في كل يوم تتكشف أمامنا الكثير من تعقيدات الحياة والتي تزداد صعوبة مع تقدم الوقت، الأمر الذي أوقع الكثير منا تحت طائلة الدين لمواجهة ظروف الحياة ومتطلباتها، وبالتأكيد إن لكل واحد ظروفه التي أجبرته على سلوك هذا الطريق والذي أدى إلى دخول البعض إلى أروقة السجون بسبب عدم قدرته على سداد دينه، دون أن يكون لدى هذا الشخص سوء نية في ذلك.

وبلا شك أن زيارة واحدة للمنشآت العقابية في الدولة ستكشف لنا عن هؤلاء الذين أجبرهم الدين على قضاء شهور خلف القضبان، ولمساعدة هؤلاء فقد أطلقت الأمانة العامة للأوقاف في الشارقة مؤخرا فيلامصرف الغارمينلالا الذي يهدف إلى مساعدتهم بدفع ديونهم تمهيدا لخروجهم وعودتهم إلى حضن أسرهم التي فقدتهم ربما لسنوات بسبب مبلغ بسيط. ولتسليط الضوء على مصرف الغارمين وطبيعة الفئات المستفيدة منه، التقت «البيان» أمل القصيمي، رئيس قسم الإعلام في الأمانة العامة للأوقاف بالشارقة، والتي بدأت حديثها معنا عن ماهية الغارم أو الغارمين، حيث قالت: «الغارم هو الذي عليه دين في أمر مباح وقد يكون غارما لمصلحة نفسه في نفقة أو كسوة أو علاج أو غارم لمصلحة الغير في الغرامات وإصلاح ذات البين».

وأضافت القصيمي: «انطلاقا من رسالتنا تجاه المجتمع، والتزامنا في القضايا الملحة التي تحمل إبعادا إنسانية واجتماعية، قمنا في الأمانة العامة للأوقاف بالشارقة مع بداية العام الجاري وخلال احتفال أقيم في إدارة المنشآت العقابية بالشارقة بحضور جمال سالم الطريفي، المدير العام للأمانة، بإطلاق مشروع «مصرف الغارمين» والذي يندرج تحت إطار مشروع الأسهم الوقفية الذي أطلقته الأمانة عام 2003.

والمستفيدين من هذا المشروع فهم الغارمون الذين دخلوا السجون بسبب غيرهم من الكفلاء والموكلين، حيث يعتبرون مسؤولين عن كل تصرف يقوم به مكفولهم أمام القضاء، وإذا قصر المكفول في السداد أو أخل بالتزامه تجاه الجهة التي يتعامل معها عاد الأمر على الكفيل، ووقع في السجن دون ذنب أو جريرة، كما يشمل هذا المصرف أصحاب القضايا المعنية المتعلقة بحق الدفع وليست المتعلقة بالحق العام، وكذلك ممن فرضت عليهم الديات بسبب القتل الخطأ، وأولئك الذين استدانوا لغرض ظرف معيشي ملح.

صحة المجتمع

وأوضحت القصيمي بأن هذا المشروع يهدف إلى سداد ديون المسجونين المتعثرين في قضايا مالية، تمهيدا لإطلاق سراحهم وإعادتهم إلى أسرهم التي تحتاج إليهم، وقالت: «نحن ندرك تماما أهمية تماسك الأسرة لضمان صحة المجتمع، وأن أي خلل يصيب الأسرة قد يؤدي إلى تشتتها وبالتالي زيادة معدلات الجريمة في المجتمع وهو ما لا نطمح إليه، ولذلك فنحن بدأنا العمل من اجل إعادة هؤلاء المساجين إلى أسرهم لحفظها من التفكك».

شروط الاستفادة

أما عن الشروط الواجب توفرها في المستفيدين من المصرف فقالت القصيمي: «يعتبر مصرف الغارمين احد فروع مصارف الزكاة الثمانية، وبالتالي فإن معايير مستحقي الزكاة تنطبق أيضا على الغارمين الذين يمكن دفع الزكاة لهم أيضا، وللاستفادة من هذا المصرف يجب أن يكون سبب الدين هو قضاء طرف معيشي ضروري، وألا يكون سببه ناتجا عن النصب والاحتيال، أو شراء حاجيات غير ضرورية مثل السيارة وغيرها، أو لإنماء تجارة خاصة، حيث سيقوم المجلس الأعلى لشؤون الأسرة بدراسة الحالات التي تحتاج إلى الدعم مع إيضاح المبلغ المطلوب بالتعاون مع إدارة المنشآت العقابية، ومن ثم سيتم تسليم المبلغ للجهات المختصة للإفراج عن صاحب الحالة المذكورة».

