لاشك ان الهدف من صوم رمضان هو استجابة لله عز وجل الذي قال في كتابه الكريم (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)، فالصيام فريضة بين العبد وربه تكفّل سبحانه وتعالى بالمكافأة عليها كما قال في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فهو لي وأنا اجزي به».
كما أن الصوم في هذا الشهر الكريم، يفيد الإنسان في كبح جماح النفس وتربيتها، من خلال ترك بعض العادات السيئة، مثل المدخنين الذين ينتظرون سماع أذان الإفطار بفارغ الصبر، وكذلك عادة شرب القهوة والشاي بكثرة، وغيرها من العادات السلبية، التي على الصائم الابتعاد عنها، كذلك في هذه الأيام المباركة على الصائم أن يشعر بالطمأنينة والراحة النفسية والفكرية، ويحاول الابتعاد عما يعكر صفو الصيام من محرمات ومنغصات.
ويحافظ على ضوابط السلوك الجيدة، والاهم من ذلك ألا يعتبر أن أيام هذا الشهر الفضيل، تعني الصمت عن الكلام، والتخفيف من العمل، وتأخير إجراءات أو معاملات الجمهور، فالواجب هنا وانطلاقا من مبادئ الصوم هو أن الإنسان يضاعف من عمله، ويكرس وقته لكسب رضا الله ورضا الناس ثانيا، وأن يكون مجتهدا نشطا ملبيا لنداء قوله تعالى (مَن كَانَ يرجو لقاء الله فَإِن أَجل الله لآت وَهو السميع الْعلِيم) وبهذه المعاني الإلهية تتجلى حكمة وقدرة الإنسان في تعامله واحترامه مع الآخرين.
ولذلك وجب في رمضان أن تكون علاقتنا، كما هي في الأيام العادية، بل أفضل من ذلك فأيام الصوم هي أيام مودة ومحبة، والعمل يفترض أن يضاعف وأن يكسر فيه الصمت عن الكلام، إلا فيما فيه ذكر لله وتعامل مع الآخرين، وحجة من يقول انه صائم عند الاتصال به، إنما هو قول ليس من آداب الصومِ، ولا له علاقة بالصيام، وللأسف ان البعض جعل من هذا الشهر مبرر، ولذلك أردنا معرفة بعض آراء العاملين وهم صائمين وفي أماكن أعمالهم، فكانت هذه الإجابات التي ننقلها للقارئ في شهر الصيام.
العمل عبادة
يقول الرائد خالد محمد خلفان المطيوعي مدير مركز شرطة حتا: من المؤكد أن شهر رمضان، هو شهر العمل والنشاط والاجتهاد، وعلى الإنسان الصائم في هذه الأيام، أن يكون بكامل نشاطه وفي قمة حيويته، ومنتعش ذهنيا، ويعني ذلك ان الإنسان إذا ما كان على رأس عمله، وعليه أن يضاعف من خدمة الآخرين، وأن يحرص على انجاز أعمالهم بأقل وقت، حتى وان تطلب ذلك منه أن يتأخر في دوامه، فكم سيكون فرحا إذا ما عرف انه أنجز عملا جيدا لأحد المراجعين.
وهو خارج دوامه، وأنه أكمل يوم صيامه والآخرين يشكرون له عمله، وإذا أردت رأيي بصراحة، فإن الذين يتهاونون ويتقاعسون في أيام شهر رمضان، ويتأخرون في أداء الواجب، إنما هم يخالفون معنى الصوم باعتباره من أفضل العبادات، لذلك أتمنى على الآخرين، أن يجعلوا من هذا الشهر أيام عمل مضاعفة، والصوم متى صمناه على حقيقته وبشروط الإنسان المسلم الصحيح.
فإنه يدفع صاحبه إلى الإخلاص والإتقان في العمل، والتخلي عن تضيع الأوقات، بل والصمت عن الكلام، وأخيرا أقول ان العمل عبادة، وخدمة الناس واجبة، على كل من يتحمل مسؤولية أو حتى موظف بسيط، فالواجب هنا يحتم علينا كما قلت أن نضاعف من جهدنا لكي نكسب رضا الناس ونكمل يوم صيام جميل ليحتسب أجره عند الله.
