التعامل مع البحر يشبه التعامل مع المجهول، فهو يحتفظ بأسراره عميقا، ويتغير بين لحظة وأخرى، ولا يدرك ذلك إلا من عاشره وتعلم بعض أسراره، ونتيجة لعدم معرفتنا بهذه الأسرار يتحول كثير منا في غمضة عين إلى ضحايا، حيث يجدون أنفسهم محاصرين في لجة الأمواج التي تسحبهم نحوها.
ولكن في المقابل يوجد بيننا بعض من عرفوا أسرار البحر واحترفوا ترويضه، ليسخّروا أنفسهم لإنقاذنا في لحظات قد نفقد فيها الأمل بالحياة. هؤلاء هم أفراد الإنقاذ البحري في شرطة دبي، الذين أخذوا على عاتقهم حمايتنا وممتلكاتنا من أنياب البحر، وكثيرا من الأحيان يلقون بأنفسهم وسط الخطر لتأمين حياتنا، رغم إدراكهم ان بين الحياة والموت لحظات بسيطة قد لا تتعدى الثواني في ساعاتنا. «البيان» زارت أفراد هذا القسم وتحدثت معهم حول طبيعة عملهم وحاولنا خلال حوارنا معهم توثيق بعض حكاياتهم التي مروا بها خلال ورديات عملهم، البداية كانت مع النقيب يحيى حسين محمد يحيى، رئيس قسم الإنقاذ البحري في الإدارة العامة للعمليات بشرطة دبي، والذي قال: إدارة الإنقاذ واحدة من ضمن فروع الإدارة العامة للعمليات الاثني عشر، وهي تتكون من ثلاثة أقسام هي الإنقاذ البحري والإنقاذ البري والمهمات الصعبة، وشعبتا التدريب والتجهيزات.
وأضاف: وظيفة الإنقاذ البحري تتمثل في إنقاذ الأرواح والممتلكات والمحافظة عليها، ولذلك لدينا مجموعة كبيرة من المنقذين الذين يتواجدون على الشواطئ طوال أيام الأسبوع، بالإضافة إلى نقاط بحرية رئيسية هي الحمرية والخور وجميرا والجسر العائم، ونحن بصدد إنشاء نقطة جديدة في ميناء راشد وسيتم الانتقال إليها في غضون شهرين، ومهمة الأفراد العاملين في الإنقاذ تتمثل في انتشال السفن والأجسام الغارقة وكذلك إنقاذ الغرقى والبحث عن المفقودين في البحر، بالإضافة إلى مساعدة دوريات الإنقاذ البحري في الإمارات الأخرى في حالة الحوادث البحرية. يضم طاقم الإنقاذ البحري نحو 120 شخصا بينهم 80 غواصا مهمتهم البحث ومراقبة الشواطئ وإنقاذ الغرقى وانتشال الأجسام الغارقة، أما الباقون فهم النواخذة الذين يقودون الزوارق ويشاركون الغواصين في عملهم.
اختيار متقن
ويشير يحيى إلى أن عملية اختيار أفراد الإنقاذ البحري تتم بعناية فائقة، وبعد اختيارهم يتم إخضاعهم لعدد من الاختبارات لمعرفة مدى لياقتهم، وجرأتهم في التعامل مع الإصابات والغرقى، والكائنات البحرية، وكذلك مدى إتقانهم للسباحة وسيطرت المنقذ على نفسه أثناء السباحة أو حتى في حالة تعبه داخل المياه.
وعلى ضوئها يتم إدخالهم إلى دورات يتعلمون فيها طرق السباحة الصحيحة والغوص والإنقاذ وكذلك الإسعافات الأولية، ويبقى الفرد في التدريب حتى يحصل على ثماني رخص، من بينها كيفية التعامل مع الحوادث ليلا، ومع الأجسام الغارقة وعملية انتشالها عبر ربطها بالبالونات والأحزمة، وكذلك الإسعافات الأولية بعد إخراج الغريق من المياه، واستخدام أجهزة الملاحة وأجهزة التواصل، وأجهزة البحث تحت المياه مثل جهاز المثلث وغيره.
