سبعة عشرة شابا اجتمعوا في مكان واحد لتحقيق طموح الإمارات بالوصول إلى صف الدول المتقدمة تقنيا، وبقدر صعوبة الهدف إلا أنهم تمكنوا من تحقيقه بعد صبر طويل دام سنوات، وبفضلهم شهدنا جميعا قبل أيام قليلة لحظة فارقة في تاريخ الإمارات، حيث تم إطلاق قمر «دبي سات 1» بنجاح، ولولاهم لم نكن لنشهد مثل هذه اللحظة التي اشتدت فيها الأعصاب لتمتزج فيها الفرحة مع الخوف.

«البيان» التقت فريقا من الشباب المواطنين الذين فضلوا أن يكونوا من الأوائل في هذا المجال، حيث تحدثوا لنا عن تجاربهم الشخصية وعبروا لنا عن حقيقة الشعور الذي انتابهم لحظة بدء العد التنازلي للإطلاق، إلى جانب تجربتهم في كوريا الجنوبية التي احتضنتهم طوال فترة العمل على بناء القمر. البداية كانت مع المهندس سالم حميد المري، مدير مشروع «برنامج الفضاء» والذي حدثنا عن تجربته الشخصية في هذا المجال، حيث قال: فيلاقبل أربع سنوات تقريبا بدأنا بالتفكير في مشروع القمر الصناعي، وكنت أحد الشبان الثلاثة الذين انتدبوا للسفر إلى كوريا الجنوبية لبدء العمل فيه، حيث انضممنا إلى ورشة تدريبية تعلمنا فيها كيفية العمل في الأقمار الصناعية بشكل عام، ومن ثم بدأنا بالتخصص، حيث انضم كل واحد منا إلى مجموعة متخصصة من المهندسين الكوريين، وهو ما انعكس علينا فيما بعد حيث خرجنا بخبرات عالية، وللحقيقة لم نكن نتوقع في عام 2006 أن يحقق مشروع «دبي سات 1» هذا النجاح، وان يثير اهتمام الجميع».

أما المهندس عمران أنور شرف، رئيس فريق - أجهزة القمر، فقال عن تجربته: بدأنا المشروع عام 2006 في كوريا الجنوبية، وعن نفسي فقد انضممت إلى المجموعة في شهر يوليو 2006، حيث بدأنا جميعا بورشة تدريبية عامة. وبعد ذلك انضممت لفريق كوري متخصص في الالكترونيات، وكنت أتابع عمله خطوة بخطوة، وقد استفدت وزملائي كثيرا من عملية نقل المعرفة من المهندسين الكوريين، وهذا كان تمهيدا لدخولنا إلى مراحل أصعب في بناء أجزاء القمر الصناعي وغيرها.

ومن جهة أخرى قال المهندس عامر محمد الصايغ، رئيس فريق -البرمجيات: «الصعوبة في هذا المشروع لم تكن في التعلم إنما في اكتساب الخبرة وإعداد النفس تمهيدا للاستقلال عن الكوريين، حتى لا نتحول إلى مجرد متابعين للمشروع فقط، وبالنسبة لي فقد شعرت خلال هذه الفترة القصيرة بأنني اكتسبت خبرة واسعة اختصرت أمامي سنوات طويلة من العمل، ولذلك أعتبر قرار العمل في هذه المؤسسة جيدا، خاصة وأنني كنت أبحث عن مثل هذه المشاريع في الإمارات ودخولي في هذا المشروع تحديدا زاد من حماستي للعمل خاصة وانه أول مشروع للدولة لدخول الفضاء». وعلق المهندس عدنان محمد الريس، رئيس فريق - مركز المحطة الأرضية بالقول: «لقد كان عملي مركزا في المحطة الأرضية بدبي، وأعتقد أن هذا المشروع سيفتح أمام المواطنين مجالات عمل واسعة لم تكن موجودة في الدولة، لأن البرنامج الفضائي مفتوح وواسع، وبتقديري إن نجاح تجربة إطلاق قمر «دبي سات 1»، سيشجع الشباب على الانضمام إلى فريقنا، وأتمنى أن يستقطب قمر «دبي سات 2» العديد من الشباب المواطنين للعمل معنا».

