تعتبر المنطقة الشرقية وخصوصاً منطقة مسافي من أهم المراكز الحضارية القديمة التي تحظى باهتمام كبير من قبل العلماء والمتخصصين في علوم الآثار والحضارة الإنسانية «الأنثروبولوجيا»، حيث حظيت القطع الأثرية ذات النقوش الثعبانية المستخرجة من منطقة مسافي بإعجاب ودهشة علماء ومتخصصي الآثار لما تحمله هذه النقوش والآثار من دلالات دينية تؤكد وجود مستوطنات بشرية عاشت على أرض المنطقة في عصور سابقة.

وقد كشفت أبحاث البعثة الفرنسية القائمة بأعمال التنقيب في المنطقة الشرقية بالتعاون مع هيئة الفجيرة للآثار والسياحة عن وجود مجموعة من القطع الأثرية النادرة في إحدى المواقع الأثرية في منطقة مسافي والتي يعود عمرها إلى العصر الحديدي أي في الفترة من 1300 وحتى 300 قبل الميلاد.

وشارك وفد هيئة الفجيرة للآثار والسياحة مؤخرا بورقة عمل في مؤتمر لندن الذي انعقد لمناقشة آخر نتائج التنقيب الأثري في العالم.

ويذكر صلاح علي حسن مسؤول قسم الآثار في الهيئة أن أعمال تنقيب البعثة الفرنسية بدأت في منطقة مسافي منذ عام 2006 وذلك بعد عثورهم على قطع الأثرية متناثرة على السطح بالقرب من بيت الشيوخ وبعض المساكن الشعبية في المنطقة والمزارع القريبة والتي دلت على وجود موقع أثري قريب.

ويشير مسؤول الآثار إلى أن التنقيب الفعلي في تلك المواقع الأثرية بدأ في 2007/2008 وذلك بعمليات الحفر التي كشفت عن وجود مبنى أثري ضخم مكون من طابقين، العلوي مصنوع من الحجارة والأعمدة الخشبية المثبتة بقواعد صخرية كبيرة والأرضي مصنوع من الطوب الطيني المحروق، حيث دل التباين العمراني الذي كشف عنه علماء الآثار عن تطور أساليب وطرق البناء في تلك الحقبة من الزمن، هذا إلى جانب أن تقسيمات المبنى ومحتوياته الأثرية أوضحت بعض ملامح الحياة الثقافية والدينية التي مارسها سكان تلك الحقبة.

وما زالت الأبحاث الأثرية متواصلة للكشف عن مدى صحة شكوك المنقبين حول المبنى الأثري المكتشف في أن يكون مركزا إداريا ضخما يضم معبد ومركز ثقافي يكشف عن مدى متانة العلاقة السائدة في ذلك الوقت بين السلطة الإدارية والدينية لجماعات البشر المستوطنة.

كنوز وآثار

رائحة الأصالة وعبقها أول ما تشعر به أثناء زيارتك لمنطقة مسافي، التي تقع بين سلسلة جبال تمتد من المنطقة الشرقية في رأس الخيمة الى الذيد التي واذا تجولت في سوقها الصغير سوف تجد الفخاريات والمقتنيات الأثرية القديمة، تحكي كل منها رواية مختلفة عن التاريخ.

وتجد على مرمى ناظريك القرية الصغيرة تحتضنها الجبال حيث البيوت الحجرية القديمة التي تم تجديدها وأخرى حديثة تحمل طابع القدم من حيث الشكل والتصميم، ثم يلفت ناظريك مياه عين مسافي الشهيرة من قلب الجبل لتجري في «فلج» مسافي الشهير وهو عبارة عن مجرى مائي صنعته المياه بنفسها دون أن تدخل من الإنسان الذي سكن هذه المنطقة منذ آلاف السنين، ويبلغ طوله حوالي كيلو ونصف متر مربع ومنه تسقي المزارع التي تقع على جانبيه.

ومنذ القدم كان أهالي مسافي القدامى يعتمدون في حياتهم الاقتصادية، على التبادل التجاري التقليدي بينهم وبين المدن الأخرى على الساحل الشرقي مثل الشارقة ودبي وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة، حيث كانوا يحملون ثمار المانجو والليمون والبرتقال والعسل والسمن البلدي من انتاج مزارع الأبقار التي يمتلكها البعض، ويتم استبدال هذه المنتجات في قلب المدن بالسكر والقهوة والثياب والبهارات وغيرها من المتطلبات التي لم تكن متوافرة في القرية.

رسوم ثعبانية

وأغلب القطع الأثرية التي تم استخراجها من تلك المواقع كانت تعود للعصر الحديدي، وهي عبارة عن مجموعة من جرار فخارية ذات فوهات طويلة، وسلطانيات فخارية بعضها مزين بزخارف ورسوم مختلفة، تميزت من بينها القطع ذات الرسوم الثعبانية لما تحمله رسوم الأفاعي من دلالات دينية لحضارات سابقة. فضلا عن استخراج عدد من المكتشفات البرونزية التي قدر عددها بـ 34 قطعة تنوعت ما بين رؤوس السهام والحراب وغيرها الكثير، حمل بعضها نقوش جميلة.

وتطابقت مجموعة من هذه المكتشفات الأثرية في أشكالها وملامحها المعمارية مع عدد من آثار المواقع الموجودة في منطقة «رميلة وبنت سعود» في العين، ومنطقة «مويلح» في الشارقة، ومنطقة «القصيص » في إمارة دبي.

كشف الطبيعة

وعبر سعيد عبد الله السماحي مدير هيئة الفجيرة للآثار والسياحة أن جهود المرحلة المقبلة من التنقيب والمسوحات الأثرية في منطقة مسافي ستكون موجهة بالدرجة الأولى لمحاولة الكشف عن طبيعة الحياة الاجتماعية والدينية والثقافية لسلالة البشرية التي استوطنت منطقة مسافي في ذلك الوقت.

وقد يبدأ ذلك في شهر نوفمبر المقبل بعد عودة أفراد البعثة الفرنسية. فمثل هذه الآثار سبق أن عثر عليها في منطقة البثنة من قبل بضع سنوات وتمت دراستها دراسة مستفيضة، فإن نتائج البحوث في مسافي إلى جانب النتائج المستخلصة من منطقة البثنة تعتبر إضافة كبيرة تمدنا بمعلومات غزيرة عن أهمية هذه المنطقة التي يرجح الباحثون إنها كانت تمثل مركزا كبيرا ثقافيا وإقتصاديا هاما إلى جانب إنها تلعب دورا مهما في عملية التبادل التجاري ما بين الساحل والداخل وما بين الغرب والشرق كحلقة وصل ما بين هذه الجهات.

ابتسام الشاعر