يتغلغل القنص بالصقور في عمق التاريخ ليشكل معلماً مهماً من معالم التراث الأصيل الذي ظل يحافظ عليه أبناء الإمارات جيلاً بعد جيل مستحضرين ذكرياته عبر الرحلات الجماعية خلال موسم القنص والتي تبدأ في شهر أكتوبر من كل عام ويستمر حتى نهاية يناير وأحيانا حتى شهر فبراير، وقبل بدء الموسم يقوم الصقار بتهيئة طيره للموسم حسب خبراته ليبدأ رحلة قد تستمر شهرا أو أكثر في القنص، وللاطلاع على مهنة القنص، قامت البيان بزيارة خاصة للصقار يوسف أحمد ثابت في بيته بمدينة المرفأ بالمنطقة الغربية لإلقاء الضوء على مهنة القنص بشكل عام وعن وصفه لإعداد وتدريب الطير والتي مارسها منذ طفولته.

يقول يوسف:الطير يكون في البداية متوحشاً ويطلق عليه محليا «الوحش» لأنه يحضر مباشرة من الغابة ولا يعرف صوت الإنسان، فيكون دور الصقار الماهر هو التعامل معه بلطف مداراته كما يداري أحد أبنائه، وفي البداية يلبسه البرقع ويحمله على يديه لفترة تستمر من3 إلى 5 أيام حتى يأمن الطير ويتعود على الأصوات الغريبة ثم يرفع عنه القطاب ويتم إلباسه البرقع وتعويده على أن يحمل على اليد حتى يعرف أنك صديق له.

وأشار ثابت إلى أن هذه الفترة مهمة جداً في تدريب الطير، وقال إن البعض يستعجلون في تدريب الطير ويفكون القطاب ويعلمونه على صيد الحمامة وبسرعة يقنصون عليه ومثل هذا الطير إذا تاه لا يعود لصاحبه لأنه لم يجد التدريب الكافي من صاحبه، إذن يجب أن تعلم الطير على صوتك وعلى اللمس والحمل على اليد ويألف اللباس الذي يراك به دائماً.

وتأتي الفترة الثانية باستخدام التلواح وهي عبارة عن مجموعة من ريش من جناح الحبارى مربوطة بخيط طوله متران موصول بها قطعة من اللحم وتحاول أن تطعم الطير من مسافة مترين ثم تزيد المسافة بينك وبينه حتى يأمن الطير وتتأكد أنه استوطن وألف، بعد ذلك يمكن أن ترفع عنه البرقع وأن تدعه «مري» من غير خيط ثم تعلمه على صيد الحبارى أو الطيور التي تشبه الحبارى فإذا صادها يعني أن الطير صائد.

الحر والشاهين

وقال إن أنواع الصقور كثيرة ولكن أفضلها نوعان هما الحر والشاهين، ولكل واحد منهما ميزة، وإن الحر أفضل الصقور لأن الحر يقاوم الأمراض أكثر من غيره وعنده لياقة في المسافات الطويلة بمعنى أنه يطارد الحبارى إلى مسافة بعيدة ويصيد في الجو وعلى الأرض ويمكن أن يصيد في اليوم أكثر من عشرة من الحبارى ويتحمل الجوع لمدة أيام كما يتحمل شدة البرد والحرارة الشديدة وريشه قوي لا ينكسر.

وقد تم تحديد سرعة الحر في الانقضاض على الفريسة بحوالي 260 كيلومتراً في الساعة أما في المطاردة فهي حوالي 80 كيلومتراً في الساعة، أما الشاهين فسريع في المسافات القصيرة ويلحق الحبارى بسرعة في الجو ولكن على الأرض يتعب في صيد الحبارى لأنه أقل مناعة وقوة من الحر كما أن الشاهين لا يتحمل الجوع وريشه ضعيف ينكسر بسرعة.

وقال إن مواصفات الطير الصائد بالذات الحر على حسب ما تعلمته ان يكون واسع الصدر، عريض المنكبين، قصير الساق، طويل الرقبة، جفن «قحف» العين يكون بارزاً، عيونه كبيرة بارزة، مناسم الخشم واسعة لأخذ المزيد من الهواء خلال الطيران، وأن تكون الصوائد الكواشح التي نسميها العرضية كبيرة.

ومن ألوان الحر اللون الأبيض، والأحمر، والأشقر، والأدهم، والأخضر، والأرقط، وهناك نوع يسمى السنياري وهو ذو اللون الأسود، وهو من جبال سنجار بالعراق. أما ألوان الشاهين فمنه الأبيض والأحمر والأسود وهي معظمها تعيش في باكستان، وإيران، وسيبيريا، وسوريا وبعض الدول في آسيا وهناك نوع من الطيور المهجنة مثل الجير ويربى في مزارع في أميركا وألمانيا ويحتاج إلى تدريب زيادة حتى يقنص.

تأهيل الطير للقنص

يقل الصقار يوسف إن فترة التأهيل والتدريب للطير تبدأ في شهر سبتمبر أو من منتصفه وتستمر حتى منتصف شهر أكتوبر ويكتسب الطير لياقة ويكون أليفاً أكثر وجاهزاً لموسم القنص والذي يبدأ في أكتوبر ويستمر حتى نهاية يناير وأحيانا حتى شهر فبراير من كل عام.