بين دبي وكوريا

لم يقتصر العمل في مشروع قمر «دبي سات 1» على دبي فقط، إنما كان على فريق العمل، السفر إلى كوريا الجنوبية وروسيا والمكوث فيها لفترات طويلة، وهو ما شكل واحدة من التحديات التي واجهتهم، وحول ابرز هذه التحديات قال سالم: «لقد واجهنا في البداية صعوبات كثيرة، أبرزها تمثلت في اللغة والتي شكلت أمامنا حاجزا فلم نستطع التفاهم مع الكوريين، في حين أن هذه المشكلة لم تواجهنا مع المهندسين الكوريين لمعرفتهم باللغة الانجليزية.

ولكن استطعنا اجتياز هذه المرحلة بمساعدة الشركة الكورية التي وفرت لنا سيارة، وعرفتنا بأماكن المطاعم إلى جانب أنها وفرت لنا معلمة لتدريسنا اللغة الكورية وحاليا أصبح بعضنا يتحدث الكورية بطلاقة، ومع مرور الوقت أصبحنا قادرين على التأقلم مع الحياة الكورية، أما بالنسبة للروس فقد كان التفاهم معهم يتم من خلال مترجمين».

ومن جانبه قال عمران شرف: لم نواجه أية صعوبات داخل الشركة أو أثناء التدريب، إنما تركزت الصعوبة في عملية التأقلم مع الحياة الكورية والتفاهم مع الكوريين أنفسهم، ولكن أصبح هذا الأمر سهلا بعد تعلمنا للغة الكورية، وللحقيقة فقد وجدنا الشعب الكوري يختلف كليا عن الغرب، ففيه من الطيبة الكثير، وعادة يرحب بزواره ويهتم جدا بسمعة بلاده، وهذا ساعدنا في التأقلم معهم».

أما عامر الصايغ فقد تناول هذا الموضوع من زاوية أخرى، حيث قال: «رغم أننا عشنا في ثقافة غريبة نوعا ما علينا، إلا أننا تمكنا من التأقلم معها لأننا ندرك تماما أن أمامنا هدف ويجب علينا تحقيقه، خاصة وأن الدولة وفرت لنا الفرصة للاقتراب من الكوريين والتعاون معهم في مجال الأبحاث الفضائية، كما وفرت لنا العديد من الدورات التدريبية في مجالات الإدارة وتنظيم الوقت وتطوير الذات وغيرها، وهذه جميعها أدت إلى تنظيم حياتنا والبيئة التي نعيش فيها، كما أن السفر إلى كوريا أعطانا الفرصة لمعرفة اتجاهات العالم في مجالات الفضاء والتقنيات وليس فقط متابعتها عن بعد.

وأشار عدنان الريس إلى أن عمله في «اياست» قد اثر في شخصيته كثيرا، فمن جهة وفرت له فرصة العمل مع فريق متفاهم أضاف له العديد من الخبرات الجديدة، فضلا عن انه فتح أمامه المجال للتواصل مع ثقافات جديدة سواء الكورية أو غيرها، وأكد على أن مشروع دبي سات 1 فتح المجال أمام مجموعة الشباب المهندسين للتعامل مع مؤسسات دولية مهمة ما زاد من خبراتهم ورفع من مستوى مشاركة الإمارات في الأبحاث الفضائية.

عند الإطلاق

قد تكون لحظة إطلاق الصاروخ من أصعب اللحظات التي عاشها هؤلاء الشباب، حيث توقفت عليها جهد وعمل استمر لسنوات، فقد بدوا أكثر تأثرا خلالها حيث امتزجت فرحتهم بالخوف من ضياع جهودهم نتيجة لعطل مفاجئ في القمر، وحول شعوره في هذه اللحظة قال سالم: «في اليوم المحدد لإطلاق الصاروخ انقسم فريقنا إلى قسمين، جزء تواجد في المحطة الأرضية بدبي، والجزء الآخر كان في محطة «بايكونور كوزمودروم» في كازاخستان، وبالنسبة لي كنت ضمن الفريق الثاني في كازاخستان، وفي البداية ظننت مع بدء العد التنازلي للإطلاق أن الصاروخ سينطلق بشكل مستقيم.

ولكن بعد لحظات رأيته يجنح نحو الجهة الشمالية، الأمر الذي أثار الخوف في داخلي، ولكن ما لبث أن طمأنني الفريق الروسي بأن هذا الأمر طبيعي، ومع ذلك بقيت خائفا لأنني كنت أفكر بأول اتصال مع القمر بعد بلوغه لمداره وذلك للتأكد من عمله، لان القمر قد يتأثر في لحظة الإطلاق نتيجة للاهتزازات التي تصاحب هذه العملية، وبعد نجاح الاتصال الأول بدأت بالتفكير في أول صورة يلتقطها القمر، لقد كانت لحظات جميلة شدت فيها أعصابنا».

