رأى «الشواب» المواطنون أن شهر رمضان بما يمثله من حدث عظيم في حياتهم على الدوام، فإنه كان في الماضي ذا طعم مختلف لجهة تكريس العادات والتقاليد والطقوس التي تميز يومياته والتي تضفي على أيام الشهر الكريم لمسة روحانية.
بالإضافة إلى الخصوصية التي تميزه حيث تجتمع الأسرة على مائدة واحدة يجمعهم دعاء واحد، مشيرين الى أنه كان لرؤية الهلال أجواء جميلة ينتظرها الصغار والكبار آنذاك وخصوصا عندما ترسل كل قبيلة مجموعة من الاشخاص لأماكن محددة لرصد رؤية الهلال في اماكن خاصة مرتفعة ومن ثم يتم تبليغ الناس عند ظهوره، ليبدأ الناس بإطلاق الاعيرة النارية فرحا بقدوم رمضان بعكس ما هو عليه الحال الان، حيث تشكل لجنة رسمية من عدد من رجال العلم وشيوخ الدين وتبدأ اللجنة أعمالها بمجرد انقضاء شهر شعبان، ويعتمد تقرير اللجنة بثبوت الرؤية لبدء رمضان.
واعتبر البعض أن رمضان في الماضي مختلف عنه في الحاضر فقد كان الناس اكثر تماسكا ولحمة، الغني يتفقد الفقير بعكس ما هو عليه الان فالكل مشغول في مشاكله وحياته الخاصة دون اكتراث للأهل ودون اعتبار لحق الجار، فالفرق كبير وبعيد، بالاضافة الى اختلاف اصناف الطعام والحلويات في الماضي عما هو في الحاضر.
«البيان» قامت باستطلاع آراء عدد من كبار السن الذين عاشوا شهر رمضان بين مرحلتين.. الماضي والحاضر..
يقول عبدالله حسن البلوشي، مدرس تاريخ إن رمضان الحاضر اختلف كليا عن الماضي وبقي القليل من ذكرياته كطريقة تناول الفطور وبعض الأكلات التي بقيت إلى وقتنا هذا، لافتا الى ان اهم ما يتناوله الناس في وقت الإفطار التمر واللبن اقتداء برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم.
بالإضافة الى وجبة الهريس التي لا تزال منذ القدم الى الان على موائد المواطنين، وتعتبر الوجبة الرئيسية في وقتنا الحالي على مائدة الإفطار الثريد والأرز العيش وتوابعه من الشوربات، حيث اضيفت إليها الكثير من الوجبات الجديدة لم تكن في الماضي مثل «البيتزا» و«السمبوسة» بالاضافة الى انواع جديدة من الحلويات الكنافة، ولقمة القاضي لقيمات، والمهلبية وكريم كراميل كل هذه الاشياء لم تكن في الماضي.
طعم مختلف
وأكد البلوشي ان الوجبات السابقة التي كانت تصنعها الامهات لها طعم مختلف وميزة فريدة لا تستطيع النساء في الوقت الحاضر منافستها عليها، فالخدم اصبحوا يقومون بكل شيء بدلا من ان تقوم ربة المنزل بذلك، الامر الذي جعل رمضان وجلساته لا قيمة لها كما في السابق.
كما اصبح الترابط الاسري ايضا بعيدا عما كان عليه في السابق، لافتا الى ان يوم الجمعة اصبح هو اليوم الوحيد الذي يلتقي فيه افراد الاسرة في بيت الوالد او الوالدة، مشيرا الى ان بقية الايام تحمل كل فرد الى جهة بعيدة، الامر الذي جعل الترابط غير قوي، بل اصبح الكل مشغول بالمسلسلات التي تسبق موعد الافطار وبعده للاسف، وباتت الجلسات الرمضانية اقل مما كانت عليه في السابق.
واكد البلوشي ان شهر رمضان في الماضي كانت تفاصيله اليومية افضل بكثير من الحاضر على المستوى الاجتماعي والعبادات، حيث كنا نجد فيه العبادة واللحمة الاسرية الحقيقية. وتوجه البلوشي بالنصح الى الشباب في شهر رمضان ان يقبل على العبادة والصلوات وخاصة صلاة الفجر التي لم يعد كثير من الشباب يؤدونها في المسجد بسبب السهر في المقاهي.
لقمة العيش
وقال الحاج سعيد حمد الشامسي، متقاعد: كان الرجال يرصدون ليلة 29 من شعبان لرؤية الهلال وكان يذهب ثلاثة اشخاص يقفون مع غروب الشمس واحمرار السماء وخاصة بعد صلاة المغرب لرصد الهلال.
وأشار الى صعوبة وقسوة الحياة التي كانوا يعيشونها: كانت الحياة صعبة وقاسية تتطلب منا المشقة والعناء للحصول على لقمة العيش، بالإضافة الى ان وجبة الإفطار كانت بسيطة جدا تتألف من تمر ولبن بالاضافة الى خبز ومن ثم لحم واهم تلك الوجبات الهريس والثريد وخبز مع اللبن وكان الرجال بعد صلاة التراويح يتزاورون ويحتسون القهوة سوية بعد قضاء الفروض والعبادات المطلوبة.
وأكد الشامسي ان الظروف المناخية والمعيشية التي يأتي فيها شهر رمضان في الوقت الحاضر افضل مما كانت عليه في الماضي، فالجو كان شديد الحرارة، بالاضافة الى ان الطعام وتعدد الوجبات الجديدة أفضل من السابق،لافتاً الى أنه ومن الناحية الاسرية والترابط العائلي كان الحال افضل مما هو عليه الان، قائلا: نجد الابناء لا يزورون الاباء الا مرة او مرتين اسبوعيا، والسبب يعود الى التوسع والانتشار في كل شيء.
