يظل التساؤل عن إمكانية عمل الفتيات المواطنات في الصيدليات الخاصة بالساحل الشرقي قائماً طالما أن نسبة العاملين في الصيدليات من المواطنين قليلة جداً، ويرى البعض أن عمل المرأة في الصيدلية يبقى يتنافى مع النظرة الاجتماعية ورفض عمل المرأة الإماراتية في هذه الأماكن وتعاملها مع الجمهور في مكان عام كعرف جرى الاتفاق عليه ضمنا.

وعلى الرغم من تزايد أعداد الخريجات من 3 إلى 20 خريجة سنويا، إلى جانب تنامي فرص العمل للصيادلة وبالذات الصيدلانيات في المختبرات ومراكز الأبحاث بالإضافة إلى المستشفيات إلا أن نسبة الصيدليات المواطنات العاملات في وزارة الصحة لا تزيد على 10%، في حين تنعدم النسبة تقريبا في القطاع الخاص. حيث يبدو أن عمل المرأة في مهنة الصيدلة في هذا القطاع يواجه العديد من الصعوبات من أبرزها ضعف الرواتب وطول ساعات العمل وإجراءات أخرى روتينية عديدة.

وأكدت علياء سعيد الصاحي «خريجة صيدلة» وهي من أول دفعة تخرجت من كلية الصيدلية بجامعة الشارقة للعام 2009، والمواطنة الوحيدة من ضمن خريجيها أنها تؤيد عمل الفتيات الخريجات من كليات الصيدلية في الصيدليات العامة شريطة أن يتوفر لهن الجو الصحي المناسب، الذي يتيح لهن العمل وفق الشريعة الإسلامية، كتوافر الحراسات الأمنية اللازمة إضافة إلى تقنين العمل في أوقات محددة في أن تعمل فقط في الفترة الصباحية، وغيرها من الضوابط الضرورية الأخرى، إلا أن هذا الأمر غير وارد على اعتبار أن هذه الضوابط ستحد كثيراً من انخراطهن في سلك العمل، بإشارتها إلى أن معظم المؤسسات والشركات الخاصة لا تقبل وضع ضوابط معينة للمواطنات، لما سيترتب عليه من كلفة مادية تثقل كاهل المؤسسة نفسها، ما يحول دون تمكين الفتيات من العمل في الصيدليات.

لافتة إلى عدم وجود الشواغر المتاحة حاليا في المؤسسات التابعة لوزارة الصحة لإعدادهن التي أخذت في التزايد سنويا، وكذلك لأن مجال الصيدلة يعتبر من التخصصات الجديدة، الأمر الذي دفعها إلى أن تنصح زميلاتها من طالبات الصيدلية بأخذ المبادرة للعمل في الصيدليات الخاصة مباشرة بعد التخرج حتى يتسنى لهن الحصول على وظيفة جيدة في قطاع آخر مستقبلا، وتؤكد أنها في حال لم تحصل على وظيفة في القطاع الحكومي أو قطاع ذي علاقة كانت ستعمد على إنشاء صيدلية خاصة بها تقننها بآلية عمل تتناسب مع الطابع الاجتماعي العام.

الأمن الوظيفي

ورأت أختها أسماء سعيد الصاحي موظفة صيدلة حكومية أن الأمن الوظيفي لم يتم ضبطه بعد لخدمة طرفي العقد، بين الخريج ومالك الصيدلية الخاصة من حيث الرواتب والبدلات والضمانات الوظيفية الأخرى، مما يتسبب في هروب الخريج للعمل الحكومي لمستوى الدخل المادي المرتفع وما يتبعه من علاوات وترقيات، فيما يفتقر القطاع الخاص في أغلبه لهذه النقاط، إلى جانب أن الوضع الاجتماعي حتى الآن للعمل في صيدلية خاصة غير مشجع، فلابد من تكون هناك مبادرة وخصوصا في المجتمع المحلي في خوض مجال القطاع الخاص حتى يفتح بابا جديدا لكفاءات وكوادر مواطنة في تخصص الصيدلة ومواقع عمل مختلفة كالمصانع ومختبرات الأدوية والأبحاث.

وتؤكد أسماء في إطار خبرتها في هذا المجال منذ لا يقل عن 5 سنوات بمستشفى حكومي أنها تفكر في مشروع تجاري خاص يسمح لها دخول عالم الصيدلة من أوسع أبوابه. وتقترح في سبيل تطوير المهنة تهيئة خريجات الصيدلة كخطوة أولى للعمل في الصيدليات الخاصة وفق ضوابط معينة تتعلق في أوقات محددة للعمل وتكون كدوام كامل (الفترة الصباحية) وتوفير الناحية الأمنية والحوافز المادية وتحت إشراف مباشر من وزارة الصحة.

