يقدّم الناقد د.جابر عصفور في كتابه الجديد «في محبة الشعر» الذي صدر أخيراً عن الدّار المصرية اللبنانية، بانوراما شاملة ورأسية للقضايا التي شغلت الساحة الشعرية العربية فيما يزيد على مائة عام، ويعيد الاعتبار للكثير من الشعر المصري عبر رموزه وقضاياه وخصوصاً قصيدة النثر، وذلك في محاولة منه لإعادة التوازن إلى السياق الثقافي، الذي اتهمه البعض بأنه عطلهّ بمقولته «زمن الرواية» التي ركب موجتها الكثيرون في محاولة لإعلاء فن فنٍ، في زمن تتكامل فيه الفنون وتتلاقح، وتناسى الكثيرون الجهود الكبيرة والجبارة التي بذلها جابر عصفور في نقد الشعر، وتقديمه، ونشره، والحماسة له.

فقد نقد وقدّم أغلب الشعراء المصريين سواء مثل صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطى حجازي أو حتى من أتى بعدهم من جيل السبعينيات، ومن أتى بعدهم من أبناء قصيدة النثر، فهو لم يتوقف يوماً عن التعامل مع الشعر قراءة ونقداً وتلقيّاً عبر رؤيته المتسعة التي ترى في الشعر ميزان الوجدان الحساس، فاحتفاؤنا بالشعر، كما يقول، احتفاء بمبدأ الرغبة الذي يحرر الروح والوجدان والعقل والحاسة، ويندفع بنا في تلهب التمرد على كل ما يحول بيننا وبين انطلاقه الحلم.

ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام، لتكوِّن خطاً رأسياً للنظر في مسيرة الشعر العربي منذ مطلع القرن العشرين، فالقسم الأول عن زمن البعث والإحياء. والثاني عن زمن الستينيات، والأخير: زمن لم بعد الستينيات والأقسام الثلاثة الكبيرة تحتوي على أربعة وثلاثين فصلاً تتأمل الشعر من شتى جوانبه ودلالات حضوره، ولحظات تقهقره، عبر أعلامه الكبار البارودي وشوقي وصلاح جاهين وبدر شاكر السياب وأمل دنقل، وممدوح عدوان، وعفيفي مطر، وعبر قضاياه التي أثيرت حوله.

وهي قضايا تمثل اهتمامات الأمة وتعكس واقعها وطبيعة نظرها إلى الشعر عبر ما يزيد على مائة عام ومن هذه القضايا: محمد عثمان جلال وقضية التعريب، وتعريب إلياذة هوميروس، وقصائد عبد الناصر والقبح في الشعر، والتمرد على الأب، ومعنى التمرد على الأب، وقصيدة النثر.

ويرى د.جابر عصفور أن قصيدة النثر أثبتت حضوراً قويَّا برغم عنف المقاومة التي تواجهها، وهي تطوّر طبيعي لحركات التجديد لدى كبار الشعراء الذين عرفوا هذه القصيدة عبر أعلامها الكبار في الثقافة الفرنسية مثل أدونيس وأنسي الحاج ومحمد الماغوط وغيرهم من الأجيال الأكثر حداثة التي تخوض غمار التجريب الشعري.. بجرأة ومعرفة، لا تنفي أن هناك الكثيرين الذين ركبوا الموجة تحت وهم سهولتها، كل ذلك بعد أن يقف جابر عصفور على تاريخية قصيدة النثر وتجليها.. في ثقافات عديدة، بحيث تشكلت في ملامحها الحديثة من ثقافاتها المحلية.

القاهرة ـ محمد الحمامصي