لم تترك المرأة الإماراتية حقلاً من حقول العمل الحضاري الذي يخدم المجتمع إلا وأدلت بسهمها فيه، لتكون شريكة الرجل في عملية البناء، دون أن ترضخ للعقبات المتوهمة أو لصعوبات بعض المجالات، فكانت المسؤولة والإدارية والطبيبة والمعلمة والأم الناجحة والمربية والمصلحة الاجتماعية.. واليوم هاهي ترتدي قبعة المهندسين الميدانيين لتكون المهندسة الناجحة المشرفة على البناء حقيقة ومعنى.
وفي زيارة لأحد المواقع الإنشائية الجديدة في مدينة خورفكان التابعة للمنطقة الشرقية التقت «البيان» بفريق عمل نسائي مكون من ثلاث مهندسات يشرفن على تنفيذ المشروع من الناحية الميدانية وذلك ضمن فريق أكبر مكون من عدد من المراقبين الدائمين للمشروع والمشرفين.
ويأتي مشروع مبنى دائرة الجنسية والإقامة الجديد الذي تنفذه وزارة الأشغال العامة بالفجيرة من بين سلسلة المشاريع السنوية التي تنجزها الوزارة بأنامل نسائية، على اعتبار أن ما تشكله نسبة المهندسات العاملات في فرع الوزارة بالمنطقة الشرقية يقارب 70% قياسا مع نسبة المهندسين من فئة الذكور.
فمشروع مبنى الجنسية الذي تتولى عملية تنفيذه كل من المهندسة المدنية شيخة الشحي، والمهندسة الكهربائية موزة النعيمي، والمهندسة الميكانيكية شيخة الشاعر واحد من حزمة المشاريع التي تولتها المرأة الإماراتية لتترك بصماتها الهندسية على مفاصل تنفيذها.
هذه المرأة التي لا تتوفر أي فسحة للمقارنة بين قوامها النحيل وضخامة المشروع الذي تتولى الإشراف عليه، حيث مازالت وعلى الرغم من كل الظروف الاجتماعية تواصل عملها وإشرافها على عمليات التنفيذ بكل ما أوتيت من قوة وصبر في مقابل صعوبة العمل الميداني وحرارة الشمس في فصل الصيف.
فشيخة الشحي المهندسة الشابة التي تشرف على تنفيذ وإنجاز المبنى المذكور لم تتجاوز خبرتها العملية الثلاث سنوات، ورغم ذلك فقد أثبتت لفريق عملها عن مدى جدارتها في العمل وحرصها على دقة التنفيذ واثبات دور المرأة في الموقع والميدان، فعلى حد تعبير زميلها المراقب المدني للمشروع محمد بدير «إنها أخت الرجال».
حيث لم يلحظ أي فرق في التعامل مع المهندسات في تنفيذ المشاريع خصوصا من ناحية الأداء العملي، وإن صعوبات الميدان التي قد تواجه المهندسات في الميدان لا تتجاوز صغر حجم أقدامهن التي لا تساعد بعضهن على المشي فوق الأساسات المعدنية المفرغة. والتي حلت بوضع الحواجز الخشبة لتسهيل وصول المهندسة إلى كل زوايا المشروع.
ويضيف بدير إن إصرار المهندسات على الإطلاع على كل تفاصيل المشروع من ناحية التنفيذ وضعت المرأة المهندسة في مواقف صعبة في بعض الأحيان تجاوزتها عبر إدارتها في إثبات دورها بالكامل، حيث شهد خلال عمله الطويل مع فرق عمل مهندسات وزارة أشغال الفجيرة صعود مهندسات في مقدمة الجرافة وصولا لطوابق إنشائية مرتفعة، كما يتطلب عمل البعض منهن تسلق سلالم المباني الكبيرة لتأكد من سلامة التمديدات الكهربائية والميكانيكية لكل طابق قبل عملية الاستكمال والتشطيب.
