لا تزال العطلة الصيفية لخريجي الثانوية العامة تشكل كابوسا ثقيل الظل ودوامة كبيرة تحمل في داخلها حالة من القلق والاضطراب النفسي والعصبي عند التفكير باحتمالات مستقبل المقعد الدراسي للتعليم الجامعي، بعد أن أصبح همّ شهادة الثانوية العامة وراءهم.
وهي مهمة عسيرة للعديد من الطلاب والطالبات في ظل ازدياد أعداد الخريجين واحتدام المنافسة بين ذوي المعدلات المرتفعة، والتي تفرض وجود أطراف خاسرة في نهاية المطاف مع كل سنة دراسية تتخرج في نهايتها أفواج هائلة من مقاعد الدراسة الثانوية، فيختلف مصيرهم، فمنهم من يضع حداً لمسيرته التعليمية مرغما لظروف مادية أو خاصة.
ومنهم من يتجه إلى التعليم التقني وهو إحدى الوجهات التي يتجه إليها الطلاب، ولكن بعضهم يصطدم برغبة الأسرة والبعض الآخر يلتحق بالكليات العسكرية. وعلى الرغم من ابتكار حلول عملية يكون فيها المخرج من أزمة لا تقتصر مفاعيلها على مجرد شاغر كرسي الدراسة أو حتى الوظيفة، إلا أن المشكلة دائماً باقية، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الفجوة الواسعة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل.
ففي هذه الأيام يتجه آلاف الطلاب ممن تخرجوا من المرحلة الثانوية بحثا عن مقعد جامعي، وتقف مشكلة أخرى تتمثل بتحديد طبيعة التخصص والوجهة المناسبة، فقد أكد أساتذة جامعيون وأكاديميون أن نسبة كبيرة من هؤلاء المتقدمين للجامعات لا يملكون القدرة على تحديد التخصصات المناسبة لهم، في حين تشير دراسات تربوية إلى أن الأهل والأصدقاء يملكون تأثيرا قويا في عملية اختيار التخصص، بالإضافة للمكانة الاجتماعية التي تملكها بعض المجالات كالطب والهندسة.
وقد كشف التقرير السنوي لمناخ الاستثمار لعام 2008، الصادر حديثا عن المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات عن ارتفاع عدد الجامعات على مستوى الدول العربية بمقدار 285 جامعة.
حيث أوضح أنه ورغم هذه الزيادة الكبيرة في عدد الجامعات، فإن فعالية نظام التعليم العالي العربي لا تزال محدودة وضعيفة، لأسباب متعددة أهمها: تدني نسب الملتحقين بالتعليم العالي، ارتفاع الرسوم الدراسية إلى مستويات باهظة «لاسيما الجامعات الخاصة»، وعدم توافق مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل. كما يوضح التقرير أن عدد الجامعات الخاصة الذي قفز خلال الفترة المشار إليها بمقدار 115 جامعة، أي بما يمثل 4.4 مرات عددها عام 1993، ليتساوى عددها مع الحكومية، ولا يعكس قدرة هذه الجامعات الاستيعابية النسبية لأن معظم الجامعات الخاصة الجديدة صغيرة الحجم.
ووفق التقرير كان نصيب الإمارات خلال الفترة ذاتها نحو 11 جامعة خاصة ليصل عدد الجامعات لديها إلى 18 جامعة «منها 16 جامعة خاصة». وتعتبر تجربة الإمارات في إنشاء الكليات الخاصة إحدى التجارب المبكرة على مستوى دول الخليج، حيث تم إنشاء العديد من الكليات والمعاهد الخاصة منذ مطلع عقد التسعينات من القرن الماضي.
3 سنوات من العذاب
في البداية تحكي الطالبة مريم محمد مراد قصتها المريرة التي عاشتها على مدار نحو 3 سنوات من تخرجها من الثانوية العامة بمعدل 80%، حيث لم يؤهلها هذا المعدل الحصول على منحة دراسية للالتحاق بكلية القانون بجامعة الشارقة حلم حياتها ـ على حد وصفها ـ ومحاولتها المستمرة للحصول على المنحة نظرا للوضع المادي لوالدها المتقاعد الذي لا يستطيع أن يلحقها براتبه الخاص.
فيما لم تجد مفرا من الالتحاق بكلية خاصة لا تلبي رغبتها سوى في الحصول على شهادة أعلى من الثانوية تؤهلها للالتحاق بوظيفة مناسبة بعد تخرجها، غير أنها أكدت مرارتها للآن وإلحاحها تحقيق الحلم بدخول كلية القانون مستقبلا. متسائلة بأن في الأيام القليلة المقبلة يتوقع أن تستقبل الجامعات الحكومية المتقدمين إليها من خريجي وخريجات الثانوية العامة، وسنسمع بلا شك عن طلاب حصلوا على نسبة تجاوزت 90% دون أن يتم قبولهم؟!. وهنا يحق لي أن اطرح هذا السؤال، ماذا عن فائض القبول، وما هي الحلول المقترحة لاستيعاب أكبر عدد؟.