بالإضافة إلى إيجاد صيدلانية احتياطية تكون على أهبة الاستعداد في أي وقت في حالات غياب الصيدلانية الأساسية لظروف طبيعية أو غير طبيعية وذلك مثل النظام المعمول به في وزارة التربية والتعليم، ما يوفر فرصة للخريجات في ممارسة العمل وأخذ الخبرة، وذلك من خلال اقتطاع جزء من راتب الموظفة الأساسية.

بعد آخر

فيما شددت الطالبة ( ع، س، ر ) تدرس صيدلة في إحدى الجامعات الخاصة بالدولة على أن المرأة في المجتمع الإماراتي نالت حقوقها كاملة في جميع المجالات، ما يؤكد انه مجتمع يتسم بالمرونة في التعامل مع الأحداث والظروف التي تطرأ عليه، ويتقبل المتغيرات بسرعة في ضوء الضوابط والشروط التي تكفل شخصيتها كامرأة مع ضمان حقوقها وواجباتها، فما المانع من عملها في القطاع الخاص بدلا من انتظار قطار التوظيف الذي قد يصل بعد سنوات طويلة.

مشيرة في الوقت ذاته إلى وجود إقبال كبير على الالتحاق بتخصص الصيدلة وذلك على الرغم من صعوبة عمل النساء في القطاع الخاص، لافتة إلى تأييدها بأن تأخذ خريجات الصيدلة مواقعهن الطبيعية في سوق العمل بالصيدليات الخاصة ويخدمن مجتمعهن، ويشاركن في بناء لبناته على أسس من الإدراك وفهم ثقافة الآخر.

كما رأت في الإطار ذاته أن عمل المرأة في الصيدليات يحمل بعداً آخر، فالكثير من النساء اللائي يترددن على الصيدلية بهدف طلب الدواء يتحرجن في الوقوف أمام الصيدلاني الرجل، وطلب بعض حاجاتهن الصحية الخاصة، ما يؤكد أن دخول الصيدلانية المرأة ووقوفها جنباً إلى جنب مع الرجل سيمنح النساء مساحة أكبر من الحرية والتعامل في طلب ما تريد من دون تحرج أو خوف من أن تتعرض لبعض المضايقات.

ما يضع العمل في هذا الموضوع في أن تعمل المرأة في قطاع الصيدليات وجعله واقعا معاشا أمرا ملحا ينبغي على الجهات المعنية العمل به، دون أن تجد الخريجات هذا التخصص الجديد واقعا لا يبشر في الخير، في ظل حاجة الدولة إلى مثل هذه التخصصات العلمية.

معوقات العمل في الصيدلة

وأرجعت المواطنة بدرية محمد عمر (موظفة حكومية) عدم إقبال الخريجات على العمل في القطاع الخاص إلى أن خريجات هذا التخصص غير معترف بهن، إلى جانب عدم مراعاة المرأة سواء في الدوام الوظيفي أو الإجازات الرسمية، بالإضافة إلى الاعتبار الأهم وهو منع عمل المرأة في المكان العام بدعوى رفض المجتمع ذلك، كما أنها ترى جانبا آخر كذلك بأن القطاع الخاص لا يستقطب كوادر وطنية، لاعتقاد الغالبية أن المواطن تنقصه الخبرة في تخصصه ويتطلب في الوقت ذاته حوافز ومغريات مالية تكون أكبر بكثير من أرباحه.

مشيرة إلى أن كل ذلك يأتي في ضوء أن دخول المرأة في مجال الصيدلة يعد دون مستوى الطموحات مقارنة بمجال الطب وتخصصات أخرى جديدة، نظرا إلى حداثة هذه الكليات إذ لها قرابة سنوات فقط، وفيما لازالت الوظيفة - على حسب علمها - في الوقت الحالي تقتصر على مستشار أدوية أو مساعد أو فني صيدلاني. لكنها أردفت في حديثها بأن التحاق الخريجات في العمل بهذا المجال يشكل تحديدا جديدا في ظل وجود الكثير من فرص العمل المتاحة فيما لا يقل عن 30 صيدلية في الساحل الشرقي، الذي يشكل فيها عنصر الرجال نسبة 100% والجالية الأجنبية أكثر من 120% و العربية بنسبة 15 %.

