تستمد الأماكن عبقها من أسمائها، وتؤرخ أحداثاً مرت عليها وحوادث ارتبطت بسكانها، حتى أصبح البشر والحجر والكائنات المحيطة والبيئة التي احتضنتهم أبطالاً لمسميات الأماكن ما ساهم قي تثبيت هويتها واختصار تاريخها بأسماء خالدة، في دبي تتنامى الحضارة والأصالة جنباً إلى جنب وتنسجمان في طابع حضاري يُعطي المدينة طابعاً مختلفاً يظل باقياً في ذاكرة زواها.

وصوناً لهوية المناطق في دبي حرصت اللجنة المكلفة بعنونة شوارع الإمارة بإشراف من بلدية دبي على إتاحة الفرصة للمواطنين ليساهموا في اقتراح المسميات التراثية وإشراك المجتمع المحلي في اقتراح أسماء ومعانٍ قديمة في مختلف المناطق، حيث وجهت اللجنة الدعوة لأصحاب الخبرات ومن يمتلكون معرفة بالمعاني التراثية القديمة والتي ترغب اللجنة في إحيائها من خلال تسمية شوارع دبي وتوثيقها. حول بدايات المشروع يقول بلال البدور عضو اللجنة المكلفة بعنونة شوارع مدينة دبي: «عندما تم تشكيل اللجنة سعت بلدية دبي لمخاطبة المهتمين بترشيح قوائم الأسماء المقترحة لمختلف المناطق، ودعت اللجنة للنظر فيها وتحديد هوية المناطق»، بحيث يتم تخصيص مسمياتها بحسب طبيعتها.

ومثال على ذلك منطقة جميرا التي استخلصت أسماؤها من مفردات البيئة البحرية، مثل السفن وأنواعها ومكوناتها وأسماء الأسماك ومغاصات اللؤلؤ وأنواع الرياح والأهوية المختلفة التي تضرب المناطق الساحلية، كذلك تم إحياء بعض المفردات الخاصة بالكواكب والنجوم. وأشار البدور إلى أن الهدف هو ربط المسميات بتلك المناطق وطبيعتها، حتى عندما يتم تداولها بين السكان يسهل تحديد مواقعها والوصول إليها، فكل شارع يُسمى بما له علاقة بالبيئة البحرية كالسفن والأسماك هو حتماً يرتبط بشارع جميرا الرئيسي ويتفرع منه، لافتاً إلى اتباع المبدأ ذاته فيما يتعلق بتسمية شوارع المناطق الأخرى.

وعن أهداف المشروع الذي يسعى لتثبيت هويات المناطق عبر مسميات شوارعها، يوضح البدور: «تم اختيار عنونة الشوارع بأسماء على خلاف الأرقام المتبعة حالياً باعتبارها أكثر ثباتاً من جهة، وتثبيتاً للأسماء المحلية ذات الصلة بتاريخ المنطقة وطبيعتها من جهة أخرى، لإحيائها في أذهان الناس، وتلك حتماً فرصة لتعريف الأجيال على تاريخ المناطق في دبي، عبر دليل إرشادي خاص سيتضمن عناوين المناطق بمختلف شوارعها حسب التسميات الجديدة».

وبادرت اللجنة بإشراف بلدية دبي مؤخراً بدعوة الجمهور لترشيح أسماء لها علاقة بالمناطق، حيث يؤكد البدور: «قد يكون هناك بعض الأسماء التراثية التي تتصل بطبيعة الحياة في كل منطقة مثل الآلات والمعدات التي يتداولها السكان، فكان لا بد من إشراكهم في عملية عنونة الشوارع والاستعانة بهم في تحديد هوية المناطق عبر أسماء شوارعها».

إقبال واهتمام

وأكد البدور إقبال العديد من السكان في دبي كلاً حسب اهتمامه بالمشاركة في عنونة الشوارع، فمنهم من يهتم بالبيئة البحرية، وآخرون بالصناعات من رجال الأعمال، وهؤلاء ممن عاصروا المدينة وعاشوا تحولاتها ويمتلكون قدرة تحديد مسمياتها.

وتمتد مرحلة تنفيذ مشروع عنونة شوارع دبي لخمس سنوات، يتم خلالها اختيار قرابة 6000 اسم لمختلف شوارع الإمارة، بدءاً بالطرق الرئيسية والفرعية على اختلافها، وذلك بالتنسيق مع البلدية وهيئة الطرق والمواصلات في دبي، وشارع جميرا هو المرحلة الأولى في المشروع، تليه المنطقة الصناعية في بر دبي والمركز التجاري ثم منطقة القوز وما يليها.