وفي الإطار ذاته قالت الطالبة سارة سعيد إنها خائفة بأن يكون حالها كحال أختها التي نالت نسبة متدنية، وأخذت تبحث عن فرصة للالتحاق بوظيفة معينة بعد وجود مشقة بالالتحاق بالجامعات والكليات التي في أغلبها بالإمارات الأخرى البعيدة نوعا ما والتي تتطلب رسوماً عالية. مضيفة بأنه لم تكن مهمة الحصول على وظيفة حلا بل كانت مشكلة أكبر، فهي لم تترك بابا مفتوحا أو مغلقا لم تطرقه، كما أنها لم تترك دورة إلا وتقدمت فيها إلا أن ذلك لم يجدِ نفعا، فرفعت راية الاستسلام على الحظ يوفيها في يوم من الأيام.
مجال لم أتخيله
وأشارت الطالبة زينب يوسف بأنها فعليا ثابرت واجتهدت، إلا أن النسبة المناسبة لعبت دورها في عدم حصولها على الكرسي المناسب في إحدى الجامعات أو الكليات التي ترغب الالتحاق بها. مضيفة بأنه يجب إيجاد حلول يستطيعون التعايش معها. فهي اضطرت للالتحاق للعمل في المجال العسكري رغم عدم تخيلها العمل فيه، لكون أحلامها كانت خلاف ذلك تماما.
ومن جانب آخر، أكد الطالب سالم محمد بأنه كان يرغب في البداية في دخول تخصص إدارة الأعمال، غير أنه وجد بعدما تم قبوله في الجامعة بأن هذا التخصص غير مناسب له بالرغم من اعترافه بعشقه مسبقا في دراسته والتبحر فيه فقرر حاليا الانتظار لأن نسبته لا تسمح له إلا الالتحاق بتخصصات لا تلبي رغبته. حيث سيلتحق بتخصص يتناسب ووظيفته التي سيلتحق بها قريبا من باب ضرب عصفورين بحجر.
فرص بديلة
وقال مشعل خميس الخديم رئيس قسم الإدارة التربوية والتعليمية بمنطقة الفجيرة التعليمية لابد من التركيز على تشجيع التوسع في إنشاء مكاتب للتوجيه والإرشاد الطلابي ومكاتب توظيف في مؤسسات التعليم العالي والثانوي للبنين والبنات بهدف تعريف الطلاب والطالبات بفرص العمل المتاحة في القطاعات الخاصة ومتطلبات الوظائف والمهن ومساعدتهم على اكتساب مهارات سوق العمل عبر التعميم في إنشاء مكاتب للتنسيق المهني على مدارس المرحلة الثانوية للبنين والبنات .
وتوفير مكاتب للتوظيف بالجامعات لتوجيه الخريجين والخريجات لوظائف القطاع الخاص والتنسيق بين الجامعات والمنشآت الوظيفية الموجودة وكذلك الموارد البشرية والخدمة المدنية «دوائر التنمية» قي ضوء برامج إرشادية تساعد على تأهيل الخريجين والخريجات في تخصصات تتناسب مع احتياجات سوق العمل وارتباطها بها لاختلاف ذلك بين إمارة وأخرى.
مضيفا بأن تدفق الشباب من خريجي الثانوية العامة كل عام في ازدياد مطرد، ولابد من إيجاد حلول لهذه الظاهرة حتى لا يتراكم الشباب ذكورا وإناثا بدون رؤية واضحة في مسيرتهم التعليمية. فهو يتمنى مع حلول الصيف القادم بأن تكون هناك وقفة شجاعة لتحديد المسار السليم الذي يجب أن تكون عليه استراتيجيتنا الوطنية لتأهيل عنصر العمل الوطني.
قصور مؤسسي وأسري
وبدورها، أشارت روية السماحي عضو المجلس الوطني الاتحادي بأن في هذه السنة توجها كبيرا وممتازا من الدولة وجهاتها في إعطاء فرص تتضح جليا من خلال قرار مجلس الوزراء الصادر لكل الوزارات والجهات الحكومية في توفير فرص لبعثات ومنح دراسية بحوافز مجزية ومميزات عالية سواء في داخل الدولة أو خارجها لخريجي الثانوية العامة في تخصصات تحتاجها فعليا تلك المؤسسات، إذا ما تم مقارنتها بالسنوات الماضية، إلا أنه يوجد عزوف من بعض الطلبة من ذكور وإناث على حد سواء للالتحاق بها، يتعلق بالدرجة الأولى على حد وصفها من قصور في تسويق هذه الفرص سواء من خلال تسليط وسائل الإعلام عليها أو دور الإرشاد الأكاديمي من تلك الجهات في التعريف بالمجالات المتاحة لديها وببرامجها ومميزاتها.