الرقابة واجبة
الدكتور جمعة بلال فيروز رئيس مجلس جمعية حماية المستهلك يقول: أولا مِن فضائِلِ الصومِ، أن اللهَ كتبَه على جميعِ الأُمم وَفَرضه عليهم طاعة لقوله تعالى ''يأيها الذين آمنوا كتب عَليكم الصِّيَام كَمَا كُتِب عَلَى الذين مِن قبلكم لعلكم تتقون'' ولَولاَ أنها عبادة عظيمة لاَ غِنى لِلْخلقِ عن التعبد بها لله، وعما يَتَرَتب عليها من ثواب ما فَرَض الله ذلك عَلَى جميعِ الأُمم، لذلك أقول ان الصوم يعني العبادة والصلاة والتقرب من الله سبحانه وتعالى، والتقرب من الله سبحانه وتعالى هو من خلال قيام الفرد بواجبه، نحو أخيه الإنسان، لذلك أرى ان العمل في شهر رمضان يجب ان يضاعف، وان يكثر الإنسان من واجبه نحو الآخرين، والآن تسألني عن أهمية العمل في شهر رمضان وهل من الواجب أن يصوم الإنسان عن العمل، في مثل هذه الأيام، أقول لك انك تحدثني الآن وأنا في مقر الجمعية.
ومتى انتهيت من عملي فيها سوف أذهب إلى المركز الطبي الذي أديره، وفي المساء سوف التقي بالأصدقاء كعادتنا في مثل هذه الأيام من بعد صلاة التراويح، إذن يومي كله حركة وعمل ونشاط، وعلينا ألا نجعل من هذه الأيام المباركة مبرر لكسلنا وتهرب من واجبنا، فالصوم يعني أشياء كثيرة منها السلوكيات والأخلاق .
ولكن الأهم من ذلك هو انجاز العمل، بل ومن الواجب أن نضاعف من عملنا لا أن نغادر مقر أعمالنا قبل الوقت، ولي نصيحة من الأخوة القائمين على شؤون الموظفين، أن يكثفوا من الرقابة على الدوائر الحكومية خاصة، وأن يهتموا بذلك في أيام رمضان وليس بعد عودة الموظفين من إجازاتهم.
المدخنون هم الكسالى
ويقول راشد سعيد ذياب رئيس قسم الموارد المائية بالوكالة بوزارة البيئة: في هذا الشهر الفضيل على الإنسان أن يتجه إلى ربه سبحانه وتعالى، طالبا العفو والمغفرة وان يجعل من أيام هذا الشهر أيام عبادة وتقرب، إيمانا واحتسابا، كما انه شهر الرحمة بالمساكين والضعفاء واستشعار أن شهر رمضان هو شهر الجود والكرم كما كانت هي سنته صلى الله عليه وسلم فقد كان أجود الناس .
وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، فكيف بنا نحن خلق الله لا نأخذ بهذه العبر، فالواجب منا أن نكون رحماء بالضعفاء رحماء بأصحاب الحوائج والحاجات، فإذا كان الواحد فينا موظف، فعليه أن ينهي عمله وأن يزيد من وقته متى قدر له ذلك، وعليه الانجاز في العمل، لا التأفف والتكاسل، فليس رمضان هو للصمت عن الكلام والامتناع عن العمل، بل هو شهر للعطاء والوفاء والجد والاجتهاد، وإذا كنت تسألني عن الذين يتخاذلون في أدائهم أو واجبهم، أقول لك إن ذلك لا يصدر من جميع الموظفين، ولكن يصدر من البعض الذي بحكم تعاملي مع بعض الموظفين.
وجدت ان المتقاعسين والذين هم متكاسلين في أداء واجبهم هم من الموظفين المدخنين، الذين لا يستطيعوا صبرا على التدخين، وينتظروا لحظة الآذان حتى يسرعوا إلى تدخين السجائر، ونصحيتي لهؤلاء هي ترك هذه العادة السيئة، فالموظف المدخن هنا يضطر لترك التدخين مؤقتا.
وبعدم رضا منه، فلو كان غير مدخن لا تغير الأمر، ولكان هذا الموظف بشوشا نشيطا يسعى إلى القيام بواجبه ، وعموما هذه من تجارب الحياة، وأتمنى للجميع أن يتقرب من الله في مثل هذه الأيام بالتعامل الحسن والأخلاق الطيبة، فالمولى سبحانه وتعالى يقول (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان) صدق الله العظيم.
عوامل ثلاثة
تقول سناء عبد العظيم اختصاصي إرشاد نفسي: هناك ثلاثة عوامل رئيسية تصيب الموظف الصائم، الإيحاء والانطباع والدافع الداخلي، ولكل واحدة وظائفها وتأثيراتها على الموظف، فالإيحاء يعتمد على الصائم فيما إذا أراد أن يكون موظفا نشيطا ومتحمسا للعمل في مثل هذه الأوقات، ومثل هذا الموظف لا شك يكون منجزا في عمله، أو أن يكون كسولا تبدو عليه علامات الإرهاق.
وبالتالي لا يستطيع أن ينجز عمله بالشكل المطلوب، وهناك عامل مهم يؤثر في الموظف خاصة في الأيام الأولى من أيام شهر رمضان المبارك، مثل تغير النظام اليومي له، واختلاف أوقات الأكل والمشرب.
