في برنامج «سفينة شباب العالم» يبدو البحر وكأنه أرض محايدة، ففي حضنه يجمع عشرات الشبان الذين جاؤوا من بلدان مختلفة بغية التعرف على الآخر بكل ما فيه من إرهاصات معقدة، وعلى ظهر هذه السفينة تدور نقاشات مختلفة وتبدو الأسئلة وكأنها نهر جارف فالكل يبحث عن إجابات واضحة تشفي ما في نفسه من تساؤلات.
ولذلك وجب ان يكون الشاب على قدر جيد من المعرفة ليتمكن من مواجهة سيل الأسئلة المتدفق من جنسيات مختلفة طالما حملت في عقيدتها سمات مختلفة عن الجنسيات الأخرى. ورغم الاختلافات في الجنسية واللون وحتى اللسان، يتحول هؤلاء بعد فترة وجيزة الى ما يشبه العائلة الواحدة التي جمعها المكان والزمان والبحر.
ولتسليط الضوء على هذه الرحلة التقت «البيان» مع شباب سبق لهم المشاركة فيها، واطلعت من خلالهم على ابرز ما يدور في ثناياها من نقاشات وتعارف.
البداية كانت مع المهندس راشد المفتول، والذي يعمل في إدارة الطرق بهيئة الطرق والمواصلات بدبي، والذي قال: «مشاركتي في هذه الرحلة كانت بناءً على اعلان نشر في الصحف المحلية، وأعتبر نفسي محظوظا بذلك فقد كنت رئيسا لوفد الامارات الى جانب انني كنت أول موفد من هيئة الطرق والمواصلات، وبلا شك لقد كانت تجربة جميلة ان اكون رئيس وفد خاصة وانني كنت أصغر رئيس وفد حينها»، ويواصل: «لم تكن هذه هي المرة الأولى التي أشارك فيها ببرنامج دولي، فقد سبق لي المشاركة في برنامج آخر بالولايات المتحدة الأميركية.
ولا أنكر أن تلك المشاركة انعكست ايجابيا علي، وساعدتني في رحلة سفينة شباب العالم 21 التي كان فيها أهداف ورسائل يجب علينا إيصالها إلى العالم، أولها رسالة الإمارات وكان علينا كفريق ان نوضح طريقة تفكيرنا كإماراتيين وعرب ومسلمين خاصة وان معظم المشاركين في الرحلة يمتلكون معلومات عنا مختلفة تماما عن ارض الواقع، وللحقيقة فقد كان نحو 50% من المشاركين يريدون معرفة المزيد عن الإسلام علما بأن الوفود الأخرى قادمة من أديان مختلفة.
ولذلك حاولنا كوفد اماراتي ان نوحد اجاباتنا في ذلك وان يكون تعريفنا لأنفسنا بأننا مسلمون عرب إماراتيون، وحاولنا ان نشرح لهم ما نعرفه عن الاسلام، وتوضيح عاداتنا وتقاليدنا الاماراتية والعربية، ومعاني بعض رموزنا التي نعتز بها مثل القهوة العربية والتمر وغيرها».
ورش تدريبية
وحول الورش التدريبية التي قدمتها الهيئة العامة لرعاية الشباب والرياضة لأعضاء الوفد الإماراتي، قال المهندس راشد المفتول: «قبل سفرنا شاركنا في العديد من الورش التدريبية واجتمعنا فيها مع عدد من المفكرين والمثقفين في الدولة مثل الدكتور سعيد حارب.
والأستاذ عارف جلفار، والذين اخبرونا عن تجاربهم خارج الدولة، وساعدونا على وضع وتحديد أهدافنا الفردية والجماعية، الى جانب ذلك قمنا بوضع نص موحد لكافة الاسئلة التي يمكن ان يطرحها علينا أعضاء الوفود الأخرى، كل ذلك كان نوعا من التأهيل لنا حتى نتمكن من تقديم صورة واضحة وجميلة عن الإمارات، خاصة واننا قدمنا عرض كامل عن الدولة وما جرى فيها من عمليات تحول بعد ظهور البترول فيها».