نمو متسارع

وقال أ.د. عمر عاطف عميد كلية الصيدلة والعلوم الصحية بجامعة عجمان إن عدد الطلبة المتقدمين لتخصص الصيدلة بجامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا يتزايد من مواطني دولة الإمارات العربية المتحدة عام بعد عام، الأمر الذي يدل على التطور الكبير الذي تشهده مهنة الصيدلة بالدولة وكذا التطور المتسارع في المؤسسات الصحية بشكل عام والصيدلية منها على وجه الخصوص.

حيث يلاحظ ارتفاع أعداد الصيدليات في المستشفيات وكذا صيدليات المجتمع مترافقة مع الزيادة المطردة في أعداد المستشفيات العامة والخاصة، بالإضافة إلى افتتاح أعداد إضافية من معامل ومصانع الأدوية داخل المناطق الحرة أو خارجها في أغلب إمارات الدولة. ناهيك عن التطور الذي نشهده في أعداد مؤسسات التعليم العالي التي تقدم برامج دراسة العلوم الصيدلية وغيرها الكثير من مواقع الممارسة الصيدلية.

وأضاف عاطف أن كل هذا التطور فتح أبواباً جديدة أمام خريجي الصيدلة من مواطني الدولة ومقيميها، وعزز من دور الصيدلي في منظومة الرعاية الصحية الوطنية. وهذا ما نلمسه بأن متطلبات التنمية في الجانب الصحي لا زالت بحاجة ماسة لزيادة أعداد الصيادلة المؤهلين تأهيلاً علمياً عالياً مثل الذي تقدمه كلية الصيدلة والعلوم الصحية بجامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا.

وعليه وانطلاقاً من تعزيز دورها في خدمة خريجيها قامت جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا وفي مرحلة مبكرة بإنشاء وكالة خاصة بالتوظيف والتدريب والتعليم المستمر، تهتم بالتواصل مع جهات التوظيف المختلفة وربط ذلك بالتأهيل والإرشاد المهني وتوجيه الخريجين التوجيه الأسلم لمواجهة سوق العمل جنبا على جنب مع جمعية خريجي جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا. لافتا إلى أن في تخصص الصيدلة تجد أن جميع خريجيهم من مواطني الدولة لا يجدون صعوبة في التوظيف بعد التخرج في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية منها وكذا في القطاع الخاص ومؤسسات التعليم العالي، كما إن أغلب الخريجين من مقيمي الدولة من غير المواطنين يتم توظيفهم دون تأخير داخل أو خارج الدولة.

بالإضافة لذلك فإن مواقع التدريب الميداني لطلبة المراحل الأخيرة من تخصص الصيدلة تشكل فرصة للتعريف بالمستوى العلمي العالي لطلبة صيدلة جامعة عجمان بمقريها في عجمان والفجيرة وفرصة لاستقطاب الطلبة للتوظيف في هذه المرافق بعد تخرجهم، حيث تقوم بعض الشركات ومصانع الأدوية بطلب إجراء مقابلات شخصية للطلبة بغرض استقطابهم للتوظيف. ومؤخراً تواصلت الكلية مع هيئة الصحة بأبوظبي وبعض شركات التوظيف المتخصصة والمصانع بالدولة من أجل تأمين فرص تدريب وتوظيف لطلبة وخريجي كلية الصيدلة والعلوم الصحية بجامعة عجمان بشكل عام ولمواطني الدولة منهم على وجه الخصوص. وبشكل عام نرى أن سوق التوظيف في تخصص الصيدلة بالدولة لا يزال بحاجة ماسة لصيادلة مؤهلين وبالذات من أبناء وبنات الدولة وتزداد هذه الحاجة باطراد عام بعد عام.

الشرع لا يحرم عمل المرأة

يؤكد الشيخ حسن أبو العينين الواعظ في الهيئة العامة لشؤون الإسلامية والأوقاف في الفجيرة، أن الشرع لا يحرم عمل المرأة بل يشجعه طالما وجد فيه مصلحة ذات قيمة. كما أن عمل المرأة في الصيدليات أو غيرها لا ضرر فيه خصوصا إذا جاء به استقلالية ووضع وفق شروط وضوابط معينة تكفل عفة المرأة وتحفظها من كل سوء أو أذى، وإذا وجدت صيدليات للنساء فهذا أفضل بكثير، مضيفا أنه لم يرد دليل شرعي صريح من القرآن أو السنة يحرم شيئا بذاته فلا يمكن أن نحرمه.