وفي مدينة تتجاور فيها الأصالة والحداثة، كان لابد من إيجاد أسماء جديدة إلى جانب التراثية، فبعض المناطق القديمة في دبي ارتبطت بنوع معين من النخيل، أو الآبار أو الحرف القديمة، مثل منطقة الوحيدة التي يُقال أنها سميت على نخلة وحيدة، أو الضغاية في ديرة حيث كان الصيادون يصيدون نوعا معينا من الأسماك ويفتحون شباكهم في تلك المنطقة، بحيث تُجمع هذه الأسماء ويتم مراعاة خصوصية كل منطقة من خلال آلية معينة تشرف عليها اللجنة.

ويضيف البدور «تتخذ الشوارع المؤدية إلى المنطقة الصناعية في القوز مسميات المواد الخام المستخدمة في معظم الصناعات، مثل شارع الرصاص وشارع الحديد وشارع الحجر، أما الشوارع المتصلة بمناطق سكنية مثل أم سقيم فتتخذ صفة رموزها القديمة، ومثال على ذلك شارع المنارة، الذي سُمي على مسجد أبو منارة وهو أحد أقدم المساجد في تلك المنطقة، كذلك الأمر بالنسبة لشارع أم الشيف، الذي يربط شارع الشيخ زايد بمنطقة أم الشيف والتي سُميت نسبة إلى مجلس غرفة أم الشيف الصيفي للمغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم.

على ضفاف البر الثاني لدبي، هناك أيضاً مناطق تواجد فيها السكان منذ القدم، ووضعوا بصماتهم وملامح حياتهم بين أزقتها وعلى ضفاف خورها. يقول بلال البدور: «لمنطقة سوق ديرة القديم مسميات محلية اتخذت طبيعة السلع المباعة فيها، مثل سوق السلاح وسوق الأدوية وسوق المناظر وسوق المعدن وغيرها وستبقى كما هي متداولة بين الناس، وسيعمل المشروع على تدوينها وتثبيتها في الأذهان»، وبلا شك تمنح تلك الأسماء المكان هويته وخصوصيته التي تمتع بها كمركز تجاري مميز على ضفاف الخور.

تثبيت الهوية

جمعة بن ثالث- باحث في التراث وعضو في لجنة عنونة شوارع الإمارة، يؤكد أن مشروع إعادة تسمية شوارع الإمارة من شأنه تثبيت هوية المناطق والحفاظ على خصوصيتها، وإبراز معالمها الحضارية، سيما في شارع جميرا الذي ظهرت شخصيته الساحلية عبر أسماء مستمدة من البيئة البحرية، واقترح بن ثالث إضافة بعض الأسماء المستمدة من النخيل والآبار التي وجدت في منطقة جميرا سابقاً حتى تُحدد هوية المنطقة بصورة واضحة، فهي منطقة زاخرة بالنخيل إلى جانب ارتباطها بالصيد.

ويرى بن ثالث أن بعض المناطق ارتبطت بأحداث مرت عليها وحددت هويتها، مثل منطقة القوز الصناعية التي كانت تُسمى سابقاً «الميصّه» أو «المجصّة» أي المكان الذي يُصنع فيه الجص (الطين المعجون المُستخدم في تثبيت حصى البناء أو طلائه وهو أبيض اللون شاع استخدامه في البيوت القديمة) حيث كان من الأولى تسمية الشارع المؤدي إليها باسمها القديم بدلاً من شارع الرصاص، إلى جانب مناطق أخرى مثل منطقة طوي الحليو (والطوي هو البئر وسُمي بالحليو لعذوبته وهو معروف لدى السكان في جميرا قديماً) التي يؤدي إليها شارع أم الشيف حالياً، بينما غرفة أم الشيف تقع في منطقة جميرا الثالثة يفصل بينها وبين شاطئ البحر شارع جميرا، وبذلك تكون أقرب لشارع جميرا منها إلى شارع الشيخ زايد، كما قال بن ثالث إن الشارع المؤدي إلى كلية الشرطة بدبي يقع في منطقة «الثنيه» التي سُميت بذلك نسبة لانثناءة اليابس على شكل منحنى تتجمع في المياه، بينما شارع الثنيه يبعد عن تلك المنطقة.

