تستقبل المكتبات في البلدان التي يتحدث سكانها اللغة الاسبانية الخميس المقبل الرواية الجديدة للكاتبة التشيلية إيزابيل الليندي» جزيرة تحت البحر»، التي تسير فيها على درب «ابنة الحظ»، التي تمزج فيها بين عوالم التاريخ والرومانسية والمغامرات.
في سن الأربعين، كان حظي (أنا زاريتي) أفضل من حظوظ العبدات الأخريات. وهذا صحيح، فلقد كان من نصيب هذه الفتاة السمراء، بطلة» الجزيرة تحت البحر»، نجمة طيبة. ولدت في سانت دومينغي،هاييتي حاليا، وعندما دخلت في ربيعها التاسع تم بيعها عبدة لأحد منتجي السكر، لكنها لم تتعرض قط لمخاطر المزارع المألوفة، وعلى خلاف نساء كثيرات مثلها عرفت زاريتي الحب وعاشته، إذ تقول:» أعرف طعم العيش مع رجل يختاره قلبي حين توقظ يداه الكبيرتان جلدي. كان لي أربعة أبناء وحفيد والذين لا يزالون على قيد الحياة أصبحوا أحرارا».
بهذه العبارت تقلع رواية «جزيرة تحت البحر»، التي تسجل عودة إيزابيل الليندي إلى فن الرواية بعد صدور كتاب مذكراتها» حصاد الأيام»، والتي ستصدر دفعة واحدة في كافة البلدان التي يتحدث سكانها لغة سيرفانتيس، ومن المعروف أن الليندي تستهل كتابة كل رواية جديدة في 8 يناير، نتيجة نجاح روايتها الأولى «بيت الأرواح»، التي استهلت كتابتها في ذلك التاريخ بالذات.
أحداث »جزيرة تحت البحر» تدور في بيئة تعود إلى القرن الثامن عشر، وتروي قصة العبدة زاريتي ودربها نحو الحرية. حيث يبدو أن الكاتبة التشيلية تحذو في عملها الجديد حذو ما فعلته في «ابنة النصيب» و«صورة عتيقة» وتنسج حكاية متقنة عن المظالم والمغامرات والحب بخلفية تاريخية.
«كان لفرنسا أغنى مستعمرة في العالم في سانت دومينغي. كان هناك 34 ألف شخص حر، بين بيض وخلاسيين ونصف مليون من العبيد السود.قلة من هؤلاء العبيد ولدوا في تلك المستعمرة، بينما اختطفت غالبيتهم من أفريقيا وكانوا يتذكرن أيام الحرية».
تصف الليندي، التي اختارت المنفى الطوعي أيام دكتاتورية بينوشيه، نفسها بأنها حاملة راية الحرية. في تصريحات لها لصحيفة»التييمبو» الكولومبية تقول: «أي شكل من أشكال القمع والظلم يجعلني آخذ الأمر على المحمل الشخصي، ومن نافلة القول إن العبودية هي كذلك، لا بل أنها الشكل الأكثر تتطرفا. كان علي أن أكتب هذا الكتاب. أعتقد أن زاريتي، البطلة، ولدت من ضلعي».
وها هي تبوح على لسان زاريتي: «أول ذكرى سعيدة في حياتي، عندما كنت صغيرة السن جسورة وبادية العظام وشعثاء الشعر، تتجسد في حركتي على إيقاع الطبول وذلك أحدث شعور بالسعادة يراودني، لأني كنت الليلة الفائتة في ميدان الكونغو وظللت أرقص وأرقص.. مع الطبول تختفي زاريتي كل يوم وتعود لتكون تلك الطفلة التي رقصت حين بالكاد كانت تخطو خطواتها الأولى».
زاريتي، المباعة إلى تولوس فالمورين، منتج السكر الكبير، تصبح عبدة منزل منذ نعومة أظفارها وتستسلم لحياة سيدها وامرأته. من ذلك المكان تتحول كذلك إلى شاهدة على عادات وسلوكيات ومآسي البيض في الجزيرة، وكذلك على الاستغلال البشع الذي يتعرض له العبيد. كما أن زاريتي، التي تمتلك جمالا أخاذا وحسنا منقطع النظير،» تجسد حرية الروح، قوة جبارة مثل بركان»، على حد تعبير المؤلفة.
»الإيقاع يولد في الجزيرة تحت البحر،يزعزع البحر، ويخترقني مثل البرق ويذهب إلى السماء آخذا معه غمي وكربي»، كما تقول بطلة الرواية، التي تضيف» الطبول تنتصر على الخوف. الطبول تركة أمي، قوة جوينيا الساكنة دمي، لا أحد يقدر علي عندها».
الرواية تصور سانت دومينغي كجنة طبيعية بين أيدي المستغلين(بكسر الغين) والفاسدين واللصوص. وترصد حالة من الغليان مليئة بالتوترات، حالة مسكونة بالبيض الأغنياء وملاك الأراضي والمستعمرين الفقراء(بفتح التاء) والخلاسيين الأحرار، المنكبين على التهريب والدعارة، والأشرار والقراصنة الذين استخدموا الجزيرة كملاذ لهم، لكن الغالبية تبقى من العبيد السود.
تلك التوترات تؤدي إلى اندلاع انتفاضة كبيرة للعبيد، الذين يأخذون زاريتي إلى نيو أورلينز، حيث تجد الحرية. وعندها تتذكر تاريخها، بدءا من أيامها الأولى، عندما دفعها عبد عجوز يدعى هونوري إلى الرقص. وكان يقول لها:» أرقصي، ارقصي يا زاريتي، لأن العبد الذي يرقص حر».
باسل أبو حمدة
