قد لا يكون هناك أجمل من إرث الماضي وما تركه الأجداد لنا، فمنهم نتعلم كلماتنا ونكتسب خبرتنا في الحياة، خاصة أولئك الذين تميزوا بالحكمة والمعرفة، ولعل العودة إلى الماضي والاقتراب من التراث الشعبي كانت إحدى ميزات برنامج وطني الذي يحرص القائمون عليه على تدريب الأطفال ورفع معرفتهم بهذا الجانب عاملين بالمثل الشعبي «من ليس له ماض ليس له حاضر»، وقد تجسد ذلك في الفعاليات التراثية التي أقيمت ضمن مخيمات صيف وطني 2009، حيث أكسبت الأطفال تجربة غنية في التراث الشعبي ستظل عالقة في أذهانهم مدى الحياة.

ولتسليط الضوء على هذه الفعالية تحديدا، التقت «البيان» رئيس قسم تنظيم الأنشطة والفعاليات في برنامج وطني، ومجموعة من الأطفال الذين شاركوا في فعاليات مخيمات صيف وطني والذين اطلعونا على تجاربهم الشخصية في هذا المخيمات وما تضمنه من فعاليات مختلفة. وحول هذه الفعاليات قالت تميمة النيسر، رئيس قسم تنظيم الأنشطة والفعاليات في برنامج وطني لـ «البيان»: «تضمن المخيم الصيفي لهذا العام العديد من النشاطات التفاعلية التي تطلق للمرة الأولى، مثل السباحة وحفظ القرآن الكريم وتعلم بناء الرجل الآلي ودورات فن التصوير ورحلات الاكتشاف الجيولوجي وغيرها من النشاطات التي أضيفت إلى قائمة فعاليات وطني، كما تضمن المخيم الأسبوع التراثي الذي تم فيه تعليم الأطفال العديد من الأمور التراثية مثل الألعاب الشعبية، والأهازيج الشعبية وكذلك الطبخ الشعبي.

وكذلك الفلك التراثي وغيرها، وقد نجحنا من خلال هذه الفعاليات بتوصيل رسالة البرنامج بصورة مثالية، وذلك من خلال تثقيف الأطفال وصقل مهاراتهم وتعليمهم الأسس التي يجب إتباعها ليكونوا حضاريين وقادرين على تقديم المنفعة لمجتمعهم ومساهمين رئيسيين في مسيرة التنمية الشاملة للوطن».

وأشارت تميمة إلى أن الهدف من الفعالية التراثية تحديدا هو تثقيف الطفل وإكسابه معلومات جديدة حول التراث الشعبي الإماراتي لم يسبق له معرفتها مثل حسابات الفلك التراثي، التي تعلم الأطفال كيفية الاستدلال على الطرق باستخدام الحسابات الفلكية ومواقع النجوم وكيف برع الأجداد بتقصي الأثر في الصحراء.

إلى جانب التعرف على الفصول وأوقات دخولها، وتحديد قبلة الصلاة في الصحراء، وبلا شك أن مثل هذه الأشياء تفيد الطفل في حياته اليومية وتربطه بتراث الأجداد، فضلاً عن ذلك قمنا بتعليم الفتيات طرق طبخ المأكولات الشعبية مثل اللقيمات والرقاق وطرق الحياكة والتطريز وصنع البراقع والشيل واكسسوارات اليد والشعر، وذلك بغية تعليم الفتاة كيفية الاعتماد على نفسها في مثل هذه الامور».

إعادة تدوير المواد والتراث

ومن أبرز الأشياء التي ميزت هذه الفعالية تحديدا هو ربطها بين التراث والاهتمام بالبيئة من خلال إعادة تدوير العديد من المواد البلاستيكية أو مخلفات النخيل، وحول ذلك قالت تميمة: فيلالقد عقدنا العديد من الورش التدريبية التراثية التي تعلم فيها الطفل الاهتمام بالتراث وإعادة تدوير الأشياء والاستفادة منها في صنع أداوت تراثية مثل الكاجوجه التي تستخدم في خياطة التطريز، فقد قام الاطفال بصنعها ـ أي الكاجوجه ـ من مواد بلاستيكية مثل عبوات المياه الفارغة.

كما تعلم الأطفال كيفيه صنع السفافة وصبغها، وقاموا بصنع مجسمات للساروت والمجبة وغيرها وهذه جميعا ما زالت تستخدمها الأسر الإماراتية حتى الآن، كما قمنا بتعليم الأطفال كيف يمكن الاستفادة من قطع القماش البالية بتحويلها إلى دمى صغيرة، بالإضافة إلى ذلك تعلموا كيفية صنع الأحذية من سعف النخيل، والتي كان أجدادنا يستخدمونها في الماضي».

وأشارت النيسر الى ورشة «ضيافتي ببشاشتي» التي صاحبت الاسبوع التراثي، حيث قام الاطفال خلالها برحلة الى خورفكان، وفيها تعلموا كيفية كان الأجداد يكرمون ضيوفهم بكل مستوياتهم، بالإضافة الى طرق التعامل مع كبار السن والترحيب فيهم وطرق ادخالهم الى المجلس وصب القهوة والبخور والعود.

