برع الإنسان قديماً في توحيد علاقة الأرض بمكوناتها الممتدة بين بحرها ويابستها، مستظلاً سماءها كجزءٍ في سلسلة قراءة الظواهر الطبيعية وتفسيرها، حتى تمكن من تصنيف الرياح والأمطار وتأثيرها المتباين على رحلته في مناكب الأرض ومختلف المهن التي زاولها، هنا الفصول وعلاماتها. الرياح والزرع والسفر.. مشاهد من المكان بعين وخبرات الإنسان.

البداية من اصفري وهو الخريف، ولعل تسميته جاءت من اصفرار أوراق الأشجار وتساقطها، ويبدأ بدخول أكتوبر حتى نهاية نوفمبر، ويمتاز اصفري كما يقول جمعة بن ثالث ـ الباحث في التراث وعضو جمعية الإمارات للغوص ـ باحتضانه أمطار الخير التي تستجيب لها الأرض وتزهر خيراتها، فبحسب بن ثالث بأنه إذا شهدت العشر والعشرين والثلاثين من اصفري هطول أمطار الوسمي فإن الأرض تحقق أكبر استفادة، أما إذا هطلت الأمطار في الصيف أي الربيع فإن الأرض لا تستفيد منها، وذلك لقوة أشعة الشمس حيث إن العشب سيظهر وييبس من شدة حرارة الشمس. وبحسب بن ثالث فإن يناير يشهد أكبر منسوب للأمطار في الدولة، والتي تبدأ بالهطول عادةً في أكتوبر، وتخضر على إثرها البراري، وتبدأ النباتات الطبيعية بالظهور، ويستفيد منها الرعاة والمزارعون، ومن شأن هذه الأمطار تقليل نسبة الملوحة في الأرض.

ويُعتبر اصفري فترة تحول بين القيظ والشتاء، حيث يشهد تغييرات عدة قبل دخول الشتاء واستقرار الجو نسبياً، وامتنع الأهالي قديماً من السفر بحراً في اصفري، وتحديداً في الفترة الممتدة بين 15 أكتوبر إلى 15 نوفمبر، ودرج القول بأن مال اليتيم يسافر بعد هذه الفترة، حيث يُعد ذلك الشهر فترةً حرجة لما يُخبئه من رياح وعواصف، ما دفع الأهالي إلى تجنب السفر الطويل بحراً، ومن أنواع تلك الرياح «الأحيمر» و«الأكيذب».

ويُشير بن ثالث إلى إمكانية هبوب تلك الرياح في أماكن مختلفة ليس بالضرورة أن يضرب الهواء سواحلنا، فقد تتأثر به مناطق محيطة مختلفة مثل سواحل إيران أو السعودية أو البحرين أو الكويت، المسافرون قديماً ممن يقصدون الهند أو إفريقيا يتجنبون الخروج في تلك الفترة، بينما لا يتأثر الخروج في رحلات الصيد القصيرة بهذه الرياح، ولتلك العواصف علامات يقرؤها الأهالي قديماً منها هدوء البحر، الذي تليه العواصف، وبصورة عامة فإن اصفري يتسم بالتغير والتقلب المستمر في الطقس عبر الأهوية والرياح والأمطار.

بن ثالث يعد خريطة لبوصلة الأهالي قديماً وعلاقتها بالظواهر الطبيعية

يعكف جمعة بن ثالث على إعداد خريطة تضم البوصلة التي تبعها الأهالي قديماً وعلاقتها بالظواهر الطبيعية، وتضم الخريطة البوصلة والاتجاهات الأربعة والأشهر والمنازل والفصول والدرور والأبراج ومفتاح للخريطة يوضح موزها وألوان حلقاتها الداخلية والخارجية.

