حذر خبراء وعاملون في مجال الصحة والصيدليات في منطقة الساحل الشرقي من خطورة التهاون في استخدام الأدوية بدقة وخصوصا التي تأخذ ضمن وصفات طبية، مشيرين إلى تسجيل حالات إدمان نفسي لبعض الأدوية المصرح بها رسميا وتؤدي إلى مخاطر صحية كبيرة، مشيرين في الوقت ذاته إلى عدم وجود أقسام نفسية للمراكز الصحية المتوافرة حالياً بالمنطقة.
الأمر الذي يستوجب توفيرها لعلاج مثل هذه الحالات النفسية واستيعاب أعدادها التي بدأت في التزايد مؤخرا بفعل عوامل مختلفة في مقدمتها ظروف الحياة المتغيرة وتطوراتها المتسارعة، كون هذه الفئة التي تعاني من تجاهل تام بحاجة إلى رعاية عالية وإلى كوادر طبية متخصصة، وذلك بالإشارة إلى حادثة في خورفكان لثلاثة مراهقين يبلغون من العمر 18 سنة، يتعاطون أدوية نفسية خاصة بناء على وصفة طبية أعطيت لهم لعلاج ما يعانونه من مرض نفسي، ولكن أدى عدم متابعة حالاتهم إلى دخولهم حلقة الإدمان فاقتحموا مستشفى حكومياً عنوة، وقاموا بالاعتداء على العاملين هناك من أجل سرقة عقاقير طبية معينة. وقد نفى اختصاصيون في المجال النفسي خلال حديثهم إلى البيان ارتباط الجريمة بالمرض النفسي، فغالبا ما يكون الخطر على الشخص نفسه، مشيرين إلى أنه ليس بالضرورة أن يكون المريض النفسي مجرما، معتبرين أن المجرمين مؤخرا اتخذوا من المرض النفسي مطية لارتكاب تجاوزاتهم، حتى تخفف الأحكام عليهم، فالحكم يخفف في بعض الحالات التي يثبت فيها عدم استقرار نفسية المجرم أو عدم سلامة عقله، وذلك بعد عرضه على لجنة طبية شرعية ومختصة للتأكد من حالته النفسية.
ذرائع للجرائم
محمد عبدالله الزرعوني وكيل أول في نيابة خورفكان الكلية أشار إلى أنه لا ينكر اتخاذ البعض ممن يتعاطون عقاقير طبية المرض النفسي كذريعة لإدمانهم أو ارتكابهم جريمة بعينها، إلا أنه يؤكد وجود حالات فعليا تعاني أمراضاً نفسية وتدمن على العقاقير الطبية بسبب سوء استخدامها إلى جانب التفنن في توفير أنواع أخرى من مواد مخدرة وخلطها مع تلك العقاقير النفسية، ما يؤدي إلى الإدمان النفسي وهو من أشد وأخطر أنواع الإدمان وينتشر هذا الأمر تحديدا في الفئة العمرية مابين 18 -25 سنة، وذلك بسبب تضارب مفعول تلك الأدوية، حيث تزايدت في الأشهر السابقة وفق ما تم تسجيله مؤخرا في النيابة بإجمالي نسبة لا بأس بها تزيد على 10% بالمقارنة مع الفترة ذاتها من السنوات السابقة.
ويأتي ذلك لعدة أسباب تتعلق بالجهل بالمرض والمريض النفسي وضعف المعلومة والإدراك، ونظرة المجتمع لهذا الشخص، إلى جانب أن المتغيرات الاجتماعية المتكررة كان لها دور في معاناة بعض الناس وزياراتهم للعيادات الخاصة، فضلا عن غياب لغة الأرقام والمعلومات عن هذه المشكلة. لافتا إلى أن عددا كبيرا من الجهات معنية بمتابعة هذه القضية لخطورتها على المدى البعيد، بالإشارة إلى أن المراكز المختصة تنحصر في التحويل إلى أبوظبي ودبي والشارقة لاستقبال مثل هذه الحالات ما يشكل ضغطا عليها لاستيعاب أعداد المرضى المتزايدة، ويؤخر في الوقت ذاته عليهم سرعة التحقيق والبت في قضاياهم المطروحة.
وطالب الزرعوني بأن يكون هناك مرونة في التعامل مع هذه الفئة وخصوصا الجهات الأمنية، لأن تضييق الخناق عليها يعني اضطرابها، الأمر الذي سيكون له آثار سلوكية سلبية قد تصل إلى الوفاة، حيث تنتج عن تعريض الأشخاص لصدمة وخصوصا بعد ضبطهم وفي متناولهم الأدوية المصرح بها رسميا، ليتم توقيفهم وحجزهم على ذمة التحقيق إلى جانب مصادرة مضبوطاتهم من الأدوية حتى التأكد من سلامتهم من الإدمان.
