سعيد سليمان محمد المزروعي له 17 ابنا وابنة وما يقارب 60 حفيدا، ورغم كثرة الأبناء والأحفاد وثقل السنين التي يحملها على كاهله، إلا انه لا يزال يبحث في الطبيعة عن حلو الأيام والذكريات الجميلة، ولا يزال يحيا بين أشجار النخيل والمانجا وقصب السكر، في حياته قصص تكاد تكون من عالم الخيال، وله مع الابتكار والإبداع جولات وجولات، لكن حلو الأيام عكرت حياته في أواخر سنين عمره، إذ ماتت مزرعته التي زرعها شتلة شتلة، واختفت من ناظريه أشجار النخيل الباسقة، وأشجار المانجا والليمون وكل الزهور والورود الجميلة، بل كاد يفقد بيته وتشتت عائلته، لولا انه تمسك بالأمل الذي يحيا به، وبقدوم الأيام الخوالي التي طالما حلم بها.

أثناء زيارتنا له في بيته بمنطقة المنامة بإمارة عجمان، حدثنا حكايات كثيرة، عاد به الزمن إلى بدايات شبابه، بدأ يسرد لنا حكاياته عندما كان جنديا في قوة ساحل عمان، وكيف تعلم الميكانيكا من دون معلم، وحكايات نترك له سردها بطريقته العفوية وبأسلوبه الشيق، وهذه أول الحكايات. بدأت حياتي العملية في قوة ساحل عمان مع بداية تأسيسها.

وهي قوة أسست لصيانة الأمن والسلام والنظام في إمارات الساحل، وكان يوجد في هذه القوة من المواطنين ومن عمان واليمن، وجمعتني ذكريات كثيرة مع عدد كبير منهم، وفي عام 1972 انضممت لشرطة عجمان، وقبل ذلك كنت تعلمت هندسة ميكانيكا السيارات، وذلك بالفطرة نظراً لعدم وجود معاهد كما هو حاصل اليوم، أما كيف تعلمت ذلك، فكما تعرف قديما كان يوجد عدد من السيارات المستوردة من بريطانيا مثل سيارات رينج روفر الذي كان أول ظهور لها في فترة السبعينات من القرن الماضي.

وأخرى مثل كيويل ودودج وفورد وموريس، وعندما كانت أحدى السيارات تتعرض لعطل، كانوا يستدعوني لإصلاحها، وكنا نستعمل قطع الغيار من السيارات التالفة «سكراب» وبهذه الطريقة أيضا تعلم أبنائي هذه الصنعة، وما زلت حتى اليوم أحتفظ بواحدة من هذه السيارات القديمة وصالحة للاستعمال.

أيام لا تنسى

ذكريات جميلة ما زلت أحتفظ بصورها حتى اليوم، يوم عملت مع أحدى الشخصيات المرموقة، كسائق خاص لها ثم انتقلت إلى أعماله الخاصة، وكانت من الأيام التي لا تنسى، في هذه الفترة تعرفت عن قرب على خصال لرجال كرام، وشاهدت كيف يتم بناء الأوطان، كانت فعلاً أياماً امتزج فيها الأمل بالعطاء، ومن هذه المواقف أنشأت أبنائي على المحبة والأخلاق الكريمة، بل وزرعت فيهم الإبداع والابتكار، فالحياة لا تستمر إلا بالعطاء والعمل الصادق.

وفي واحدة من مراحل حياتي تحولت إلى مسؤول لمركز شرطة المنامة، وأذكر أنه خلال فترة عملي في هذا المجال، لم أستعمل قط سيارة الشرطة، كنت أحبذ المشي على ركوب السيارة، ولا أزال أمارس المشي وأعتبره نوعاً من أنواع الرياضة، ثم في عام 1991 تحولت إلى التقاعد، ومنذ ذلك التاريخ وأنا أعيش في مزرعتي التي أعطيتها ما تبقى من أيام العمر، قبل أن يأتي عليها مشروع طريق حديث، فقطع عنها الحياة بتوقف تدفق المياه لها.

من الأيام التي عكرت مجرى حياتي، يوم أن قررت وزارة الأشغال تنفيذ طريق المنامة ـ دوار مطار رأس الخيمة، يومها طرقت كل الأبواب شاكيا ما حل بي وبمنزلي الواقع بالقرب من الطريق العام، لا أريد أن أشرح همي، ولكن أترك ذلك للمسؤول الذي وجه رسالة لمجلس الوزراء مشفوعة بعنوان «تظلم مواطن من جراء تنفيذ الطريق».

وقالها بالحرف الواحد، المواطن يعاني من انتهاك حرمة السكن بسبب كون الطريق منسوبه أعلى بكثير من منسوب المنزل، كما ضوضاء السيارات والشاحنات تؤثر على الساكنين، وأخير أوصى بسبب هذه الظروف بإحالته لبرنامج الشيخ زايد للإسكان، كانت هذه الملاحظات والتوجيهات، ولكن حتى اليوم وأنا في انتظار الأمل المنشود الذي يخرجني من هذا الوضع الصعب.

