قال المفكر السوري صادق جلال العظم إن ثمة خوفا في أوساط المثقفين العرب الآن مما يبدو انحلالا أو تحللا باتجاه الولاءات ذات الطابع العشائري والمذهبي والإثني في العالم العربي، مشيرا إلى وجود نقاشات في عدد من الصالونات الفكرية حول مواضيع مثل المجتمع المدني والعلمانية والقومية، ومدى تماسك ما كان يسمى الدولة القطرية وتمكنها من مواجهة هذا الانحدار نحو الطائفية والمذهبية، جاء ذلك في الندوة التي عُقدت مؤخرا في دمشق حول كتاب «الدولة القومية خلافا لإرادتها» للكاتب الألماني كارستن فيلاند.
وأشار العظم إلى أن بعض الدول الإسلامية والعربية تشهد ارتدادا إلى مستويات تحت القومي وتحت المدني، أو ما يسميه فيلاند «العودة إلى ولاءات أولية أو بدئية» و«العمل على تحويل ما يمكن اعتباره فوارق طبيعية بين الأفراد والمجموعات والطبقات إلى مركز لهوية ضيقة، وإلحاق ذلك بسياسات الهوية الضيقة هذه، مع إفقار كامل لهوية الإنسان أو المواطن».
وأكد أن هذه الفوارق تقوم بذاتها وبعد ذلك تتحول بعد التركيز العالي على الوعي فيها إلى فوارق لذاتها، وهو ما يؤدي لاحقا إلى الحروب الأهلية والصدامات.
وأضاف: «على سبيل المثال ينحدر مصطلح السلم الاجتماعي إلى فكرة التعايش بين طوائف ومذاهب، أيضا المساواة بين المواطنين ذات الطابع الاجتماعي والسياسي تنحدر إلى المحاصصة التي تحل محل الفكرة الديمقراطية التي تقوم على أساس فكرة المواطنة، وحتى الديمقراطية تنحدر إلى فكرة التوافقية، أي هناك عشائر وطوائف ومذاهب تتوافق بين بعضها، وهذه قد تمنع من نشوء الديكتاتورية، لكنها لن تصنع ديمقراطية مواطنين.
وقال العظم: «قد يصل المرء في لحظات الضعف إلى استنتاج أننا نحن العرب في جيناتنا البيولوجية، غير قادرين على أن نرتفع فوق الولاءات ذات الطابع العضوي الأولي أو البدئي».
وأشار إلى وجود بعض التفسيرات لهذه الولاءات أو «الصيرورة الانحدارية التي نشخصها» في العالم العربي، أولها هو التهميش السياسي والاجتماعي والثقافي لفئات في المجتمع (طوائف أو مجموعات أثنية) من قبل فئات أخرى مسيطرة، و«هذا التهميش له عواقب خاصة على المدى الطويل، وقد يؤدي إلى اللجوء للعنف ومطالب بالتقسيم، وانطواء على الذات وعدم الإحساس بالمشاركة».
ولفت العظم إلى وجود تفسير ثالث يتمثل بـ «انفلات العولمة من عقالها»، والذي أدى إلى هجوم دول المركز على دول الأطراف، مما أدى بدوره إلى نوع من ردود الفعل الدفاعية ذات الطابع المحافظ من أجل الحفاظ على النفس والذات، وشيء من الهوية المحلية، وبالتالي أصبح هناك نوع من الالتفاف حول فوارق بسيطة، والتي كانت فوارق طبيعية تم تسييسها فتحولت لمركز للصراع أو الهوية، وأفرزت بدورها هويات جديدة ذات طابع أثني ضيق.
وأشار العظم إلى أن الدول الغربية أو المقررة تبنت النموذج الاثني لأنه الأسهل في التعامل مع بقية العالم، مشيرا إلى التلاعب بالفوارق والإثنيات في عدد من الدول (العراق ويوغسلافيا السابقة وبعض الدول الإفريقية).
وحول دور حركات التحرر العربي في الانحدار الحالي نحو الو لاءات الإثنية والطائفية، أكد العظم أن مفهوم العروبة الذي تبنته هذه الحركات نسي كليا مدى التنوع الطبيعي والطائفي والإثني في العالم العربي، لكنه أشار إلى أن الوعي الذي تشكل مع حرب السويس حول الأقليات والطوائف الموجودة في العالم العربي، وقيام حكومات وأنظمة في العالم العربي تعتمد على مذهب أو طائفة أو علاقات عشائرية، لا يمكن أن تتحمل مسؤوليته حركات التحرر العربي.
دمشق ـ حسن سلمان