ويتابع المفتول: «استفدت كثيرا من الوفود الأخرى بتثقيف نفسي ورفع مستواي المعرفي والعلمي، واجتهدت كثيرا عبر التخالط الاجتماعي لمعرفة طبيعة هذه المجتمعات وان افهمها بصورة جيدة وهو ما مكنني من بناء شبكة علاقات واسعة مع افراد الوفود الثانية، حيث وصل عدد أصدقائي الذين أتواصل معهم بشكل دائم بالبريد الالكتروني إلى 99 شخصاً».
حظي المفتول بفرصة جيدة في هذه الرحلة بأن نصب رئيسا لوفد الإمارات رغم صغر سنه، وحول هذه المهمة، قال: «رئاسة الوفد لم تكن جديدة علي، فقبلها كنت عضوا في مجلس طلاب تقنية دبي، ورئيسا لبعض الجمعيات ذات النفع العام.
ولكن الوضع هناك كان مختلفا، فقد كان وفدنا عبارة عن قادة وليسوا أشخاصاً عاديين، ولذلك حاولت الابتعاد عن السيطرة والتحكم في رئاستي لهم، وقد تعلمت منهم الكثير، واثبتوا أنهم على قدر عال من المسؤولية وذلك بشهادة الحكومة اليابانية التي اختارتني من بين جميع رؤساء الوفود لإلقاء خطاب الوفود امام رئيس وزراء اليابان، وبالتأكيد يعتبر هذا شرف لي ولدولتي».
مواهب وإمكانيات
أما عن تجربته فقد قال الشاب سالم عمر سالم، الموظف في شركة موارد للتمويل والذي كان ضمن وفد الإمارات لرحلة سفينة شباب العالم 21: «لم أتوقع في يوم ما أنني سأكون ضمن المشاركين في هذه الرحلة التي سمعت عنها الكثير، والبداية كانت عندما رأيت إعلانها في إحدى الصحف المحلية، حيث بادرت الى التسجيل في الموقع الالكتروني للهيئة العامة لرعاية الشباب والرياضة والذين قاموا بدورهم باستدعائي الى المقابلة الشخصية.
وحاولوا من خلالها التعرف على مواهبي وإمكانياتي وعلاقتي مع الجنسيات الاخرى ومدى معرفتي بها، وبعد إعلامي بقبولي في الوفد اكتشفت من خلال اول اجتماع لنا انني اعرف معظم الشباب أعضاء الوفد، حينها شعرت بأن الامارات صغيرة على اتساعها، وبعد هذا الاجتماع اخبرت عائلتي التي عارضت في البداية مشاركتي ولكنها لم تلبث ان شجعتني على المشاركة، كما اخبرت ايضا جهة عملي التي لم اكن قد حصلت فيها على التثبيت، وايضا حصلت منهم على التشجيع والدعم الكامل».
وعن الأسباب التي دعته للمشاركة قال سالم: «الرغبة باكتشاف اليابان كان احد الاسباب التي جمعت الشباب المشاركين في الرحلة، وعن نفسي فأنا كنت متأثرا خلال السنوات الماضية بالثقافة اليابانية من نواح مختلفة.
وقد حفزتني على زيارة اليابان، والحمد لله فقد تحقق هذا الهدف من خلال مشاركتي هذه، اما السبب الاخر فكان الرغبة بالتعرف على شعوب العالم وثقافتها خاصة وان تفكيري كان محصورا في الامارات فقط، وقد ساعدتني هذه الفرصة على تغيير طريقة تفكيري ونظرتي للجنسيات الاخرى وزيادة احترامي للوقت خاصة وانه معروف عن العرب عدم احترامهم للوقت، وضايقتني الاشارة الى ذلك في البروشورات التي تم توزيعها علينا بعد صعودنا على ظهر السفينة».
