«لكل ليلاه» عنوان فيلم سوري جديد أنتجته الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، واحتفت بأولى عروضه مؤخرا دار الأسد للثقافة والفنون بدمشق، والفيلم كما هو واضح من عنوانه يحيلنا إلى موضوع الحب وتجارب العشاق، وهو موضوع يتمتع بجاذبيته الخاصة، لاسيما إذا ما اقترن بفريق عمل أساسي مكوّن من سيدات معروفات في الوسط الثقافي والفني، فكاتبة قصة وسيناريو الفيلم ديانا فارس هي مسؤولة قسم نصوص الأطفال في المؤسسة العامة للسينما، والمخرجة سهير سرميني هي مديرة القناة الأولى في التلفزيون، أما البطولة فهي للفنانات: رندا مرعشلي، جيهان عبد العظيم وأناهيد فياض بالاشتراك مع الفنان نضال نجم.
تتمحور القصة حول ثلاث شابات جميلات في سن الزواج، ينتمين إلى شرائح اجتماعية مختلفة، ويتعارفن في أحد النوادي الرياضية، ورغم الصداقة التي تجمعهّن، فمسار الحبكة يكشف أن لكل واحدة منهن نظرتها الخاصة لاختيار شريك الحياة.
وهي نظرة تنطلق من ظروف التنشئة الأسرية والعلاقة مع الأهل، وقد ارتأت الكاتبة أن تتسم كل شخوصها بصفتين أساسيتين: الافتقاد لأحد الأبوين، وامتلاك زمام المبادرة، ومن هنا فإن البنية الدرامية لم تتحدد بطبيعة الأحداث، بقدر ما حددتها طبائع الشخصيات وموقفها وخياراتها إزاء قضية محددة وجوهرية في حياة كل فرد، هي العلاقة بالجنس الآخر وكيفية تكوين الأسرة.
شخصيات الفيلم
الشخصية الأولى في الفيلم هي ندى (رندا مرعشلي) شابة تنتمي إلى أسرة من الطبقة الوسطى المتحرّرة، ويتضح ذلك تدريجيا من خلال مظهرها الخارجي، ومن كونها تحمل شهادة جامعية، وتعمل في مكتب لتصميم البطاقات والإعلانات.
كما يتضح الأمر من خلال علاقة الثقة والمودة القوية المتبادلة ما بينها وبين والدها (سليم صبري) الموظف في إحدى مؤسسات الدولة، والذي بات يخاف على ابنته كثيرا بعد أن توفيت أمها، وتركتهما وحيدين في المنزل، وكان من الطبيعي تبعا لهذه المقدمات أن تكون ندى ذات شخصية مستقلة، لا تخشى من الإفصاح عن آرائها وعواطفها، وأن تؤمن بمبدأ الزواج الذي يأتي تتويجا لعلاقة حب تربط ما بين كائنين.
الشخصية الثانية هي رنا (جيهان عبد العظيم) وهي شابة لعوب تصاحب الشباب بهدف التسلية والإيقاع بأحدهم في عش الزوجية، وسلوكها الذي يعبر عن حالة من عدم التوازن العاطفي ناتج عن كونها تنتمي إلى أسرة مفككة وميسورة الحال، والدها متوفى، ووالدتها (تولاي هارون) مشغولة دوما بعلاقاتها الاجتماعية ومشاريعها.
والأخ المستهتر يتحرش بالخادمة باستمرار، أما الشخصية الثالثة هادية (أناهيد فياض) فهي تنحدر من بيئة دينية، وترتدي الحجاب، ولم تدخل الجامعة لأنها مقتنعة بأن دور المرأة يقتصر على المنزل، وبأن الزواج ينبغي أن يتم على الطريقة التقليدية، ولذلك فهي تقبل بالشاب الذي تقدّم لطلب يدها من أمها (هالة حسني) دون معرفة سابقة، وتتزوجه رغم كل الخلافات التي حدثت بينهما أثناء فترة الخطوبة، ونجدها حبلى في المشاهد الأخيرة.
الأسلوب الإخراجي
حاولت عدسة المخرجة أن تضفي لمسة تجميلية على كل المشاهد، من خلال إبراز جماليات مواقع التصوير، داخلية كانت أم خارجية، ومن خلال الاهتمام بتناسق الألوان وتوزيع الكتل وبالأزياء والمكياج، فغدت دمشق وكأنها واحة غناء لا تعاني من أي إشكال، وغدا الممثلون أشبه بدمى الباربي، حتى وهم في أوج كربهم، الأمر الذي جعل الصورة أكثر جاذبية، لكنه أفقدها بعضا من مصداقيتها.
أيضا أوّلت المخرجة عنايتها الفائقة بأداء الممثلين، وركزت انتباهها على تعبيرات الوجه وحركة العيون والشفاه والأيدي عبر الإكثار من استخدام اللقطات الكبيرة واللقطات الكبيرة جدا، مما أكسب الأداء التمثيلي حسه التعبيري المرهف، مع حدوث بعض الخروقات غير المبررة من الناحية الفنية، كإصرار المرعشلي على رسم تعبير الإثارة والغنج عبر حركة شفافها المفتوحة قليلا باستمرار، حتى وهي تبكي، مع أن بنية الشخصية هي أقرب إلى صفتي العفوية والبراءة.
لكن مهما يكن من شأن الملاحظات التي يمكن تسجيلها على هامش هذه التجربة، فهي لا تقلل من أهميتها، لاسيما أنها الأولى من نوعها في مجال الفيلم الروائي الطويل بالنسبة للكاتبة والمخرجة، وهي تجربة استطاعت أن تمتلك مناطقها الرومانسية الحالمة والجذابة، وأن تفصح عن خصوصياتها على مستويي الطرح والمعالجة الفنية.
دمشق ـ تهامة الجندي