التزام واستفادة

أما عن مدى استفادة الاطفال من هذه الورشات وردة فعلهم حولها، قالت تميمة: «لقد لمسنا استفادتهم من هذه الفعالية من خلال حبهم لهذه الفعالية وسرعة تعلمهم لها، بالإضافة إلى تطبيقهم لكل ما ورد فيها، فكثير منهم كان يعود الينا في اليوم التالي وهو يحمل نموذجا مما تعلمه في الورش سواء كاجوجه او دميه أو اكسسوار أو غير ذلك، الى جانب ذلك لمسناه من خلال اتصالات اهالي الاطفال التي يشكروننا فيها على ما المعرفة الجديدة التي اكتسبها اطفالهم خاصة في ورشة «ضيافتي ببشاشتي» التي شعروا انها غيرت من سلوكيات ابنائهم كثيرا، الى جانب ذلك فقد عكس التزام الاطفال بالحضور والزي الرسمي (الكندورة للأولاد والعباءة للفتيات) مدى حبهم واستفادتهم ليس فقط من هذه الفعالية انما من المخيم بشكل عام». وأضافت: «مع نهاية كل مخيم نحاول أن نبني قاعدة معلومات متكاملة حول مدى الاستفادة التي حصل عليها الطفل من المخيم، وذلك بهدف تطوير برامجنا وفعالياتنا في المخيمات القادمة، وبالنسبة لنا فنحن نقيس نجاح المخيم بمدى الاستفادة التي حصل عليها الطفل من خلاله».

تجارب حية

تقول عبير عبد الله عبد النبي محمد، إحدى المشاركات في مخيمات صيف وطني: «هذه هي المرة الأولى التي أتعرف فيها على أساليب مختلفة من أنماط العيش القديمة في الإمارات، وقد تميزت جميعها بالبساطة والعفوية والبعد عن التعقيد الذي نعيشه في ايامنا هذه، بالإضافة الى ذلك فقد اتاحت لي هذه الفعالية تحديدا الفرصة للاقتراب من الحرف التراثية التي تعلمت على الكثير منها، مثل الخياطة وحياكة الدمى التراثية من القماش والصوف والقطن، فضلا عن انني تعلمت الرقصات الشعبية التراثية، بلا شك انها كانت تجربة غنية».

أما ريم نادر عبد الله العوضي والتي أدهشتها الفعاليات التراثية فقالت: «لقد كانت هذه هي المرة الاولى التي اتعلم فيها الطرق التقليدية لطبخ الهريس والخبيص والقيمات وغيرها من المأكولات التراثية التي استمتعنا بمذاقها، خاصة وانها المرة الاولى التي اقوم فيها بصنع هذه المأكولات بيدي، الى جانب ذلك تعلمت كيف تصنع المجبة التي نستخدمها في تغطية الطعام، وايضا تعلمت كيف يكون سف السروط الذي دأب اجدادنا على استخدامه كفراش للطعام».

لقد كانت اسماء أحمد عبد العزيز الأنصاري واحدة من بين الاطفال الذين اعجبوا كثيرا بفكرة مخيم صيف وطني الذي سبق لها وان سمعت عنه من خلال صديقاتها، فقد وجدت اسماء في المخيم حلا مثاليا للاستفادة من وقتها خلال فترة الصيف، وحول مشاركتها في الفعاليات التراثية قالت اسماء: «تمكنت من خلالها تعلم اشياء جديدة لا يمكن اكتسابها في أمكنه اخرى، واجمل ما في المخيم عموما أننا نمارس النشاطات العملية طيلة النهار، حيث نبدأ بدورات السباحة والألعاب المائية والورش الممتعة والمسلية والرحلات التعريفية إلى مختلف إمارات الدولة للتعرف على المعالم التراثية والثقافية، اما روعة الفعالية التراثية فقد بدت من خلال ما تعلمناه عن عادات الضيافة والترحيب التي دأب اجدادنا على ممارستها من حيث الاستقبال وحسن الضيافة وتقديم القهوة».

برنامج وطني.. تعزيز للهوية عند الأطفال

يهدف برنامج وطني من خلال مخيماته الصيفية إلى تعزيز الهوية الوطنية لدى الأطفال، ولذلك فقد ابتكر القائمون على المخيم برنامج فيلاسفراء الهوية الوطنية« الجديد، والذي يهدف إلى اختيار 20 طفلا من بين جميع المشاركين في المخيم لتأهيلهم إلى معسكرات وطني المستقبلية، حيث يتم من خلال البرنامج استقطاب الأطفال ممن يمتلكون في شخصياتهم صفات قيادية، بهدف تأهيلهم حتى يكونوا مستقبلا سفراء للهوية الوطنية بأخلاقهم وأفكارهم وطرق تعاملهم مع الآخرين، ويعتبر هذا البرنامج هو اللبنة الأساسية لإعداد هؤلاء القادة ليتمكنوا من تمثيل «وطني» مستقبلا.

وأشار القائمون على هذا البرنامج بأن هناك شروط معينة يجب أن تتوفر في الطفل حتى يتمكن من دخوله مثل الجرأة واللباقة في الحديث، وقابلية التعلم، والانضمام إلى المجموعات والعمل بروح الفريق، وغيرها، ولاختيار هؤلاء الأطفال يقوم عدد من الخبراء خلال فترة المخيم بدراسة شخصياتهم ومقابلتهم، ومن ثم تأهيلهم إلى برنامج متخصص يكتسبون فيه مهارات معينة مثل كيف يكون قدوة ومتعاون مع الآخرين، وكيف يكون متحدث جيد، وغيرها.

غسان خروب