اما بخصوص التفاهم مع الجنسيات الاخرى، فقال: «لقد كانت لغة التخاطب الرسمية بيننا هي الانجليزية، ولا انكر اننا في البداية شعرنا ببعض الغرابة، خاصة اننا نلتقي مع اشخاص من دول نسمع عنها للمرة الاولى مثل الجزر الموجودة في المحيط الهادي.
وقد وجدنا انهم مختلفون تماما في طرق مخاطبتهم وتواصلهم مع الاخر، ولكن بعد مرور نحو 10 ايام لم نعد نحن الوفد الاماراتي نرى بعضنا البعض، فقد اختلطنا مع الوفود الاخرى بشكل كبير وتحولنا الى عائلة واحدة واكتشفنا أن هناك الكثير من الاسئلة التي كنا نريد طرحها على بعضنا البعض، سواء من ناحية الدراسة او الخطط أو الوقت وغير ذلك.
العمل التطوعي وحقوق الانسان والبيئة حاضرة في الفعاليات
في المقابل التقت «البيان» جمال الحمادي، مدير إدارة الأنشطة الشبابية والثقافية في الهيئة العامة لرعاية الشباب والرياضة بدبي، والذي حدثنا عن برنامج سفينة شباب العالم، ومميزاته.
حيث قال: «هو برنامج شبابي موجه للفئة العمرية ما بين 19- 29 سنة، تنظمه وتموله الحكومة اليابانية منذ عام 1987 ويشارك فيه نحو 15 دولة، والتحقت به الامارات عام 1990، وعادة تشارك في الخط الشرقي الذي يتجه الى الدول العربية وافريقيا والهند، والجديد في هذه الرحلة انها ستتوقف في فبراير 2010 لمدة ثلاثة أيام بدبي، علما بأن خمس دول عربية ستشارك في هذه الرحلة، وهذا يعتبر أكبر عدد شاركت فيه الدول العربية حتى الآن.
وميزة البرنامج تكمن بأنه برنامج ثقافي وحضاري وشبابي يناقش مجالات عديدة مثل العمل التطوعي وحقوق الانسان والبيئة ويتم فيه تبادل العادات والتقاليد وغيرها، وتعطى كل دولة مشاركة الحق في تقديم نفسها بمدة لا تزيد عن 45 دقيقة، تعرض فيها افلاما وثائقية وازياء شعبية وعروضا فلكلورية وأطعمة شعبية وغيرها.
إلى أي حد شعرتم باستفادة الشباب من هذا البرنامج؟
لي تجربة شخصية في البرنامج بنسخته العاشرة والثانية عشرة، حيث شاركت فيه كرئيس وفد، وميزته بأنه فعلا يؤدي الى احداث تغير في سيكولوجية الانسان وطريقة تفكيره، ونظرته للآخر فمن خلال المعايشة يكتشف الشاب طبيعة وحقيقة هذه الجنسيات، ويبين نماذج من المجتمعات الحقيقية وليست المثالية التي تظهر في الإعلام، فضلا عن مساعدته للشاب على اكتشاف امكانياته ومهاراته لاعتماده كليا على نفسه في هذه الرحلة.
ومعظم الشباب الذين شاركوا في البرنامج تغيرت مسارات حياتهم بالكامل. أما بالنسبة لدورنا نحن كهيئة فنحن نطمح من خلاله الى اكساب الشاب صفة القيادة، وهذه المشاركة تعتبر احد أساليب التدريب القيادي للشخص، فلا يوجد احد اشترك بمثل هذه البرامج الا وقد احدث تطورا في شخصيته وموقعه الوظيفي وحتى تفكيره وذلك نتيجة المعلومات والمعرفة التي يكتسبها عبر معايشته مع الجنسيات الاخرى.
