ما كنت لأهرب يوما من أقدار كتبت لي، إنما كان علي أن أصنع التفاصيل وأحبك الأحداث بنفسي، سواء كان ذلك بمحض إرادتي، أو دفعني إليه الآخرون.
دخلت.. وجدتها تعجن والقدر تعج بما فيها.. أعندنا ضيوف؟!.
قالت: لنبيع خبزنا ونأكل بثمنه ونشتري حاجاتنا.. (همست) أخبز يطعمنا ويسد حاجاتنا؟! قلت: وهل تجلسين خلف صينية الخبز تبيعينه يا أمي؟
- بل أنت..
قلت في نفسي أيمكنني أنا الصغيرة أن أفعل ذلك؟ ألن يستغلني بعضهم؟ ألن يسرق( يموع ) أو (حسون) من خبزي؟ لم أضع في الحسبان احتمالات أخرى، كأن تعيّرني البنات أو يسخر مني الصبية!
- لا يهم.. فحين تقل أو تنعدم ( الماجلة ) المؤونة في بيتنا أو تلح علينا الحاجة، لن يمد أحد لنا يد المساعدة، ولن يسألنا أحد عن حاجتنا.
أكثر الناس في مثل ظروفنا، ومن يمتلك لن يعرنا اهتماما، ومن مثلنا لن يمد يده لأحد؟
قالت صديقتي: أنت أشد صلابة من أن تؤثر فيك مثل تلك السخافات التي تملأ ذهنك.
تنهارين كقلعة رملية بناها طفل على الشاطئ، ثم دكها ليبني أخرى.
قلت: لكنها تسرق الفرح مني، كلما لقيتني.. تذكرني بأنه كان حبيبها من قبل، تسمعني كلاما يجرحني، تتحداني بابتساماتها الخبيثة حين تلقاني، إن عينيها تمتلآن غيرة، وتتقدان حقداً.
حين عدت بصينية الخبز في اليوم الأول فارغة، فرحت أمي؛ لكنها ما لبثت أن غضبت حين عدّت النقود، قرصتني في وركي بقوة، حين صرخت متألمة نهرها جدي المقعد قائلا بانفعال: لماذا لا تبيعين خبزك بنفسك؟ لكنها حين غافلته ( لطشتني بعسو*) قالت بنبرة متوعدة:( خلي حد يسرق خبزج باجر)! بت باكية خشية أن يأتي الغد.
الغد سيكون لي معه شأن آخر، لم أستجب لنداءات هاتفه المتكررة مرارا، طلبت من رئيسي أن ينقلني إلى فرع آخر للبنك الذي نعمل فيه، بعد أيام قلائل تلقيت اتصالات من زملائي في العمل مهنئين.
(فقد عقد قرانه علي ) وهو يوزع ( حلاوة زواجنا ) وصفوا لي الفرحة التي كانت تغمره، هنأتني هي مع المهنئين حين أقيم لنا حفل تكريم في البنك الذي نعمل فيه، لم تستطع إخفاء غيرتها، ولا نظرة التحدي التي طالما رمقتني بها، فما زالت لديها الفرصة ما دمت بعيدا في فرع آخر للبنك.
قطع علينا ( زوجي ) ما نحن فيه من انشغال بالتهام ما امتلأت به المائدة من أطعمة - اقترب مني، مرر أمام وجهي ورقة رسمية.. أعلن على الزملاء: «طلبت هديتي من مديري.. لم يردني.. نقلني.. إلى نفس الفرع الذي تعمل فيه (حبيبتي).
- كانت سلة ( خبز محمص) في متناول يدي، وضعت كسرات منها على التوالي في فمي متلذذة، أعرف أنها تراقبني، فابتسمت، ما زالت تختلس إلي النظر، استعرت منها نظرات كانت تتحداني بها يوما وكادت تقتلني، لكن لم يعد لعينيها اليوم بريق، لم تحتمل المكوث معنا.
وأنا لن أحتمل أن يسرق أحدهم الفرح مني.. كما سرق خبز أمي.
عسو: عذق النخل بعد خلوه من الرطب وتجفيفه يستخدم كمكنسة للتنظيف
سليمى ـ دبي