وهناك من هو متعود مثلا على القهوة والتدخين، فمثل هذه الطقوس في رمضان تتغير، ولكن مع مرور الأيام يصبح الإنسان طبيعيا، والأمر الآخر هو الانطباع في أن يعطي الإنسان صورة أخرى تجعل الناس تنظر إليه من الزاوية التي يحب، فقد يكون هذا الموظف جيدا ونشيطا في عمله، وهو في الأصل كذلك ولكن يوحي للآخرين بغير ذلك، أما العامل الداخلي فهو يتمثل في شخص لديه مقابلة للتوظيف في إحدى الدوائر ويأتي وهو صائم، ومعروف عن الصائم نفسيته.
الداخلية المتعبة او المرهقة، وهنا يحاول هذا الشخص أن يثبت قدرته وحقه في الحصول على هذه الوظيفة، فيعمل جاهدا على أن يكون صافي الذهن متوقد الإحساس، وعموما تحليل الشخصية هو طريق من طرق التعرف على شخصية الإنسان، فإذا رأيت إنسان تعرف حدة نظره في طريقة كلامه وتتابع كلماته وحركة اليد، والموظف الصائم هنا وكما ذكرت يتمحور حول ما ذكرت، ولكي نجعل من الموظف إنسانا يؤدي عمله على أحسن ما يكون لا بد من وجود مبدأ الرقابة والمتابعة.
أحمد الكبيسي: ان الله لا يعجبه الحال المائل
فضيلة الشيخ احمد الكبيسي يرد على كل ما تقدم حيث يقول: عندما جاء هذا الحديث العظيم والثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم والذي يرويه عن ربه عز وجل حين قال: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» فهذا الحديث فيه فضيلة الصيام ومزيته من بين سائر الأعمال، وأن الله اختصه لنفسه من بين أعمال العبد، ويعني ذلك أن هذه عبادة مثالية تجمع بين خير الدنيا وخير الآخرة.
ولأنها أيضا تحتوي على عبادات كالصبر وصون اللسان والامتناع عن أكل الحرام، ومنها أيضا فيما يخص طاعة الوالدين وصلة الرحم، وتميزت في قول كريم «خير الناس من نفع الناس»، وهذا يعني في الدين السعي الجاد لخدمة الآخرين، ومتى أخلص الموظف في تطبيق هذا القول، عندها تصبح قربة من العبد لرب العالمين، لذلك لا بد من قيام الموظف في شهر رمضان بمضاعفة الجهد والعمل وخدمة الآخرين، وأن يبتعد عن الكسل والتهاون ، حتى لا يكون هناك خلل في صومه.
وعن الأسباب التي تؤدي إلى مثل هذه الحالات في شهر رمضان، قال الشيخ الكبيسي: هناك أسباب عديدة وأبرزها أسباب نفسية حيث يستغرق البعض في السهر والتأخر في النوم، ومجالسة الأصدقاء في المقاهي، ومثل هذا الموظف بالكاد يوصل عمله، ولكنه لا يستطيع أن يقوم بواجبه، ونصيحتي بأن يبتعد عن هذه العادات السيئة، وأن يزيل «الدلع» عنه فإن الله لا يعجبه الحال المائل، وانه يحب الناس الجادين، وليمتثلوا لقوله تعالى (الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وَالصابرينَ عَلَى مَا أَصابهم وَالمقيمي الصّلاة وَمِما رزقناهم ينفقونَ).
مراجعو بعض الدوائر الحكومية يشعرون بالتقصير في شهر رمضان
قال بعض المراجعين في دوائر حكومية إن النموذج الواقعي للموظف في شهر رمضان المبارك، هو من يحمل عبارة «العمل عبادة» ويعمل بها بكل ما تعنيه هذه الكلمة، لكن هذه المقولة لا تطبق في هذا الشهر الفضيل، عند شريحة كبيرة من الموظفين.
ومع أنه لا يمكننا تعميم ظاهرة التكاسل هذه عليهم جميعا، إلا ان الصورة التي نشاهدها هي الصورة السلبية، صورة الموظف النائم خلف مكتبه بانتظار انتهاء الدوام، أو صورة المكتب الفارغ لأن الموظف قرر أخذ إجازة خلال شهر الصيام باعتبار العمل فيه مشقة عليه، والبعض يجمع رصيد الإجازات السنوية للاستفادة منها خلال الشهر الكريم، لأنهم لا يستطيعون تحمل الصوم والعمل معاً، وهذه من المشاهد التي تسيء للدائرة وللموظف معا، فكيف نطلب الرحمة من الله سبحانه وتعالى، ونحن البشر لا نرحم بعضنا البعض.
جميل محسن