وأثار مشروع عنونة المناطق في مرحلته الأولى ردود أفعال بعض السكان الذين اعتبروا الأسماء غير دقيقة ولا تعبر عن هوية المناطق بصورتها الصحيحة، مثل منطقة القوز الصناعية، مثل شارع الحديد والحجر المؤديان لمنطقة القوز، حيث اعتبروها أسماء جديدة لا تعبر عن هوية المنطقة الحقيقية، بينما هم ما زالوا يتداولون أسماءها القديمة التي تسمت بألقاب العائلات ممن سكنوها.

6 آلاف اسم تراثي خلال المرحلة الأولى لعنونة شوارع دبي

أكد بلال البدور عضو اللجنة المكلفة بعنونة شوارع مدينة دبي أن مرحلة تنفيذ مشروع عنونة شوارع دبي ستمتد خمس سنوات، يتم خلالها اختيار قرابة 6000 اسم لمختلف شوارع الإمارة، بدءاً بالطرق الرئيسية والفرعية على اختلافها، وذلك بالتنسيق مع البلدية وهيئة الطرق والمواصلات في دبي، وشارع جميرا هو المرحلة الأولى في المشروع، تليه المنطقة الصناعية في بر دبي والمركز التجاري ثم منطقة القوز وما يليها.

وبادرت اللجنة بإشراف بلدية دبي بدعوة الجمهور لترشيح أسماء لها علاقة بالمناطق، حيث يؤكد البدور: «قد يكون هناك بعض الأسماء التراثية التي تتصل بطبيعة الحياة في كل منطقة مثل الآلات والمعدات التي يتداولها السكان، فكان لا بد من إشراكهم في عملية عنونة الشوارع والاستعانة بهم في تحديد هوية المناطق عبر أسماء شوارعها».

كما تم اختيار عنونة الشوارع بأسماء على خلاف الأرقام المتبعة حالياً باعتبارها أكثر ثباتاً من جهة، وتثبيتاً للأسماء المحلية ذات الصلة بتاريخ المنطقة وطبيعتها من جهة أخرى، لإحيائها في أذهان الناس، وتلك حتماً فرصة لتعريف الأجيال على تاريخ المناطق في دبي، عبر دليل إرشادي خاص سيتضمن عناوين المناطق بمختلف شوارعها حسب التسميات الجديدة.

الأسماء تعكس واقع السكان في الماضي

الأسماء الراهنة لبعض المناطق في دبي هي انعكاس لواقع مر على السكان، أو التصق بالأرض ومكوناتها، أو سلوك ارتبط بالحركة السكانية في المنطقة، والأمثال على ذلك كثيرة، فالأسواق المنتشرة في المنطقة القديمة بديرة مازالت تحتفظ بمسمياتها القديمة، مثل سوق الصخام، أي الفحم، وسوق الجملة الذي شاع البيع فيه بالجملة.

أما المناطق والواحات غالباً سُميت تبعاً لآبارها الشهيرة، فيُقال أن منطقة الخوانيج سُميت نسبة إلى بئر ماء عذب تسمى الخوانيج، كذلك الحال بالنسبة لمنطقة العوير، أما أم سقيم سميت نسبةً لانتشار مرض «سقم» الحمى في فترات ماضية، وتم تصغير الاسم بأم سُقيم. ولعب موقع المنطقة دوراً في تسميتها، فمنطقة الرأس في دبي سُميت بذلك كونها تُشكل رأس اليابسة الممتد في خور دبي، وهي منطقة نشطة تجارياً سكنها الأهالي منذ القدم، كذلك بالنسبة لبعض المناطق مثل جبل علي التي كانت تقع على ربوة مرتفعة وسُميت نسبة لرجل يُدعى علي هو أول من سكنها.

وجدير بالذكر أن مشروع عنونة الشوارع يمتد بمختلف مراحله إلى خمس سنوات سيتم خلالها عنونة شوارع 12 منطقة، تضم منطقة التراث والأسواق القديمة والمنطقة الساحلية ومناطق الإسكان المختلطة والمناطق الموازية لخور دبي والمناطق الصناعية ومناطق سكن المواطنين ومناطق الاختصاص المالي ومناطق القصور والسكن الخاص والمناطق ذات الاختصاص الأكاديمي والثقافي والمنطقة الريفية ومنطقة المدن العالمية بالإضافة إلى مناطق السلطة الحرة.

أمل الفلاسي