كما أشار أبو العنيين إلى أن الأهم من كل ذلك هو التغير في طريقة تفكير الشباب في قبول مثل هذه الوظائف الخاصة، والتي تعتمد في تعلميها وتأهيلها ابتداءً من وزارة التربية والتعليم وكذلك البيت والأسرة.

وجود الصيدلانيات ضرورة ملحة

وصف المواطن مبارك خميس، موظف حكومي عمل المرأة بالصيدليات بأنه أصبح الآن ضرورة ملحة وبالغة الأهمية، لأهمية التواصل الحقيقي بين المريضة والمرأة مثلها تعمل في الأمور الصيدلية وذلك في بعض الأمور الخاصة.

هذا فضلا عن أن عمل المرأة في صيدليات القطاع الخاص سيفتح بابا لتوظيف الكوادر الوطنية في قطاعات لا يزال المجتمع في حاجة إليها. دون أن يعانوا من البطالة أو العمل في مجال آخر غير هذا التخصص. في إطار وجود زيادة ملحوظة في الإقبال على الدراسة في الصيدلة.

وأضاف أن المستشفيات الحكومية بالمنطقة فيها خريجتان أو ثلاث فقط، بجانب عدد لا بأس منه من جنسيات مختلفة، متسائلا ألا يفترض سد العجز من الكوادر الوطنية العاطلة عن العمل. وتمنى في نفس السياق أن تدعم الحكومة المواطن الصيدلاني بنسبة معينة من دفع الراتب إلى جانب الراتب المحدد من قبل إدارة الصيدلية وفق آلية شروط وضوابط عملية ومدروسة تعتمدها وزارة الصحة بهدف توطين هذه الوظيفة، حالها في ذلك حال المؤسسات والبنوك الخاصة.

23 مواطنة تخرجت في كلية الصيدلة فرع الفجيرة خلال 3 سنوات

أكد الدكتور عمر عاطف عميد كلية الصيدلة والعلوم الصحية في جامعة عجمان بما يجدر ذكره بأنه بلغ إجمالي عدد خريجات كلية الصيدلة فرع الفجيرة منذ العام 2005 لغاية 2008، 135 خريجة منها 23 مواطنة و112 وافدة، حيث ان تخصص الصيدلة فتح للذكور منذ عام واحد فقط، فلم يتخرج أي من طلاب الكلية حتى الآن.

ودعا عاطف إلى تشجيع الطلبة المواطنين على دراسة الصيدلة في جميع المستويات الجامعية أو العليا وفي التخصصات الصيدلية المختلفة، لأن تطور مهنة الصيدلة والممارسة الجيدة لهذه المهنة وتعزيز دور الصيدلي في نظام الرعاية الصحية بالدولة، وكذلك تثبيت نظام حديث للرعاية الصيدلية قادر على القيام بتقديم خدمات صحية وصيدلية على أرقى مستوى هو أمر - في اعتقاده - يقع بالدرجة الأولى على عاتق أبناء وبنات هذه الأرض الطيبة.

وبالتالي يرى أن ذلك لن يتأتى إلا من خلال إصدار تشريعات تضمن تواجد الصيدلي المواطن في التخطيط والإشراف والإدارة المباشرة للمؤسسات الصيدلية المختلفة في القطاعين العام والخاص.

موظفات يرفضن العمل في الصيدليات الخارجية

بينت حليمة راشد موظفة صيدلية في القطاع الحكومي بأنها شخصيا لا تحبذ فكرة العمل بالصيدليات الخارجية لأسباب خاصة بها تتعلق بالنسبة لها حول أهمية آلية العمل الواضحة بالقطاع الحكومي سواء من معرفة الواجبات والحقوق المتعلقة بالعمل فيه.

هذا إلى جانب الوضع الاجتماعي الذي لا يسمح بعمل المرأة خلف الكاشير كون وظيفتها تقتصر فقط على صرف الأدوية، إضافة إلى ساعات العمل الطويلة التي لا تتناسب مع طبيعة المرأة المواطنة، فضلا عن المسؤولية التامة في الصيدليات العامة التي يتحملها الصيدلاني في صرف دواء دون وصفة طبية كالمضادات الحيوية وغيرها. ولكنها لا تمانع بأن تعمل الخريجات في مجال الصيدليات الخاصة وخصوصا لغير المتزوجات بدلا من انتظار الوظيفة الحكومية التي قد تطول لسنوات.

لافته إلى صعوبة وضع مقترح محدد حول الموضوع وذلك لصعوبة تحديد مهام العمل بالصيدليات الخارجية والذي يخضع لإجراءات آلية العمل التي يحددها صاحب الصيدلية وليس الوزارة.

ناهد مبارك