أثبت الواقع العملي علاقة حميمة بين الإعاقة والإبداع وظهرت حالات عديدة بين المعاقات السيدات تؤكد هذه النظرية بل وتتخطاها إلى ما هو أعمق وأهم، فعندما تحرم إحدى هؤلاء من إحدى النعم أو الحواس تنمو لديها حواس بديلة تعوضها عما ينقصها.

ولا نبالغ إن قلنا إن الفتيات من ذوي الاحتياجات الخاصة لا يقل حماسهن ولا عزمهن عن نفس الفئة من الرجال ذلك أنها تتساوى في صفة الحماس مع الرجال ويزيد عليها إصرار الأنثى على التميز.

فاطمة المنهالي واحدة من هؤلاء اللاتي أثبتن أن الإبداع لا يرتبط بالمواصفات الجسمية بل إن الإعاقة كان لها أكبر الأثر في دفعها نحو تحقيق الهدف مهما كان صعباً.

تقول: لم تمنعني الإعاقة الحركية من الحصول على وظيفة في الإدارة العامة لمرور دبي وتمكنت من تحقيق نجاحات متوالية في الرياضة والتصميم والرسم وهي مجالات إبداعية تتطلب توافر مهارات واستعدادات فطرية يمكن الاعتماد عليها للوصول إلى الهدف.

تضيف: في البداية كان من الصعب التدريب على لعبة رمي الجلة ولكن مع المثابرة والعزم تمكنت من الحصول على بطولات محلية ودولية ليس فقط في هذه اللعبة ولكن أيضاً في ألعاب القوى والتطريز اليدوي ووضع تصاميم الملابس وغيرها من الإبداعات.

وعن إنجازاتها في مجال الرياضة تقول: بدأت التدريب على ألعاب القوى «القرص والرمح والجلة» ووجدت التشجيع من المدربين الذين تعاملت معهم ومن الإداريين الذين رأوا فيها إصرارا على تحقيق المستحيل وخاصة في نادي دبي للرياضات الخاصة وبعد شهور من التدريب الجاد والمثابرة والعرق شاركت في بطولة الدولة لألعاب القوى عام 2005 وكانت فاتحة الخير، حيث استطاعت إحراز 3 ميداليات ذهبية في أول منافسة تخوضها وكانت المفاجأة التي توقف أمامها الجميع والتي أذهلتها هي شخصيا.

وبعد وصولها إلى مستويات متقدمة في اللعبة أوفدتها إدارة النادي إلى ألمانيا بصحبة زميلتين من الإمارات للمشاركة في بطولة العالم في الجلة وحصلت على الميدالية البرونزية.. وشاركت فاطمة المنهالي كذلك في بطولة مجلس التعاون الخليجي في نفس العام وحصلت على ميدالية ذهبية وميداليتين فضيتن.

تفوق متواصل

عن الجوائز التي حصلت عليها تقول فاطمة المنهالي: لدي عدد من شهادات التقدير عن التفوق الرياضي وجائزة أفضل رسالة حب من ذوي الاحتياجات الخاصة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حفظه الله، وأيضاً حصلت على جائزة التصميم في مجال وضع التصاميم المتعلقة بالخياطة النسائية بالإضافة إلى جائزة الأم المثالية والموظفة المثالية.

وتؤكد المنهالي علاقة الإبداع بالاستعداد الشخصي وليس البدني وتدلل على ذلك بوجود الكثيرين من المبدعين والمخترعين الذين كانوا يعانون مشكلات جسمية ولكن لم تمنعهم من تقديم الاختراعات المفيدة للبشرية والتي لا تزال باقية خير شاهد على نبوغهم.

وتشير فاطمة إلى ضرورة معرفة مواهب المعاق وتنميتها بدلاً من إهمالها ومن ثم اندثارها، فالإعاقة البدنية لن تشكل عائقا في طريق الموهوبين وأصحاب العقول المتفتحة والإرادة الصلبة فقط علينا اكتشاف ذلك في سن مبكرة حتى ندعمه بما يحتاجه من التوجيه والإرشاد والرعاية.

والموهبة ليست بالضرورة موهبة رياضية فمن الجائز أن يكون المعاق يجيد الرسم أو النحت أو أياً من فروع الفنون التشكيلية أو اليدوية الأخرى، ويخطئ بعض أهالي ذوي الاحتياجات الخاصة عندما يتعاملون مع أبنائهم معاملة الكم المهمل إذ قد يلجأ البعض لتقليل فرص خروجه من البيت لأسباب وحجج واهية ولكن ذلك خطأ كبير لأننا نصادر عليه حقه في ممارسة دوره الطبيعي في المجتمع لمجرد أنه محروم من الأداء الجسدي الطبيعي.

ويقاس تحضر الدول بمدى ما تقدمه من خدمات ومساعدات لذوي الاحتياجات الخاصة - والكلام لا يزال لفاطمة - وهنا في الإمارات تولي الأجهزة المعنية ذوي الاحتياجات الخاصة اهتماماً كبيراً مما يعمق فينا روح الانتماء والحب لهذا الوطن.

إبداع في الرسم

كوكب محسن محمد عبد الله واحدة من النماذج التي قدمت الإبداع في صورة مباشرة، عمرها 22 عاماً أحبت الرسم منذ طفولتها والتحقت بمدرسة الشارقة للخدمات الإنسانية وهي في الرابعة ولم تستمر فيها كثيراً إذ التحقت بمركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة وهناك أدرك المشرفون وجود موهبة دفينة لديها في مجال الرسم والتطريز فألحقوها بفصول الخياطة وحققت نجاحاً كبيراً في مجال التطريز والحياكة.