دعوات للجمهور
يجتهد أفراد الإنقاذ البحري في إرشاد الجمهور من مرتادي البحر للمحافظة على أرواحهم من خطر الغرق في البحر، كما يجتهدون كثيرا في المحافظة على أنفسهم أثناء قيامهم بتنفيذ مهماتهم في عرض البحر والتي تستغرق أحيانا وقتا طويلا، وحول ذلك قال يحيى: «نحاول بكل جهودنا تنبيه وتوجيه مرتادي البحر إلى المخاطر التي قد تصادفهم أثناء وجودهم في البحر من خلال البروشورات والأعلام والرسائل النصية القصيرة التي تحمل بعض النصائح لهم وكذلك استخدام الإعلام الصفراء والحمراء والتي تنم عن حالة البحر، كما نطلب منهم الاتصال بنا فورا في حالة وجود خطر أو حادث بحري مهما كان حجمه».
وأضاف: كما نقوم بمتابعة كل من يدخل البحر بزورقه وذلك عبر الخدمة الالكترونية التي تقدمها شرطة دبي للأشخاص الذين يدخلون البحر بزوارقهم، حيث يقوم قائد الزورق بتزويد القيادة بطرق الاتصال به والتي تصل بدورها إلى مناوب الإنقاذ في النقطة المعنية والذي يقوم بالاتصال بقائد الزورق وإعطائه بعض الإرشادات عن دخول البحر وحالة الطقس، ويتعرف منه على إحداثياته ليتمكن من معرفة مكانه، ويبقى المناوب على اتصال دائم معه حتى خروجه من البحر.
وأكد يحيى وجود 11 دورية على الشواطئ خاصة في نهاية الأسبوع، كما أشار إلى أن الدوريات تتحرك بناء على تقارير الأرصاد الجوية التي تصل يوميا إلى الإدارة العامة للعمليات، إلى جانب ما يمتلكه الأفراد من خبرة ودراية بالبحر.
خبرة لمواجهة الخطر
أما عن المخاطر التي تواجه أفراد الإنقاذ البحري فقال يحيى: أبرز الأخطار التي تواجهنا تكون أثناء عملية إنقاذ الغرقى، لأن هناك بعض الغرقى يتصرفون بطريقة قد تغرق المنقذ أيضا، ولذلك يكون الغواص لدينا ملماً بمهارات الغوص والإنقاذ.
وفي المقابل يجب أن يكون لدى الغواص الدراية والخبرة الكاملة في عملية إخراج اللنشات والأشخاص الموجودين فيها، وعادة نتوقع أن الغواص عندما يدخل لانتشال باخرة أو سفينة لا يعرف طريق العودة، بسبب تغير مكانها أو وضعيتها أو الضياع بداخلها إذا كانت ضخمة، أو سقوط بعض القطع منها على الغواص، ولذلك نحاول أن نبقى على اتصال دائم معهم، والى جانب ذلك تشكل الكائنات البحرية أيضا خطورة على الغواص مثل الثعابين واللخمة، وقناديل البحر وغيرها.
قصص وتجارب
يعتبر الوكيل أول عبد الجبار صالح ناصر من قدامى العاملين في الإنقاذ البحري، حيث بدأ العمل فيها منذ عقد الثمانينات، وقد شارك خلال فترة عمله في إنقاذ العشرات من الأشخاص الغرقى، وكذلك العديد من الحوادث البحرية، يقول عبد الجبار: انضمامي لهذا القسم كان بناء على حبي للبحر والغوص، ومنذ دخولي في هذا القسم تلقيت العديد من الدورات المتخصصة وتعلمت على العديد من الأجهزة البحرية وكذلك الإسعافات الأولية.
