لا اعتراض على مشيئة الله ولا راد لقضائه حين تقع الواقعة، وتحين المنية. فلا يملك المرء وقتها حيلة سوى الامتثال المطلق لإرادة الله سبحانه في ما أراد. إنه مدخل اعتيادي لمثل هذا الموضوع، ولمثل هذه الفواجع التي مني بها المجتمع، والتي تفاقمت مؤخرا بشكل صارخ. فخلال أسبوع واحد، وواحد فقط فجعت أكثر من عائلة إماراتية بخسارة جملة من أفرادها دفعة واحدة وفي طرفة عين.

ولكأن المصائب تأتي تباعا، فلا تمهل أحدا ليخرج من صدمته، حتى تلطمه بأخرى أشد، ولا تمهل المرء من تقديم واجب عزاء هنا، حتى يخرج من المكان نفسه متجها إلى آخر لتأدية الواجب نفسه. نعم انه القضاء والقدر، ولكن.. يبدو أن هناك عوامل غائبة أو مغيبة تعجل بهذا القضاء، حيث تحول بين نجاح حملات التوعية المرورية، وتفشل على ما يبدو نتائج العقوبات المشددة والرادعة المرجوة، لتستمر حلقات المآسي التي تفجع القارئ والمجتمع والأسر المباشرة لهذا المصاب. فلماذا.. لماذا كل هذا الهدر البشري على شوارع الإمارات؟ ولم يذهب خيرة شباب الوطن إلى غياهب الموت بالمجان؟ وهم في أوج إقبالهم على الحياة والعمل والعطاء؟

كم يملك الوطن الفتي من شباب سهر على تربيتهم وتعليمهم وتوجيههم، وعندما حان موعد التمكين خسرهم على التوالي، وغابوا عن الميدان على أرصفة الطرقات الملتهبة، يلتهم الإسفلت دماءهم وأحلام الوطن بهم.

إن هذا الهدر المستمر والمتزايد في الأرواح ليس خسارة مفجعة لأسرة بعينها أو لعائلة معينة وإنما هو خسارة أعظم لبلد يدرك أهمية إنسانه، بلد.. يكافح ليتشبث بأولاده وأهله، يحتضنهم ويداريهم ويدرأ عنهم المخاطر، يحافظ عليهم بكل ما أوتي من قوة وحكمة وموارد، يحصنهم عن كل ما يهدد وجودهم وكيانهم وهويتهم، يدافع عنهم ويحميهم كما يحمي الرمش العين، يفعل كل ذلك وأكثر لأنهم رأسماله، الذي يواجه به الحاضر ويفخر، والذي يدخره للمستقبل.

إنهم محاصيل الوطن اليانعة، المكتملة النمو، المزدهرة بالحماس، التي يتغرغر بها الوطن مليا بفرح الانجاز، ذلك الفرح الذي تتربص به مفاجآت الطريق، ورعونة الغفلة، وحديد المصانع المتلاحقة والمتكالبة على ضخ أكثر منتجاتها في الأسواق الاستهلاكية، والنتيجة غير المأمولة وغير المنتظرة أبدا.. تظهر بحصاد أرواح في عز عصر الإنتاج. ترى.. كيف يسمح باضمحلال محصول الوطن البشري هكذا؟ وإلى متى تستهلك الشوارع الأبدان الحية؟ ولم تظل القوانين الرادعة عاجزة عن التأثير المطلوب برغم شدتها؟ أم علينا أن نحيل كل حادث إلى الغيبيات من الأمور، وأن نقف موقف المصدوم المتفرج بلا حول ولا فعل، بينما يبقى الرضوخ لواقع الفواجع هو سيد المواقف كلها؟ هل تراه قصور روحاني؟ أم قصور توعوي؟ أم هما معا مسؤولان عن هذه العواقب ذات الخسائر الفادحة؟

وحين تعجز العبارة، ويحتار الكلام نقف بين يد الله، وجميعنا ندعوه سبحانه أن يبارك لنا في أعمارنا وأعمالنا ويحسن خواتيمنا، وأن يكف الله عنا بلاء الحوادث أيا كان مستواها، وحجمها وموقعها، وندعو شباب الوطن، وندعو كل من يقود مركبة، وكل من يستخدم الطريق، بأن يلتزم بقوانين السير، وأن يتحلى بروح المسؤولية البديهية التي تفرض عليه الحرص على سلامته وسلامة الآخرين، فالوطن والمجتمع ليسا على استعداد أبدا لأية خسارة بشرية أو مادية، فشباب الوطن وشاباته آباء وأمهات الأجيال، هم ثروة الحاضر والمستقبل الأولى، وهم أدوات الدفاع الأساسي عنه وعن مكتسباته، وهم ركائز المجتمع الناهض، فهلا ارعووا، وهلا انتبهوا، وهلا تيقظوا من غفلة الاستعجال أو الاستسهال أو لعله الاستهتار؟

وليبقى للختام بعد كل ذلك، أن نذكر.. والشباب خاصة بقوله تعالى ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) صدق الله العظيم.

ميسون أحمد ـ الإمارات