وقال إن مهنة القنص تعتبر من تراث آبائنا وأجدادنا وتوارثناها أباً عن جد وهي نعمة من نعم الله سبحانه وتعالى وتعلم الإنسان الصبر وتحمل القساوة والرجولة والبطولة وطول البال وأن ممارستها ضرورية لشباب هذا اليوم والجيل الجديد حتى يكتسب هذه الصفات الجميلة، وأضاف: «يمكن استغلال نادي الصقارين في الإمارات لتدريب الشباب والطلاب على مهنة القنص كتراث يجب المحافظة عليه».

وانتهز هذه الفرصة لأوجه رسالة للجهات المسؤولة عن الفعاليات الشبابية ان يكون هناك جانب من الاهتمام بمهنة القنص بالصقور وتدريب الشباب على هذه المهنة باعتبارها موروثاً يختص به أبناء الخليج وأن ممارسة هذه المهنة تعلم الشباب الكثير من الصفات الحميدة وبناء الشخصية.

كما اقترح إدراج هذه المهنة ضمن فعاليات الصيف بالمدارس، وقال: «استدعاني مرة مدير مدرسة بالمرفأ لكي أشرح للطلاب كيفية تدريب الطير على القنص وكانت فرصة كبيرة للطلاب للتعرف على الطير واستأنسوا كثيرا وطالبوني بتكرار الزيارة للمدرسة لرؤية الطير، وهذا دليل على أن كثيراً من الشباب يرغبون بتعلم القنص لأنهم يشعرون فيها متعة ومصدر إثارة لهم، وقال انه مستعد القيام بهذا الدور ولو على حسابه الخاص لكي يعلم الطلاب على القنص وانه تعلم هذه المهنة منذ طفولته خلال مرافقته للشيخ زايد عليه رحمة الله في رحلات القنص.

حيل الحبارى

وقال إن من طبائع الحبارى ذكاءها في الاختفاء عن الصقر بحيل كثيرة يصعب على الصقر أن يشوفها ويضيع في اتجاه آخر، فالصقر الصائد مثل الحر يستطيع اكتشافها والانقضاض عليها لقوته، ومن حيل الحبارى أيضا أنه عندما تحس الحبر بالخطر تتجمع أربعة أو ثلاثة من الحبر وتشكل خيمة بوضع رؤوسها وفرد أجنحتها على شكل خيمة وهمية لا يستطيع الطير تمييزها، فالطير المتمرس في صيد الحبارى يكشف الحيلة ولكن هناك صعوبة في الاقتحام لأنه معرض في هذه الحالة إلى قيام الحبر مشتركة بوضع الطير تحتها وتدوس عليه بأرجلها مما يعرضه إلى أذى شديد يشل حركته.

ويقول يوسف انه أمضى ستة عشر عاما منذ كان طفلا يافعا يمارس مهنة القنص مرافقا للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان عليه رحمة الله، وقال: «تعلمت منه الحكمة والصبر ومهارة القنص و«تخرجت» صقارا ماهرا من مدرسته طيب الله ثراه أداري الطير وأتعامل معه كأنه احد أبنائي»، وكانت الصقور التي نقنص بها لها أسماء مثل، فلاح، وذباب، وجراح، وغشام، وهذه الأسماء تطلق على الحر، أما الشاهين فيطلق عليه أسماء مثل: جلمود، وجراح، خطاف، ومساح، ويطلق الاسم حسب صفات الطير.

القنص بالصقور موروث يختص به أبناء الخليج

قال يوسف ثابت ان القنص بالصقور تراث يحلّق بالأبناء في سماء ماضي الآباء، وانه يتمنى أن يفتح المجال لطلاب المدارس لممارسة هذه الهواية العريقة، وأكد في الوقت ذاته انه يوجه رسالة للجهات المسؤولة عن الفعاليات الشبابية على ان يكون هناك جانب من الاهتمام بمهنة القنص بالصقور وتدريب الشباب على هذه المهنة باعتبارها موروثاً يختص به أبناء الخليج وأن ممارسة هذه المهنة تعلم الشباب الكثير من الصفات الحميدة وبناء الشخصية.

كما اقترح إدراج هذه المهنة ضمن فعاليات الصيف بالمدارس، وقال: استدعاني مرة مدير مدرسة لكي أشرح للطلاب كيفية تدريب الطير على القنص، وكانت فرصة كبيرة للطلاب للتعرف على الطير، وطالبوني بتكرار الزيارة للمدرسة ذاتها لرؤية الطير، وهذا دليل على أن كثيراً من الشباب يرغبون بتعلم القنص لأنهم يشعرون بأن فيها متعة ومصدر إثارة لهم، وأكد استعداده بالقيام بهذا الدور ولو على حسابه الخاص لكي يعلم الطلاب على موروثهم القديم، حيث تعتبر هواية القنص بالصقور من أهم وأقدم الهوايات عند أبناء الخليج.

عبدالله محمود