ويواصل: حالات الغرق تقع عادة لعدم امتلاك الشخص الدراية والخبرة الكافية في مناطق البحر، ولذلك نحن ننصح الجمهور بعدم دخول المناطق غير المخصصة للسباحة واحترام العلم الأحمر عندما يكون مرفوعا حتى في حالات هدوء البحر فقد يكون هناك دوامات داخل المياه قد تسحب الشخص إلى الداخل وتؤدي به إلى الغرق.
ويواصل: خلال فترة عملي شاركت في العديد من الحوادث سواء إنقاذ غرقى أو عمليات انتشال، منها عملية انتشال حطام طائرة الهيلوكوبتر التي سقطت في مياه أبوظبي، حيث كنا نبحث عنها باستخدام جهاز المثلثة، وقد صادفتنا خلال البحث مجموعة من ثعابين البحر وبحكم الخبرة أصبحت وزملائي ندرك كيفية التخلص منها دون أن نصاب بضرر لأن هذا النوع تحديدا لا يعتدي على الإنسان طالما بقي بعيدا عنه.
كما شاركت أيضا في عملية انتشال الطائرة الروسية التي سقطت في مياه رأس الخيمة، وأذكر أننا بقينا نعمل لمدة ثلاثة أيام متتالية، وقد استخدمنا الشباك والبالونات في إخراجها، كما شاركت في عملية انتشال اللنش الصومالي، والذي كان محملا بالبضائع، حيث كان اللنش قد رسا في الخور عند رصيف غير مخصص للرسو في الخور، الأمر الذي أدى إلى تسرب المياه إلى داخله، وبعد وصولنا اكتشفنا أنه لا يمكن لنا رفعه بسهولة، حيث بدأنا بإفراغ اللنش من حمولته، ومن ثم الحفر في القاع حتى نتمكن من وضع الأحزمة لرفعه، كما قمنا باستخدام البالونات لتعديل وضعيته، وتمكنا من رفعه إلى الأعلى وباستخدام المضخات تم سحب المياه من داخله.
ولعل أبرز الحوادث التي شارك فيها عبد الجبار كانت إنقاذ سفينة إيرانية من الغرق، حيث كان على متنها سبعة بحارة وأطنان من المواد الغذائية، وفي ذلك يقول عبد الجبار: حين تلقينا طلب الاستغاثة توجهنا نحو السفينة التي كانت تبعد نحو 20 ميلا بحريا من شواطئ دبي، حينها كانت الساعة تشير إلى الثامنة تقريبا، وبدأنا بإخراج البحارة من السفينة التي كانت تغرق شيئا فشيئا، وبعد ذلك بدأنا رغم عتمة الليل بسحب المياه التي كانت قد وصلت إلى محركات السفينة، وتبين لنا أن الثقوب في أسفل السفينة كبيرة جدا، الأمر الذي دعانا إلى طلب قوة من الدفاع المدني التي ساعدتنا في عملية إنقاذ السفينة وسحبها إلى ميناء الحمرية في دبي.
معلومة قديمة
ومن جانبه يخبرنا العريف صالح أحمد مصلح عن ابرز الحالات والقصص التي واجهها أثناء عمله في الإنقاذ البحري، حيث قال: قبل أيام وصلنا بلاغ يفيد بغرق سيارة في مياه البحر، وعلى الفور تحركنا نحو المكان، وكان الساعة تشير إلى العاشرة والنصف تقريبا، وعند وصولنا ظننا للوهلة الأولى أن مكان السيارة قريب، وبالفعل بدأنا البحث عن السيارة في الأعماق، وأخذ تيار بسيط يسحبنا باتجاه منطقة مظلمة، حينها شعرنا أننا بدأنا بالتوهان في المياه.
وحاولنا الخروج إلى السطح لنجد أنفسنا تحت الرصيف، وبقيت وزميلي نحو ساعة ونحن لا ندرك مكاننا، وبعد ذلك قررنا البقاء بالقرب من السطح حتى لا نفقد ما تبقى معنا من أكسجين، ولا أنكر انه في تلك اللحظة قد بدأ الخوف يتسلل إلينا وحتى نتخلص منه قمنا بتهدئة أنفسنا.