كما أوضحت من جهة أخرى في تصور أبعد من ذلك بأن أغلب خريجي الثانوية العامة تنقصهم المعلومة ومعرفة أنفسهم في تحديد التخصص الجامعي والمهن التي تناسبهم وتتوافق مع احتياجات سوق العمل، إلى جانب عدم وعي أولياء الأمور ومسؤوليتهم في توجيه رغبات أبنائهم في التخصص المناسب وفي فترة مبكرة.
لذا تتمنى السماحي أن يتم تلافي هذه الإشكالية السنة المقبلة بتسليط الضوء على جميع الفرص والمجالات المتاحة من التخصصات المطلوبة في أوقات مبكرة ومناسبات مختلفة وذلك خلال فترة المرحلة الثانوية تحديدا. كما يستوجب من وزارة التربية والتعليم من خلال مناطقها التعليمية توفير إرشاد أكاديمي وكذلك وظيفي وذلك لمساعدتهم في اكتشاف رغباتهم الحقيقية ومعرفة مكامن القوة والضعف لديهم بعد المرحلة الثانوية، مؤكدة بأن الاهتمام بهذا الجانب هو مطلب للجميع.
مراكز لتحديد الميول
وفي السياق ذاته أشارت شيخة راشد النقبي، مديرة مدرسة متقاعدة إلى أهمية إنشاء مراكز لتحديد الميول لدى الطلاب والطالبات من خلال توفير مرشد وظيفي، بالإضافة إلى ضرورة أن يتم تخريج منظومة لتخصص معين كأحد الحلول المناسبة كالطب مثلا من خلال الوظائف التي تدخل فيها الطبيب ومساعد الطبيب إلى جانب فني وأخصائي أشعة.
وكل ذلك يتم بتسريع خطوات تطوير التعليم العالي ضمن منظومة مشتركة يشارك فيها رجال الأعمال عن طريق شركات متخصصة في تقنيات التعليم وكذلك تلمس حاجات المجتمع بالتوسع في فروع الجامعات وقنوات التعليم الذي يشكل تحديا رئيسيا للحاق بركب الدول المتقدمة. في ظل خريجي الثانوية العامة التي تنتهي مسيرتهم التعليمية خلال الأسابيع القليلة المقبلة بعدم حصولهم على مقعد جامعي، في الوقت الذي لا تستطيع أسرهم تحمل أعباء الدراسة في جامعة خاصة.
تربويون يطالبون بتغيير نمط التعليم والتركيز على حاجة سوق العمل
دعا مشعل خميس الخديم رئيس قسم الإدارة التربوية والتعليمية بمنطقة الفجيرة التعليمية إلى تغيير نمط التعليم والتركيز على التخصصات التي تواكب سوق العمل، إلى جانب نشر الثقافة والوعي بين أولياء الأمور حول هذا الموضوع.
وقال إن الكل يريد أن يتفوق ويعمل لذا لابد من إيجاد فرص عمل بديلة لهؤلاء الخريجين والخريجات سواء من خلال المعاهد المهنية أو أن تكون هناك أماكن دراسية. حيث ان التعليم الجامعي مطلوب ولكن ليس دائما الحل الأمثل والوحيد فهناك الرغبات الشخصية والإمكانيات الفكرية والذهنية الخاصة بالمتقدمين وهناك احتياج سوق العمل، ما يتطلب وجود معاهد فنية ومراكز دراسية تقنية وتخصصية وخصوصا في الساحل الشرقي.
ونتيجة لتلك القناعة الخاطئة حول التعليم الجامعي أصبح هناك اكتفاء ذاتي من بعض التخصصات ومع ذلك لايزال باب القبول فيها على مصراعيه مفتوحا أمام خريجي الثانوية العامة من خلال ما تسوقه برامج أقسام الإرشاد التابعة للجامعات الحكومية والخاصة لتلك التخصصات دون النظر إلى الاحتياجات الفعلية لسوق العمل، في الوقت الذي نشكو فيه من نقص حاد في بعض التخصصات ومازال القبول فيها محدودا، مما خلق حالة من الاضطراب الهيكلي في سوق العمل.
ناهد مبارك