ومن جانبه قال عمران شرف: «في ذلك اليوم كنت ضمن الفريق المسؤول عن الاتصال بالقمر في المحطة الأرضية بدبي، واذكر أن ذلك اليوم كان مليئا بالتعب والحماس والخوف، فقد كنا نقوم بفحص المعدات وأجهزة الاتصال باستمرار للتأكد من عملها، وبقينا كذلك حتى آخر لحظة، ولا أنكر أنني شعرت بخوف في لحظة الإطلاق، ولذلك كنت على اتصال دائم مع زملائي في كازاخستان للتأكد من نجاح مراحل الانفصال الثلاثة، وبالتأكيد لن أنسى لحظة الفرحة التي عمت أرجاء المحطة بعد إتمام عمليات الانفصال، وبدأنا العمل على أول اتصال مع القمر ومع نجاحها شعرت بالفرحة تغمر الجميع، وأن عملنا اكتمل دون أخطاء».

وعبر عامر الصايغ عن شعوره في هذه اللحظة بالقول: «كنت أشعر طوال الوقت براحة، فقبل إطلاق الصاروخ بنحو شهر كنت متواجدا في كازاخستان وبقيت فيها، وخلال هذه الفترة كنا نقوم بفحوصات دورية للمركبة الفضائية والصاروخ للتأكد من خلوها من أية أعطال، وقد استفدت كثيرا من وجودي في كوريا أثناء بناء القمر، فقد كنا نعمل بشكل مكثف على إصلاح أية أعطال أو أخطاء في القمر، وهذا بالتأكيد أشعرني براحة كبيرة». ومن جهته قال عدنان الريس: نجاح عملية الإطلاق أصابتنا جميعا بالفرحة، ولكنها بقيت ناقصة بانتظار أول اتصال مع القمر، وبعد نجاحه غمرتنا الفرحة جميعا وأزالت ما في نفوسنا من خوف، خاصة وأن أي خطأ في هذه المرحلة قد يضيع جهودنا خلال السنوات الماضية.

سارة الأميري أول مواطنة في الفضاء

المهندسة سارة يوسف أميري، مهندس باحث مشارك - برمجيات، كانت أول مواطنة تلج عالم الفضاء، فقد رافقت سارة فريق الشباب الذي عمل على إطلاق قمر دبي سات 1، ما جعلها مميزة بين بنات جيلها، وحول تجربتها الشخصية قالت سارة: «رغم أن هذا المشروع ما زال جديدا في الدولة، إلا أنني لم أواجه صعوبة في العمل مع زملائي الشباب الذين عملوا معي بروح الفريق، واجتهدوا كثيرا لنقل خبراتهم ومعرفتهم إلي، وبلا شك أنني استفدت كثيرا من عملي في هذا المشروع فقد زاد من خبرتي في العمل أضعاف ما كنت سأحصل عليه في أمكنة أخرى، إلى جانب انه أعطاني الفرصة لأساهم بوضع الإمارات في مكانة متقدمة بالعالم». ودعت سارة الفتيات المواطنات الى دخول هذه التجربة الفريدة لما فيها من خبرة واسعة ومجالات تطور سريعة وكبيرة.

الإمارات تبدأ تصنيع الأقمار الصناعية في 2013

أكد المهندس سالم حميد المري، مدير مشروع برنامج الفضاء لـ «البيان» أن قمر دبي سات 2 والذي من المقرر أن يتم إطلاقه إلى الفضاء في 2012 ما زال في مرحلة التصميم، وعبر عن آماله بأن يتمكن فريق دبي سات من تصنيع الأقمار الصناعية داخل الإمارات مع حلول العام 2013، مؤكدا أن ذلك سيفتح المجال أمام المواطنين لدخول مجالات هندسية جديدة بالكامل على الدولة، وسيعمل على حل معضلة توظيف الشباب المواطن عبر توفير كافة الخبرات التي يحتاجها الشباب للعمل في بناء الأقمار الصناعية، داعيا الشباب إلى المبادرة لدخول هذا المجال لما سيمنحهم من خبرات واسعة، وقال: «نريد توظيف شباب همهم رفع الدولة وتطوير أنفسهم وان يشاركوا في التطور العلمي والتقني في الدولة، وأدعو الشباب لاغتنام هذه الفرصة لما فيها من تطوير لهم ولخبراتهم»، ويذكر أن فريق عمل دبي سات الحالي يتكون من 16 شابا وفتاة واحدة.

غسان خروب والبيان