تضم البوصلة أربعة جهات تُقابل الجهات المتعرف عليها إلى جانب درجات الزوايا التي تبلغ 360، وتبدأ بالياه والذي يُقابل الشمال الأصلي، والمغيب (الغرب) ومطلع (الشرق) وجهة طلوع الشمس، وقطب الذي يُقابل الجنوب، وبين الياه وقطب هناك مطالع ومغايب متعددة، تحدد اتجاه سير السفن قديماً.

فيقول أحدهم على سبيل المثال ان السفينة تسير باتجاه مغيب الفرقد أو مغيب النعش بزاوية محددة، أي ما يُقابل الشمال الغربي، ويقابل مغيب الفرقد أو مغيب النعش على البوصلة، مطلع الفرقد أو مطلع النعش، حيث يكون شمالاً شرقياً بزاوية محددة. أما مغيب العقرب فهو باتجاه الجنوب الغربي، وبالتالي فإن مطلع العقرب يكون باتجاه الجنوب الشرقي كذلك بزاوية محددة على البوصلة. ومن المطالع والمغايب المتعارف عليها، السلّبار وسهيل والحمارين وغيرها، بحيث يقابل كل مطلع مغيب يحمل نفس الاسم، وتنطبق المغايب والمطالع على محور رأسي هو الخط الواصل بين الياه وقطب.

ثمانين الشتاء

كان للشتاء قديماً وقع مختلف، استقبله الأهالي باستعدادات لظواهر طبيعية معينة، قرؤوا علاماتها تجنباً لأضرارها، يمتد الشتاء لثلاثة أشهر تبدأ بدخول ديسمبر وتنتهي بانتهاء فبراير، حيث انخفاض درجات الحرارة يصل إلى أقصاه، وفيها ذروة البرد كما يقول الأهالي والتي تصادف در أربعين المريعي.

وبحسب بن ثالث فإن الشتاء يشهد هبوب رياح شمالية غربية حيث أغلب الرياح التي تهب على المنطقة يكون مصدرها الغرب، وأكثر أنواع الرياح تأثيراً هي رياح ثمانين الشتاء، والتي تلحق الأضرار بالسفن وتغرقها، خاصةً إذا هبت عند الحمل، أي أقصى درجة في المد، وتصل حينها إلى البيوت، وفي بعض الأحيان يقول الأهالي إن ضربة الثمانين «كسيرة» فذلك يعني هبوبها عند انحسار المد وتكون أخف عنها عند أقصاه، وسُميت عند البعض بأم عبيد.

أما مع دخول فبراير فيتجه الهواء نحو النعشي، من أنواع الرياح الموسمية، تنشط في الفترة من 21 يناير إلى نهاية فبراير من كل عام، واتجاهها من الشمال الشرقي، وهي رياح يثور البحر على إثرها محدثاً أمواج عالية، وتهب عادةً في وقت المساء.

صيف الغرابي

صيف الأجداد هو ربيع الأبناء، ويمتد من مارس إلى يونيو وبعد انتهاء شهر مايو، تهب رياح «الغرابي» بأنواعها، وهي تهب من الغرب، وتكثر في شهري مايو ويونيو، حيث شهد هذا العام هبوب الغربي بكثافة.

ويشهد الصيف كثرة في الغيوم التي يُصاحبها البرق، والرعد ولكن دون تساقط أمطار، ويضيف بن ثالث: قال الأهالي قديماً بارج الشتاء بندر به، وبارج الصيف سيّر به أي أن برق الشتاء يستوجب إرساء السفن في مرسى أو بندر لما ينتج عنه من سقوط أمطار تُلحق الأذى بالبحارة والسفن، أما برق الصيف فلا يتسبب عادةً في سقوط أمطار غزيرة أو هبوب رياح قوية.