متعة العمل
وتتحدث المهندسة المدنية شيخة الشحي عن عملها وتقول: «إن عملنا في هذا المجال ليس سهلاً أبداً إلا أنه يحمل لنا في كل يوم تجربة جديدة تعطينا المزيد من العلوم، وليس أقل من أن تبدأ مع إي مشروع منذ مرحلة الحفر وحتى التسليم النهائي للمبنى، فعمل المهندس المدني يتمركز في الموقع بهدف المتابعة اليومية لكل خطوات التنفيذ بصورة سليمة ووفقا للمخطط الصادر والذي يتطلب في بعض الأحيان التعديل وفقا لظروف المشروع ومتطلبات الجهة المستفيدة منه».
ويأتي مشروع مبنى الجوازات المذكور كرابع مشروع تتسلمه المهندسة الشابة شيخة الشحي بعد إنجازها لمشروع رياض الأطفال، ومركز ميناء الفجيرة، ومشروع للمساكن شعبية خلال فترة عملها في الوزارة، منوهة إلى أن أغلب خبرات العمل الميداني تناقلتها المهندسات الشابات من الجيل المهندسات ذوات الخبرة في الوزارة واللاتي حرصن على تعليمنا عن كل ما يذلل للمهندسة عملها في الميدان.
إلا أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه المهندسات في المواقع هو صعوبة العمل تحت وطأة الشمس الحارقة خصوصا خلال فترة الصيف، وتسلق بعض المواقع الإنشائية ذات الطوابق المتعددة لمتابعة سير العمل بصورة يومية.
فريق واحد
وتشير المهندسة الميكانيكية الشابة شيخة الشاعر إلى أن أهم عنصر من عناصر نجاح أي مشروع يكمن في العمل بروح الفريق الواحد، فمثل هذه العلاقة مهمة في ظروف ومتطلبات العمل الهندسي.
حيث يتولى مهندس المجموعة إدارة فريق المهندسين القائمين بالمشروع لإنجاز عملية التنفيذ بأعلى مستويات الكفاءة وفق أفضل الإمكانات المتاحة، خصوصا وإن بداية أي مشروع تأتي بعد دراسة دقيقة وشاملة للمخطط المعتمد من قبل الوزارة للمشروع تفاديا لأي أخطاء فنية قد توجد لاحقا عند البدء في عملية التنفيذ، ويأتي العمل ضمن الفريق الواحد ليذلل الصعوبات التي قد تعترض أي مهندس من الأقسام الهندسية المختلفة، فاحتمالية التغيير والتعديل في مرحلة التنفيذ تزيد أو تقل وفق مرونة أفراد الفريق.
ويشمل عمل المهندس الميكانيكي التأكد من كل التمديدات المائية والصرف الصحي، والمضخات، والمصاعد الإلكترونية، ومكافحة الحريق، والتكييف وغيرها الكثير من الأعمال الفنية التي تكون من ضمن الأعمال الأساسية لأي مشروع جديد، إلى جانب مشاريع الصيانة التي يتولاها المهندس الفني بجانب عمله ضمن مشاريع التنفيذ الرئيسية. حيث تتولى المهندسة شيخة الشاعر حاليا سبعة مشاريع تتنوع ما بين التنفيذ والصيانة.
وتشير إلى أن دور المهندس الميكانيكي والكهربائي يدخل في كل مشروع تنجزه الوزارة في المنطقة، سواء أكان مشروعا تنفيذيا جديدا أو مشروعا للصيانة، حيث يتولى المهندس الفني إلى جانب مشاركته في المشاريع التنفيذية الجديدة عددا من مشاريع الصيانة الدورية لبعض المباني الحكومية، الأمر الذي يحتم عليه زيارات ميدانية متعددة لأكثر من موقع في اليوم الواحد لمتابعة سير عمل وفق المخطط المعتمد، وتعتبر هذه من أهم صعوبات المهنة التي يقوموا بها وذلك لتباعد المسافات المكانية بين المشاريع بما يتجاوز في بعض الأحيان ساعة من الوقت أو أكثر.
