيث راح السوريون يطلقون اسم الفتاة البائسة والجميلة على منتجات رخيصة تستخدمها غالباً ربة المنزل في المطبخ، حيث مفارش الطاولات وحمالة الأطباق ولوح بلاستيكي لتقطيع الخضار واخر لحفر الكوسا والباذنجان، ولم يوفر باعة الألبسة النسائية من استغلال الاسم وإطلاقه على التنانير والقمصان النسائية لتصبح «كساندرا» في كل مكان.
لكن اليوم وفي ظل الفورة المدبلجة للمسلسلات التركية التي غالباً ما تكون عن الحب بين شاب بهي الطلعة وفتاة وسيمة راح أبناء مدينة حلب الواقعة على بعد خمسين كيلومتراً عن الحدود التركية ينهلون دون حساب من الأسماء العائلية لتلك الشخصيات المحبوبة درامياً.
وفي ظل سماح السلطات المدنية تغير الكنية العائلية أو اللقب بدأ بعض المشاهدين يتبارى في اختيار ما له وقع طيب على الأذن حيث تحولت أسماء عائلية مشتقة من الطعام مثل لبنية ومخلوطة وبطيخة إلخ.. إلى آغا وباشا وبيك.. تاركة تحسناً مدهشاً في المرجعية الاجتماعية.
وقد درجت في المجتمع الحلبي صيغة اللقب العائلي المتصل بالطعام وخاصة ما تشتهر به المدينة حيث تلعب الأطعمة المصنعة من الكبة دوراً رائداً مع ما يتصل بها من سماق (سماقية) لبن (لبنية) طماطم (فرنجية) قمح (حنطاية)، فضلا عن اللحوم التي يتفنن الحلبيون في طهيها مثل عائلة (كبابة) نسبة للكفتة، (معلاق) نسبة لأعضاء الخروف النبيلة، (دهنة) نسبة لشحم الخروف.
ولا يجد بعض المحال التجارية التي أفتتحت حديثاً حرجاً من إطلاق اسم « لميس أبو شعر « على دكان حلاقة نسائية أو نور ومهند على كافتيريا جديدة تتخذ من حارة شعبية مقراً لها.
ولا يتوقف الأمر عند الرغبة في تغيير الكنية فقد سجلت واقعات الولادة ارتفاعاً ملحوظاً في أسماء مثل نور أو لميس أو مرام للإناث مقابل حسام ويحيى للذكور وبلغت ذروتها في اسم مهند نسبة إلى المثل التركي كيفانش تاتليتوغ الذي أصبح نجماً ذائع الصيت عربياً بعدما تم استقدامه لتصوير أغنيات الفيديو كليب مع مطربات عربيات، وتدافعت إلى الحصول على توقيعه مئات الفتيات الصغيرات المفتونات بشخصيته عندما زار بعض الدول العربية للترويج لصورته الدرامية المدبلجة.
وقد أشار تقرير مطول نشرته جريدة السفير اللبنانية مؤخراً أن دائرة السجل المدني في حلب شهدت الكثير من الدعاوى من أجل تغيير ألقاب تحمل معاني غير مستساغة مثل طرطور، مخلوطة، عدس، مخللاتي، الحافي، البردان، الأكتع »نسبة إلى عاهة جسدية« الجربان، الجدبة، مسلوخ، ثفنكجي (نسبة إلى تجار البنادق)، جلموق وغيرها وحلت الألقاب التركية كبديل عنها.وكانت السلطات المعنية في سوريا قد منحت العائلات التي لا تعجبها ألقابها فرصا لتغييرها منذ سنوات، على أن تبقى تواريخ المواليد كما هي. بل ان كثيرا من الراغبين في تغيير ألقابهم يؤكدون أن لديهم جذورا تركية تستحق إيقاظها عائلياً.
ويدعم التقرير فكرته برأي للدكتور هيثم أبو حمود، أستاذ علم الاجتماع في جامعة حلب، حول «مقولة إن الدراما التركية هي سبب تغيير الألقاب الحلبية:» ربما لعبت الدراما التركية دوراً غير مباشر في التحفيز على التغيير، إلا انه لدى الكثيرين رغبة قديمة في استبدال ألقابهم الحالية لكونهم يشعرون بالخجل منها نظراً للمعاني المشينة لبعضها».
ويضيف: «ربما هؤلاء يتحججون بالقول إن الدراما التركية هي السبب في التغيير، لكنها في حقيقة الأمر مجرد مسوّغ كي لا يظهروا للعيان خجلهم وحنقهم من ألقابهم الحالية».
دمشق ـ رباب محمد
