لطالما حدثني جدي عن الزمن الماضي قائلاً إن للأرض جبالا خضراء، وكانت المياه الصافية تجري بغزارة بين تلالها، وأن الحيوانات كانت تملأ الأرض وهي ترعى بين هضابها. كانت سماء الأرض في النهار زرقاء، وفي الليل كانت حالكة السواد، مما يمكن الناظر من رؤية الكون الفسيح المحيط بالأرض ومن خلفها حيث النجوم والكواكب والأقمار اللامعة والتي تخلب الألباب.
إلا أن هناك في الزمن القديم فئات لم يحترموا الأرض فتكبروا بجشعهم وسلبوا الأرض حياتها، ولم يكتفوا بما قدمته لهم هذه الأم الكريمة، فأخذوا ينهبون من جنباتها ومن أعماقها ومن سطحها ومن باطنها ولا يتهاونون، يدفعهم طمعهم وغرورهم واستهزاءهم، فحق للأرض أن تعاقبهم جراء ما فعلوا، فحجبت عنهم الشمس، وأحرقت جبالهم الخضراء، وسممت هواءهم، وأنزلت عليهم مطراً أسود، ومات الزرع والضرع فلم يجدوا ما يأكلون أو ما يتنفسون فأهلكتهم الأرض واحداً واحداً حتى بقي منهم ما بقي، ولعلهم ممن يعيشون في الكهوف، ومن يعتاشون على ما بقي من القليل من الزرع اليابس المتناثر هنا وهناك فوق الجبال وبين السهول والوديان، وعلى القليل مما بقي تحت الأرض من ماء شحيح.
ولكن وبالرغم مما قاله جدي عن أسلافه، إلا أن أمي تطالبني بألا أعيره اهتماما، لكون جدي أصبح عجوزاً هرماً وقد أصابه الخرف جراء الدخان الأسود، فالأرض حسب أمي لم تكن يوماً بما وصفها جدي، ولا يوجد هناك ما يسمى بالأقمار أو النجوم، ولم يبني الإنسان قط بيوتاً له أطول من الجبال. فقد أمضى جدي حياته وهو يستمع لما نقله له أجداده من روايات خيالية، فكما تقول أمي إن تلك محض حكايات أطفال تناقلها الأجداد، وإن ما يهذي به جدي ليس حقيقياً.
ولكن على الرغم مما تقوله أمي عن حكايات جدي إلا إنني غالباً ما يراودني التفكير والتساؤل هل حقاً الأرض كانت كما وصفها جدي؟
وإن كانت كذلك ما الذي حل بها لكي تصبح على ما هي عليه الآن، حتى اندفع الباحثون والعلماء إلى التحذير من المصير الذي ستؤول إليه الأرض في القريب؟ وهل حقا أجدادي السابقين هم من أساؤا للأرض لتؤول إلى هذه النهاية، فان هم فعلوا فلماذا فعلوا ما فعلوا بالأرض؟
عبدالله النيادي ـ العين