وفيما يتعلق بالسحور، اشار الشامسي الى أن الطبال كان يأتي عند الساعة الثالثة صباحا ويصيح بالناس كي يستيقظوا لتناول طعام السحور، والتي كانت متمثلة بالرز العيش والذي كان غير متوفر بكثرة لشح المصادر الزراعية آنذاك، حيث كان يباع الارز بالكيلوجرام ولم يكن هناك اكياس مغلقة كما هو الان ويسمى الرز زيرة انذاك.
ذكريات لا تعوض
واعتبر احمد سعيد.. تاجر ان تفاصيل وطقوس رمضان في الماضي لايمكن ان تعوض ولن تتكرر الا اذا اتحد الابناء والاباء والاخوان والجيران كما كانوا في الماضي، بالإضافة الى الحب الذي كان ينبع من القلب وليس مبنيا على المصالح، لافتا الى ان رمضان في الماضي كان يتسم بالبساطة.
وكان الناس ينتظرونه بفارغ الصبر وخاصة عندما يؤدون صلاة التراويح، حيث تذهب كل مجموعة للقيام بزيارة للأرحام والأصدقاء، فكان التواصل الميزة البارز التي اتسم بها رجال الماضي، قائلاً: لقد كانت المنازل صغيرة والحياة بسيطة، الكل راض بما قسمه الله له ولا ينظر احد الى رزق غيره، ولكن بعد ان تغيرت الحياة الى الحاضر اصبحت البيوت قصور كبيرة ولكن مع الاسف الشديد تغيرت نفوس البشر.
وأشار إلى ان طريقة الإفطار الحالية تتشابه في بعض تفاصيلها بالماضي، قائلا: على سبيل المثال نقوم بنصب الخيمة واعداد المائدة قبل موعد الافطار وعند بدء الافطار نتناول التمر والماء او الحليب ومن ثم نذهب للصلاة، وبعد الانتهاء من صلاة المغرب نعود للخيمة التي نصبت بجانب المنزل ونتناول الوجبة الرئيسية وهي عبارة عن الثريد والهريس، بالإضافة الى السندويشات والبيتزا والفطاير والسمبوسة والفلافل وهي وجبات لم تكن موجودة في الماضي.
وأضاف: بعد الانتهاء من الافطار نشاهد التلفاز حتى يحين موعد صلاة العشاء والتراويح ومن ثم نعود نتناول الشاي ونذهب الى السهر والسمر مع الاصدقاء والبعض منا يذهب لزيارة الاهل وصلة الرحم والاغلب يذهب مع الاصدقاء للسهر، وعندما يحين موعد السحور وهي وجبة العيش الارز مع الدجاج ويوضع الطعام في مكان خاص ومن أراد تناول طعام السحور يمكنه ذلك ومن لم يرد يخلد للنوم بعكس ما كان عليه الاباء والاجداد في الماضي حيث يجتمع افراد العائلة جميعهم على السحور. ونصح احمد سعيد الشباب بالتمسك بتعاليم دينهم والابتعاد عن اللهو والإكثار من الصلاة فهي فرصة تاريخية لذلك.
لذة وطعم
وقال الحاج بهيج فارس كنعان مستثمر في مدينة العين يعيش في دولة الإمارات منذ أكثر من 45 عاما: كنا نخرج الى سطح المنزل ونقف بعد غروب الشمس وكان شيوخ البلد هم من يرصدون الهلال بعد صلاة المغرب ومنهم من كان يكمل 30 يوما اذا لم يتسن لهم رؤيته ويتم اعلام الناس عن طريق المساجد بقدوم شهر رمضان.
واضاف: كان لشهر رمضان في الماضي لذة وطعم اخر عما هو عليه الان خاصة ان العائلات والجيران كانوا أكثر ترابطا مما عليه الحال الان، وكان الجيران يقدمون الطعام لبعضهم البعض الامر الذي يجعل الخير يعم على الكل، وكان الافطار يتم على التمر والماء، ومن ثم يكملون وجبتهم التي تتكون من عيش الارز واسماك ومن ثم يصلون المغرب وبعد انتهاء الصلاة يجتمع الاهل والاصدقاء والجيران مع بعض الى ان يحين موعد صلاة العشاء والتراويح، والبعض الاخر يبقى في المسجد لقراءة القرآن لحين موعد صلاة العشاء.
وأشار كنعان الى انه وبعد صلاة التراويح يلزم كل واحد منزله حيث لم يكن في تلك الايام كهرباء وكان الناس يقومون بالطهي بواسطة الحطب والكاز ان وجد ولكن على الاغلب كان يتم استخدام الحطب أكثر، ومن ثم يأتي الطبال في وقت السحور ليفيق الناس مطلقا صيحته المشهورة «اصحى يا نايم وحد الدايم» وبعد صلاة الفجر يسعى الناس في مناكبها في بداية يومهم الجديد منهم المدرس ومنهم المزارع وكل حسب عمله.
شهر الخير
واعتبر احمد حسن.. موظف حكومي ان شهر رمضان هو شهر الخير والبركة وخصوصا ان اهم ما يميز هذا الشهر بعد العبادة هو تعدد الاصناف التي تكون على المائدة ومن اهمها ''الهريس، والفريد، والثريد وهي عبارة عن خبز الرقاق اليابس ويضاف له مرقة الدجاج واللحوم، بالإضافة إلى الوجبات الجديدة من السمبوسة والبيتزا.
وأشار الى انواع الحلويات مثل ساقو والخبيص والمهلبية ولقمة القاضي والفطاير التي تصنع في المنزل، لافتا الى ان اهم ما في هذا هو ان الطعام يطهى بيد الامهات وليس بيد الخدم.
عبدالرحمن الوهيبي