وحول طرق التبرع لهذا المصرف قالت القصيمي: «بداية يجب أن يدرك الجميع بأن جميع المبالغ التي يتم استقبالها من التبرعات تعتبر مالا موقوفا، حيث سيتم تشغيلها والاستفادة من ريعها لمصرف الغارمين، ولزيادة إيرادات هذا المصرف فقد قامت الأمانة بوضع أكثر من طريقة منها الإيداع المباشر في الحسابات البنكية الخاصة بمصرف الغارمين في كل من مصرف الشارقة الإسلامي وبنك دبي الإسلامي، أو عن طريق شراء قسائم التبرعات من مندوبي الأمانة الـ 35 مندوبا الموزعين في مختلف الأماكن العامة مثل مراكز التسوق والجمعيات والمساجد وغيرها في إمارة الشارقة».

وأكدت القصيمي على وجود إقبال جيد على التبرع خاصة في الفئات الصغيرة ذات الخمسة دراهم والعشرة دراهم، ولضمان إيرادات ثابتة للمصرف فقد قامت الأمانة العامة بتخصيص قسائم التبرعات من فئة الخمسة دراهم لصالح هذا المصرف، وأشارت القصيمي إلى انه يتم استهلاك 500 دفتر شهريا من هذه الفئة، وأكدت على انه يمكن للمتبرع أن يطلب من المندوب بتوجيه تبرعاته إلى مصرف الغارمين خاصة في فئات القسائم الكبيرة.

تواصل دائم

يعتبر التواصل مع الجمهور من أفضل طرق زيادة التبرعات لمشروع الأسهم الوقفية وكذلك لمصرف الغارمين، وحول الحملات الإعلامية التي نفذتها الأمانة للتعريف بهذا المشروع قالت القصيمي: «مع اقتراب شهر رمضان المبارك تنوي الأمانة العامة تنفيذ حملة إعلامية واسعة للتعريف بكافة مشاريعها، وذلك لما يشهده الشهر الكريم تحديدا من زيادة في التبرعات الخيرية، أما بخصوص التعريف بمصرف الغارمين.

ستقوم الأمانة العامة للأوقاف مع حلول العام المقبل بحملة إعلامية واسعة تشمل كافة وسائل الإعلام لتعريف الجمهور بآليات مصرف الغارمين وطرق التبرع له»، وأكدت القصيمي على أن الأمانة قامت في الفترة الأخيرة باستحداث خدمة الرسائل النصية القصيرة التي تمكنها من تعريف الجمهور بأحدث مشاريعها، واعتمدت في إرسالها على ما تمتلكه من قاعدة بيانات خاصة يصل عدد المسجلين فيها إلى نحو 1700 شخص.

مصارف مشروع الأسهم الوقفية

أطلقت الأمانة العامة للأوقاف في الشارقة عام 2003 مشروع الأسهم الوقفية والذي ضم بين أجنحته عددا من المصارف أبرزها مصرف رعاية المساجد، حيث تقوم الأمانة برعاية المساجد من خلال الأموال الموقوفة، وكذلك مصرف خدمة القران الكريم والعلوم الدينية، حيث تعمل الأمانة على خدمة القران الكريم وعلومه من خلال إنشاء مراكز لتحفيظ القران الكريم وطباعة المصحف الشريف، ونشر المفاهيم الصحيحة المستمدة من الكتاب والسنة وغيرها.

أما مصرف دار العجزة فيخصص ريعه لمساندة ودعم دور العجزة والمسنين ماديا ومعنويا في الدولة، في حين يهدف مصرف رعاية المسلمين الجدد من حيث طبع النشرات والكتيبات بلغات مختلفة لدعوة المسلمين، وتخصيص دعاة من جنسيتهم للعمل على دعوتهم داخل تجمعاتهم، والاهتمام بالمسلمين الجدد ومتابعتهم ومدهم بالكتب والأشرطة اللازمة، وتعليم المسلمين الجدد اللغة العربية وتوظيف قدراتهم لخدمة القضايا الإسلامية.

ويهدف مصرف رعاية المعاقين إلى مساعدتهم في التأهيل النفسي والصحي من خلال الخدمات الثقافية والتربوية والصحية والعلاج النفسي، والمساهمة في التدريب والتأهيل المهني، والمساهمة في توفير الأجهزة والمعدات الطبية التعويضية، وكذلك المساهمة في إنشاء دور للرعاية والإيواء.

في المقابل، سعت الأمانة العامة للأوقاف إلى دعم مناسك الحج من خلال مصرف خدمة الحجاج، كما حرصت على خدمة الإسلام والمسلمين وتعزيز بواعث الخير فيهم من خلال مصرف أبواب الخير، وكذلك عملت على الاعتناء والاهتمام بذوي الدخل المحدود من خلال مصرف رعاية الفقراء والمحتاجين، كما عملت على الاعتناء بالأيتام من خلال تخصيص مصرف لهم.

غسان خروب