متابعة يومية
وتؤكد المهندسة الكهربائية موزة النعيمي على أن صعوبة عمل المهندس الفني تكمن في تعدد المشاريع التي يتولاها في الوقت نفسه والتي تتطلب منه متابعة يومية للوقوف على كل خطوات التنفيذ، لمنع التجاوزات التي قد تحدث مع قبل الوكلاء المعتمدين في التنفيذ عبر تغيير المواد المختارة أو محاولة البعض في التغاضي عن تنفيذ كل البنود المطلوبة منهم. فرغم مشاق زيارات المواقع اليومية للمشاريع إلا أنها ضرورة تكشف لنا عن الكثير من الأمور المهمة.
وينطوي عمل المهندس الكهربائي تحت وضع تصور كامل لكل نقاط الكهرباء والتسليك الكهربائي وتمديدات المتعلقة بالاتصالات والدفاع المدني، وأنظمة الأمان والسلامة للمبني المنفذ أو المصان، الأمر الذي يدفع بالمهندس الفني إلى الشعور بالمسؤولية تجاه عملة خصوصا وان الأخطاء البسيطة يترتب عليها بعد ذلك أعمال تكسير وتعديل تأخذ من وقت تنفيذ المشروع.
وتضيف المهندسة الكهربائية موزة النعيمي أن تجارب العمل الميداني قد أكسبتهم الكثير من الخبرات سواء من زملائهم في العمل أو من واقع التجربة الذاتية. حيث انعكس عملها في الهندسة الكهربائية على حياتها الشخصية والعائلية بحيث أصبحت تمارس مهنتها في البيت، دون الحاجة للاستعانة بعمال التصليح، وهو الأمر الذي أكدته زميلاتها في الأقسام الأخرى.
حرص على العمل
وحول عمل المهندسات في الميدان والمواقع الإنشائية تصرح المقاولة والمهندسة صباح عبد الستار من شركة أسوار الهندسية: أن العمل مع المهندسات المواطنات كشف لها عن مدى رغبة وأمانة العنصر النسائي في العمل وتخص في ذلك فريق المهندسات المشاركات في تنفيذ مبنى الجنسية والإقامة الجديد في خورفكان.
حيث لاحظت من خلال سنوات عملها مع مختلف عناصر الهندسة، أن قرار توظيف المهندسات في وزارة الأشغال العامة رغم ما يحمله ذلك لهن من صعوبات إلا أنه كان صائبا وفي مصلحة الوطن، فالمهندسة المواطنة أكثر حرصا في أدائها على مصلحة الوطن حيث تتحرى المادة الصحيحة للبيئة المحلية وأكثر دقة في أداء عملها، فضلا عن أنها مرنة في العمل بحيث تتقبل التغيرات التي يمكن أن تسهم في تقديم الأفضل. هذا إلى جانب أن متابعتهن الحثيثة للعمل حفزت على التزام الوكلاء الوافدين على تنفيذ الشروط المطلوبة.
اهتمام الوزارة
وصرح المهندس محمود عبدالله العوضي مدير مكتب وزارة الأشغال العامة بالفجيرة، أن العنصر النسائي في الوزارة يشكل ما نسبته 70% من الموظفين من بينهم المهندسون القائمون بكل أعمال الوزارة. وأن أغلب مهندسات الوزارة قائمات بكافة الأعمال الموكلة إليهن، سواء في كان ذلك في الميدان أو حتى الأعمال الإدارية والورقية، ورغم صعوبة المهنة على البعض منهن بسبب التكوين الجسماني والعضلي للمرأة إلا أن هذا لا يمنع تميز فئة من المهندسات في مجال الإشراف على المواقع، بسبب دافع داخلي ورغبة ذاتية بالتعلم وإثبات الذات في أداء المهنة بالكفاءة المطلوبة في منهم الميدان.
كما أن الوزارة تهتم بمسائل التدريب والتطوير للمهندسين والمهندسات حسب التخصصات المختلفة، من خلال ابتعاثهن في دورات متخصصة سواء في الدولة أو خارجها، من أجل الرفع من كفاءة الأداء، هذا إلى جانب الدورات التدريبية التي تصدر بصورة مستمرة لكل أقسام الهندسة لتعزز الخبرات الهندسية لدى الموظفين.
ابتسام الشاعر