ومن خلال المشرفين على أعمال المتدربات لاحظ مروان حرز الله تفوقها في التصاميم وهو مجال يحتاج بالضرورة إلى إبداع فقرر إرسالها إلى نادي دبي الثقافي لحضور الجلسات الخاصة بالتصاميم وسجلت في النادي كعضوة تستفيد من الخبرات المختلفة إلى جانب ارتباطها بالتدريب في مركز راشد.

حققت كوكب نجاحات متتالية أهمها الحصول على شهادة تفوق عن مسيرة العطاء والعمل من مدرسة الشارقة للخدمات الإنسانية عام 1991 وشهادة أخرى من قسم التأهيل والتدريب المهني عن تفوقها في الخياطة والتطريز اليدوي علاوة على جائزة رواق عوشة بنت حسين الثقافي للمعاقين وشهادة تقدير من نادي دبي للشطرنج والثقافة كلاعبة هذا العام ثم شهادة تقدير من رواق عوشة بنت حسين الثقافي عن أعمالها في مجال وضع التصاميم للأزياء والملبوسات، ثم شهادة شكر وتقدير في إخراج «رسالة حب» بصورة مشرفة، من مركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة، وشركة الضياء للإنتاج الإعلامي.

حصلت كوكب كذلك على شهادة تفوق وامتياز وتذكار من هيئة للثقافة والفنون- دبي للثقافة - عن مشاركتها في مشروع تنمية الموهوبين بتصميم الأزياء من ذوي الاحتياجات الخاصة، بالتعاون مع شركة ذا إفينتس إجينسي.

وإلى جانب هذه الشهادات التي تعكس تفوقها الإبداعي حصلت كوكب على مجموعة من الجوائز المالية عن رسومها الحرة التي قدمتها للمسابقات الإبداعية منها مكافأة وقيمتها 3000 درهم، لرسمها صورة المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان من مدرسة الشارقة للخدمات الإنسانية ومكافأة مالية أخرى قيمتها 10000 درهم لرسمها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم والمسابقة كانت برعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم خلال العام الماضي وأخيراً مكافأة قيمتها 3000 درهم، من رواق عوشة بنت حسين الثقافي، لرسمها لوحة تعبيرية تم اختيارها كأفضل المعروضات.

تقول كوكب: إن رعاية والدتها وحرصها على إيفادها إلى إحدى دور التدريب هو السبب في نجاحها بالإضافة إلى مجهود المشرفين في نادي دبي الثقافي ومدرسة الشارقة للخدمات الإنسانية ومتابعة الجهد للوصول إلى نتيجة تتواءم مع الجهد المبذول. وتضيف أن على الأهل مسؤولية كبيرة لاكتشاف مكمن الموهبة في أبنائهم، ومن ثم تنمية هذه الموهبة عن طريق التدريب المتواصل أو عن طريق الاستعانة بالمتخصصين لاكتشاف ما يجيده ذوو الاحتياجات الخاصة من أعمال.

و تقول كريمة حسين من ذوي الاحتياجات الخاصة، التي تعاني إعاقة سمعية وكلامية إنها لاحظت انفعالات المحيطين بها عندما يشاهدون الرسوم التي تضاهي معطيات الواقع فبدأت في تطوير أدائها واختارت الرسم على الزجاج باستخدام الألوان الخاصة بهذا النوع من الرسم لشعورها بأنه يظل محتفظاً بألوانه لفترات طويلة.

كما أن الألوان على الزجاج تكون أكثر ثباتاً وأكثر تعبيراً عن الواقع. تضيف كريمة أنها لم تستعن بأي مؤسسة لتعلمها الرسم حيث مشاهدة الطبيعة ومحاكاتها على الورق والزجاج، وتنصح كل ذوي الاحتياجات الخاصة بالبحث داخلهم عن مكمن الإبداع، وتضيف أن النجاح في مجال واحد لا يعني إهمال باقي المجالات، فربما تتعدد الموهبة فلا يجب إهمالها.

مؤسسات ذوي الاحتياجات تدعم مواهب المبدعين

أكد العديد من الموهوبين من ذوي الاحتياجات أن بذور الإبداع الكامنة فيهم لم تكن لترى النور لولا الرعاية الحثيثة والمستمرة من المؤسسات المتخصصة برعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، من خلال كشف المواهب وتطويرها ونقلها إلى الحيز الاجتماعي المناسب لها.

وقالت فاطمة المنهالي الرياضية المبدعة إنها وجدت الكثير من التشجيع من المدربين الذين تعاملت معهم ومن الإداريين الذين رأوا فيها إصراراً على تحقيق المستحيل وخاصة في نادي دبي للرياضات الخاصة.

في حين ذكرت كوكب محسن المتميزة في فنون الرسم أنها التحقت بمدرسة الشارقة للخدمات الإنسانية وهي في الرابعة وبعدها انتقلت إلى مركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة وهناك أدرك المشرفون وجود موهبة دفينة لديها في مجال الرسم والتطريز فألحقوها بفصول الخياطة وحققت نجاحاً كبيراً في مجال التطريز والحياكة.

وقالت: لاحظ المشرفون على أعمال المتدربات تفوقي في التصاميم وهو مجال يحتاج بالضرورة إلى إبداع فقرروا إرسالي إلى نادي دبي الثقافي لحضور الجلسات الخاصة بالتصاميم وهناك دخلت عالم الإبداع والموهبة.

أيمن حجازي