وفي هذه الأثناء تذكرت معلومة مهمة جدا كنت قد أخذتها من احد المدربين وهو العريف علي عبد الله رحمه الله، وهي السباحة باتجاه المناطق الأقل ظلمة، وبالفعل قمنا بإطفاء الأضواء الموجودة معنا وأغمضنا أعيننا لمدة دقيقة في حالة استرخاء وبعد ذلك قمنا بفتح أعيننا، وبدأنا بالنظر إلى المناطق الأقل ظلاما وإتباع بوادر الضوء والسباحة باتجاهها وبقينا كذلك حتى خرجنا من المنطقة.
اعتاد صالح عند أدائه لمهمته على عدم فقدان الأمل ولذلك يجتهد لإنقاذ الشخص الغريق حتى لو كان جثة هامدة، يقول صالح: لعملنا أوجه إنسانية عدة، ورغم اقتناعي بأن الحياة والموت بيد الله عز وجل إلا انه يبقى هناك أمل في الحياة ولذلك أجتهد كثيرا مع زملائي بإعادة الحياة للشخص الغريق إرضاء لله ولضمائرنا، ولا نتوقف عن تدليك القلب وإعطاء التنفس الاصطناعي للغريق حتى وصول طواقم الإسعاف.
ويروي لنا صالح حوادث أخرى شارك فيها، حيث قال: في إحدى المرات توجهت مع أصدقائي إلى البحر للسباحة، وكان أصدقائي قد سبقوني إليه وأثناء توجهي إليهم سمعت استغاثة احد الأشخاص، وبحكم عملي اندفعت إلى البحر لإنقاذه، وبعد وصولي إليه تبين لي انه أصيب بشد عضلي اثر على سباحته، وأثناء قيامي بإخراجه، فوجئت بشخص آخر يصارع الغرق، فعدت مرة أخرى إلى البحر لاكتشف فيما بعد أن هذا الشخص لحق بي إلى البحر عندما رأى اندفاعي لإنقاذ الشخص الأول كمحاولة منه لتقديم المساعدة، وأضاف المشكلة التي تواجهنا أحيانا كثيرة أن الجمهور يريد تقديم المساعدة لنا ولكن سرعان ما تتحول هذه المساعدة إلى حادث بسبب عدم معرفتهم لطرق السباحة، الأمر الذي قد يفقدنا أشخاصاً آخرين.
الإنقاذ البحري في دبي ينفذ 140 مهمة خلال النصف الأول من 2009
قال النقيب يحيى حسين محمد يحيى، رئيس قسم الإنقاذ البحري في شرطة دبي ل«البيان»: «إن عدد المهام البحرية التي نفذها قسم الإنقاذ البحري في شرطة دبي خلال النصف الأول من العام الجاري بلغت 140 مهمة، في حين بلغ عدد المهام خلال العام الماضي 157 مهمة»، وأشار إلى أن هذه الفترة شهدت انخفاضا في حوادث وإصابات الغرق مقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي، حيث بلغ عددها 31 حادثا، أما مجموع عدد الحوادث والإصابات في النصف الأول من العام الجاري فقد بلغ نحو 53 حادثا منها 13 حالة وفاة، وخمس إصابات بليغة وست إصابات متوسطة و29 إصابة بسيطة.
وأكد يحيى أن منطقة أم سقيم شهدت أعلى نسبة من الحوادث البحرية حيث وصل عددها إلى 12 حادثا بحريا، كما سجلت المنطقة ذاتها أعلى نسبة في حوادث الغرق، والتي وصل عددها إلى 13 حادثا.
ودعا يحيى الجمهور من مرتادي البحر إلى ضرورة توخي الحذر أثناء زيارتهم للبحر واحترام الأعلام المرفوعة خاصة الحمراء منها حتى في حالات هدوء البحر، وأكد على أن إدارته تجتهد كثيرا في تنبيه زوار البحر بشتى الوسائل لحمايتهم من المخاطر التي قد يتعرضون لها.
غسان خروب