أشجاري ماتت

مزرعتي الكبيرة ماتت فيها جميع الأشجار، التي زرعتها شتلة شتلة وشجرة شجرة، وذلك بسبب مشروع الطريق الذي منع وصول الماء للمزرعة، ولكن لم أيأس من هذا الوضع، فلقد أنشأت «مزيرعة» في سور البيت، وغرست فيها جميع أنواع الأشجار المثمرة، مثل أشجار النخيل واللوز والليمون والموز والمانجا، وغيرها من الأشجار.

والآن كما ترى أقضي أيام التقاعد في سقي هذه الأشجار ورعايتها، فهذه هي بيئتي التي أعيش فيها منذ طفولتي، فالحياة مع الطبيعة وبين المزارع، هي من أجمل الأيام التي على الإنسان أن يعيشها، وأتمنى من الآباء أن يستغلوا أوقاتهم في العيش مع الطبيعة، وألا يستكينوا للتقاعد، بل عليهم ممارسة حياتهم ومحاولة استغلال وقتهم بالأشياء المفيدة.

شبكة لتعويض المطر

الإبداع دائما ما يتعلق بعمل شيء مجدٍ ومفيد، وفي منطقة مثل المنامة تكاد تكون فيها الأمطار موسمية، ولكن عقلية سعيد المزروعي أوحت له بفكرة جميلة، يعوض فيها قلة المطر، بابتكار شبكة تجعل المطر ينهل عليه برذاذه في كل وقت يريده، وفعلا قام بتنفيذ هذه الفكرة وتطبيقها.

وعن هذه الفكرة يقول: «قلة الإمطار وحرارة الأرض، خاصة في موسم القيظ دفعا بي إلى استحداث نظام الري القديم، ولكن بطريقة عكسية، إذ أنشأت شبكة من المواسير البلاستيكية المعلقة بالهواء، مع إنشاء مولد كهربائي يقوم بدفع المياه إلى الشبكة ومن ثم هطول رذاذ الماء بشكل يوحي وكأنه مطر، لذلك أعيش هذا المناخ متى أريده، ولقد أستغرب الكثير من الناس هذه الطريقة، وأعتقد أن هناك من سيحاول تطبيقها في منزله أو في مزرعته، وهذا مشروع ناجح في موسم الصيف».

على الرغم من قيام العديد من العلماء والخبراء في العالم، بتجارب من اجل هطول مطر اصطناعي، إلا أن النتائج حتى الآن لا تزال في دور التجريب، والمطر هو أمنية كل مزارع عندما يشعر بأن الجفاف يهدده، وأحيانا يكون منسوب مصدر مياه الشرب قليل، وتتحدث الكثير من مراكز الأبحاث عن حروب المياه في المستقبل، فالأنهار والينابيع في العالم تتعرض لتغييرات مناخية.

ودفعت تلك الأوضاع الإنسان إلى أن يحلم بأن يتمكن في يوم من الأيام من صناعة غيوم تسبب هطول الأمطار، التي يريدها وفي الوقت الذي يرغب، وهذا الأمنية التي تعد تحديا للطبيعة ليست جديدة حيث راودت مخيلة الباحثين قبل أكثر من 60 عاما وشغلت ولا تزل بال علماء الطبيعة والظواهر الجوية والباحثين في علم خصائص المياه وتوزيعها فوق سطح الأرض، إلا أن سعيد المزروعي حقق أمنيته بهطول المطر الصناعي على بيته ومزرعته.

المزروعي: طريق المنامة - رأس الخيمة عكر صفو حياتي

من الأيام التي عكرت مجرى حياتي، يوم أن قررت وزارة الأشغال تنفيذ طريق المنامة ـ دوار مطار رأس الخيمة، يومها طرقت كل الأبواب شاكيا ما حل بي وبمنزلي الواقع بالقرب من الطريق العام، لا أريد أن أشرح همي، ولكن أترك ذلك للمسؤول الذي وجه رسالة لمجلس الوزراء مشفوعة بعنوان «تظلم مواطن من جراء تنفيذ الطريق».

وقالها بالحرف الواحد، المواطن يعاني من انتهاك حرمة السكن بسبب كون الطريق منسوبه أعلى بكثير من منسوب المنزل، كما ضوضاء السيارات والشاحنات تؤثر على الساكنين، وأخير أوصى بسبب هذه الظروف بإحالته لبرنامج الشيخ زايد للإسكان، كانت هذه الملاحظات والتوجيهات، ولكن حتى اليوم وأنا في انتظار الأمل المنشود الذي يخرجني من هذا الوضع الصعب، خاصة وانني مازلت اعاني من كل ما ذكرت والحال كما هو عليه منذ سنوات طويلة.

جميل محسن