ويؤكد بن ثالث كان الغربي سبباً في متاعب العديد من الغواصين قديماً، وكان هبوبه قوياً يلحق الخسائر بالسفن الكبيرة التي تحمل على متنها عدداً كبيراً من الأفراد، وحيث يُضطر النوخذة إلى الوقوف في عرض البحر في وجه الرياح حتى انتهاء العاصفة، ويقال في اللهجة المحلية مجسّين، أي مستمرين في الوقوف بوجه العاصفة. أما السفن الصغيرة فكانت ترسو في أحد المراسي أو الجزر القريبة بانتظار توقف العاصفة، ويقال إنه من شدتها كانت تقطع الحبال وتتلف أدوات الصيد وشباكها.

قيظ الرايحه

القيظ هو الصيف المتعارف عليه بالحساب الحديث، وهو ما يقابل يوليو وأغسطس وسبتمبر، حيث حالة البحر «خواهر» أي هادئة ولا رياح تذكر، وتستمر الحال كذلك مع دخول شهر أكتوبر حتى انتصافه، وما أن يدخل نوفمبر وبعده ديسمبر ويناير تبدأ معها نشاط الرياح الشمالية والشمالية الغربية، ويقول الأهالي إنه كلما هبت الرياح من الشمال خلال القيظ يُتوقع أن ترتفع نسبة الأمطار في اصفري، ويعود ذلك في تفسيرهم أن سحب الأمطار تتجمع عبر هبوب رياح الشمال، وليس المطلعي.

وحول أهم الظواهر الطبيعية في القيظ يقول بن ثالث: نلاحظ في الوقت الراهن (شهور يونيو ويوليو وأغسطس) تجمع «الرايحه» وهي السحب الماطرة المتكونة خلال وقت قصير لا يتجاوز الساعتين، بحيث تمطر في أوقات كثيرة ولكنه لا يصل إلى الأرض بسبب تبخره في الجو نتيجة درجات الحرارة المرتفعة.

وتنتج هذه الظاهرة عن هبوب رياح الكوس (النشطة والمشبعة بالرطوبة)، والتي تنتج عن التقاء الرياح الجنوبية الجافة بالكوس الرطبة الذي يؤدي إلى تكثفها، بحيث تتكون على إثرها سحب كبيرة وتتساقط الأمطار.

وتتميز فترة ما بعد تلك الأمطار بالهدوء. وأكثر المناطق المتأثرة بتلك الظاهرة هي مواقع التقاء المناطق الرملية والجبال، مثل مناطق شوكة والروضة ووادي سيجي، وهو الشريط الذي تلتقي عنده الرياح.

وتميز هذه الظاهرة ذلك الشريط عن غيره من المناطق باعتباره منطقة التقاء التيارات الهوائية المكونة لهذه السحب خلال فترة الظهيرة. وقد قال الأهالي قديماً عن أحد أنواع تلك الرياح المسماة برياح النكبا وما تتسبب به من تساقط أمطار غزيرة «إذا هبت النكبا يومٍ بليلة .. خوفي على وادي المهيل يسيل». دلالة على شدتها، والنكبا هي رياح جنوبية شرقية نادرة هبوبها يؤدي إلى سقوط أمطار غزيرة تسيل لها الوديان.

الأبراج والرياح

قرأ الأهالي الأبراج وربطوها بظواهر طبيعية والفصول الواقعة فيها، ويقول بن ثالث هذه الفترة من أغسطس يسود برج الأسد ويسبقه السرطان الذي شهد دخول الحر، وتليه السنبلة «العذراء»، وتغنى بعض الشعراء قديماً في الأبراج كالجوزاء والعقرب، وجميع تلك العناصر من أبراج وشهور وفصول تُشكل حلقة متصلة تُعين على تفسير الظواهر الطبيعية التي تنعكس على الرياح والبحر والبر وربطها ببعض». وقد قيل في ربط برج الجوزاء بنوع معين من الرياح:

«كم ييتني بالخب وأذريك عن بارح الجوزا بلياك طول ليلي بتّ أعاشيك محد شراتي وبل وياك فيلا وبارح الجوزاء نوع من الرياح التي تهب من الشمال الشرقي، ولها علاقة مباشرة في فترة يسود فيها برج الجوزاء أي خلال مايو ويونيو.