هل تقومون بتقديم دورات تدريبية للشباب المشاركين في الرحلة؟
لا نسميها دورات تدريبية، وإنما هي مقابلة شخصية لمدة 45 دقيقة لكل شخص، نتعرف فيها على ميول وأفكار ومهارات المتقدم، وبعد ذلك نقوم بإخضاع المجموعة التي تم اختيارها لورش عمل يلتقون فيها مع مفكرين ومثقفين إماراتيين يتناقشون معهم في المحاور المحددة المطروحة في الرحلة، الى جانب تزويدهم بمعلومات كاملة عن العادات والتقاليد الاماراتية والفلكلور الاماراتي وغيرها، وإصرارنا على مثل هذه الورش نتيجة لإدراكنا بأن كل مشارك في الرحلة منتخب من بين مجموعة كبيرة من الشباب في دولته،.
وأكثرهم يمتلكون مستويات تفكير عالية وقوة ملاحظة قوية، وقد يتلقى الشاب العديد من الاسئلة غير المتوقعة منهم، ولذلك يجب إن يكون مستعدا لها، ومن خلال تجربتي فقد تمكنت من جمع نموذج من الاسئلة التي قد تطرح، وخلال الورش واعداد الشباب نعطيهم هذه الاسئلة ونطلب منهم البحث عن اجابات مقنعه ومحددة وموحدة بالوقت ذاته، خاصة وأن كثيرا من المشاركين يجدون في هذا البرنامج فرصة للتعرف والاتصال مع المجتمعات الاخرى والتعرف عليها عن قرب.
ما هي معايير اختيار رئاسة الوفد؟
يتم اختياره بناء على مواصفات شخصية قيادية، ويجب أن يكون لديه القدرة على ادارة الفرق لان الفريق المنتدب يكون على مستوى عال، وكما يجب ان تكون لغته الانجليزية جيدة جدا على الاقل، ويجب ان يكون مثقف ولديه القدرة على محاورة الاخرين، بالاضافة الى اننا نركز على ما يمتلكه من معلومات عن المجتمع الاماراتي، وان يكون سنه فوق 30 عاما.
كم يبلغ عدد الذين تقدموا للمشاركة في رحلة السفينة 21؟
خلال العام الماضي قابلت نحو 45 شابا وتم اختيار افضل 12 شخصا، وبشهادة الحكومة اليابانية فقد كان هذا الوفد من افضل الفرق التي مثلت بها الامارت في سفينة شباب العالم.
سفينة شباب العالم تحط في دبي فبراير المقبل
كشف جمال الحمادي، مدير إدارة الأنشطة الشبابية والثقافية في الهيئة العامة لرعاية الشباب والرياضة لـ «البيان» إن رحلة سفينة شباب العالم التي من المقرر أن تبدأ في 14 يناير القادم وتستمر لمدة شهرين، ستتوقف في فبراير القادم لمدة ثلاثة أيام في ميناء راشد بدبي، وأكد الحمادي على انه تم التنسيق مع الفريق المسؤول عن هذا البرنامج في اليابان حول الأماكن التي سيتم زيارتها في الإمارات في مجالات التعليم والبيئة والعمل التطوعي وغيرها.
كما أشار إلى أن الهيئة قامت بالاشتراك مع دائرة السياحة والتسويق التجاري بدبي وبلدية دبي بتشكيل فريق شبابي يضم خمس فتيات وثلاثة شبان لمتابعة التحضيرات والترتيبات لاستقبال الوفود المشاركة في رحلة السفينة.
وقال: «سيكون هناك استقبال رسمي للوفود وكذلك عروض فلكلورية أثناء حفل الاستقبال»، وأكد على أن هذه الزيارة ستكون فرصة جيدة للوفد الإماراتي لتقديم بلاده بصورة واقعية تختلف كليا عن العروض التي تقدم على ظهر السفينة.
غسان خروب