وتم تصنيف الرياح حسب مواسمها ومواقع هبوبها، مثل رياح التلاي، التي تهب عادةً على الشاطئ، ورياح البري، ورياح المطلعي التي سُميت نسبة لهبوبها من مطلع الشمس، والكوس والنعشي، نسبةً إلى نجم النعش، والداعي وهي رياح مائلة، لا شمالية ولا غربية.

ورياح بريح التي تغنى بها الكثير من الشعراء. ومن ضمن قراءات الأهالي التي بُنيت على خبرة وممارسة تمثلت في التنقل بين البحر واليابسة، هو توقع حالة البحر ويوضح بن ثالث: «كأن يتوقع أحدهم موجاً عالياً، مستدلاً برطوبة الرمل في فناء المنزل، ويقولون في هذا الموقف «من ضبب .. خبّب»، أي عندما يسود الضباب على اليابس يتوقع أن تكون حالة البحر «خب» أي عالي الموج، وهنا تتضح علاقة مختلف عناصر الطبيعة ببعضها، وما استقيناه نحن من الأهالي يشكل نسبة بسيطة من معارفهم وخبراتهم.

غياب الثريا

ويشهد الصيف غياب نجم الثريا في السابع والعشرين من شهر إبريل، حيث يظهر بعد أربعين يوم أي ما يصادف الثاني من يونيو، ويقول بن ثالث فيلايطلع بعدها التابع والتويبع، ويُذكر أن غيوب نجم الثريا يُحدث اضطراباً في الجو، تكون عادةً عواصف ورياح، أو ظاهرة طبيعية أخرى، بناءً على حسابات الأهالي قديماًلالا.

وتضم السنة الميلادية الحديثة 365 يوماً، وفي حساب الأهالي السنة 360 يوما بينما الخمسة الباقية هي فيلامصاريجلالا، أي مسروقة من السنة، ويبقى 360 يوما يتم توزيعها على أربعة فصول وكل فصل يضم 3 أشهر وكل شهر 3 درور وبالتالي فإن كل در مدته 10 أيام، وخلال تقويمهم كانوا يؤرخون الحوادث والظواهر، فيُقال أن العاصفة هبت في خمسين الصيف، أو في عشر من اصفري، وهي طريقة الحساب المتعارف عليها قديماً والتي مازالوا يتبعونها حالياً. والدر في الوقت الحالي هو الستين من القيظ.

عواصف رملية

تشهد المنطقة خلال الفترة الراهنة هبوب رياح محملة بالغبار والأتربة، والذي جاء نتيجة لجفاف المناطق الشمالية من الخليج العربي، مثل جنوب العراق وهي صحراء شاسعة، وشمال الكويت ومناطق من السعودية لم تحظ بأمطار هذا العام، إلى جانب هبوب عواصف لجنوب العراق ساهمت في انتقال الغبار الجاف، بالإضافة إلى عدم هبوب رياح شمالية نشطة أو كوس تعمل على جلي الغبار وتنقية الأجواء، ما ساهم في تراكم الأتربة.

والأيام المقبلة ستشهد انقشاع الأتربة. ويُذكر بعض الفوائد البسيطة لهذه الأتربة، مثل تجديد خصوبة الأرض أو نقل بذور ونباتات إلى مواقع جديدة. والدليل ظهور أنواع جديدة من النباتات في الفترة الأخيرة.

كما يشهد الصيف غياب نجم الثريا في السابع والعشرين من شهر إبريل، حيث يظهر بعد أربعين يوم أي ما يصادف الثاني من يونيو، ويقول بن ثالث «يطلع بعدها التابع والتويبع، ويُذكر أن غيوب نجم الثريا يُحدث اضطراباً في الجو، تكون عادةً عواصف ورياح، أو ظاهرة طبيعية أخرى، بناءً على حسابات الأهالي قديماً».

أمل الفلاسي