موضحا بأن بقاء المريض في السجن لفترة غير معلومة تشكل مشكلة خطيرة على هذا الشخص كونه مريضا نفسيا وليس شخصا مدمنا، ما يعني زيادة معاناته والدليل على ذلك تعرض شخص موقوف لأول مرة بعد ضبطه من الشرطة لاكتشاف عقاقير طبية لديه، ليتم إحالته على ضوئها إلى النيابة العامة بعد البحث والتحري، من اضطراب شديد كاد يؤدي به إلى الموت بعد محاولته الانتحار جراء عدم تناوله أدويته المعتادة.
كما أوضح الزرعوني بما يفترض على الأطباء من جهة أخرى في العيادات الخاصة بالذات وهو تحديد خلفية المريض ومن يرافقه ويعتني به، وتوعيته بطرق إعطاء الدواء والجرعات والتوقيت وغيرها من الأمور، لافتا إلى أهمية إنشاء قسم نفسي في المنطقة أو النيابة العامة لتسهيل إجراءات التحقيق مع هؤلاء المرضى في حال ارتكابهم لجريمة معينة أو ضبطهم ومعهم أدوية معينة تدخل في حيز التأثير العقلي.
اعتقادات خاطئة
ومن جهة أخرى، قال الدكتور هيثم شبايك رئيس قسم الطب النفسي في مستشفى خورفكان إن الحالات التي تتوافد للعلاج في العيادة النفسية بمستشفى خورفكان مثلها مثل الحالات التي تذهب للعلاج إلى المستشفيات والعيادات النفسية على مستوى الدولة، والتي تستقبل أنواع الاضطرابات والأمراض النفسية المختلفة، بما فيها الاضطرابات الأكثر انتشارا وشيوعا مثل أمراض القلق والتوتر النفسي والاضطرابات الناجمة من الضغوط النفسية والعصبية، إضافة إلى أمراض الاكتئاب بأنواعها.
وأوضح دكتور هيثم أن هناك فرقاً بين الإدمان النفسي للدواء والشعور والاعتماد الكيميائي على الدواء، على اعتبار أن الإدمان النفسي هو أن يصر المريض على تناول دواء معين، اعتقادا منه أن هذا الدواء من دونه لن تشفى حالته المرضية أو يستقر وضعه الطبي وهذا اعتقاد خاطئ أو توهم غير حقيقي لأن المريض دون الدواء تنتكس حالته وسبب ذلك هو الراحة الشديدة والشعور بالشفاء الذي يشعر به المريض حين تناوله دواء معين بعد فترة طويلة من المعاناة والمرض، بينما الاعتماد والتعود الكيميائي على العقاقير الطبية عندما يعتمد الجهاز العصبي للمريض على تأثير عقار معين تناوله المريض لفترة من الزمن ويصبح استقرار حالته معتمدا على تناول هذا العقار بصفة منتظمة.
ونرى ذلك عادة عند تناول بعض العقاقير والمهدئات النفسية التي تنتمي إلى الجيل القديم من الأدوية النفسية والتي لا يحبذ معظم الأطباء النفسيين وصفها في الوقت الحالي إلا في أضيق الحدود، وذلك طبقا لحسابات معينة لدى الأطباء ومتابعة منتظمة للمريض منعا لحدوث أي سوء استخدام للعقار أو ظهور أي آثار جانبية له. علما أنه وبشكل عام لا يحدث الاعتماد والتعود الكيميائي إلا عند سوء استخدام العقار الطبي وتعاطيه بعيدا عن الرقابة والإشراف الصحي المناسب.
ومن هنا تأتي ضرورة إنشاء بنية تحتية لأقسام صحية خاصة لعلاج هؤلاء المرضى وأسرهم واستقطاب المختصين في علم النفس، ليس على مستوى اختصاصي اجتماعي أو نفسي، إنما على مستوى أكاديمي راقٍ، على اعتبار أن المعتقدات الخاطئة لدى عامة الناس في الحالات والعلاجات النفسية تسيء إلى واقع الحال.
كما أنه من الأهمية بمكان أن يكون هناك قسم نفسي خاص سواء في المستشفيات الحكومية أو بالمراكز الصحية بالمنطقة، أو إيجاد مراكز صحية متكاملة لعلاج المرضى النفسيين وأسرهم دون تحويلهم إلى مستشفى الأمل وعيادات خاصة في الإمارات الأخرى البعيدة نوعا ما، هذا إلى جانب توعية المجتمع وإرشاده للتعامل مع المريض النفسي بشكل صحيح حتى لا يتأخر علاجه.
الرقابة على الأدوية
أشار محمد عبد الودود «صيدلاني » إلى عدم إعطاء الأودية وخصوصا تلك التي تسبب أعراض الهلوسة والتخدير إلا بوصفات طبية ويختلف ذلك حسب الأعمار، لافتا إلى أن هناك أدوية تكون عادية تستخدم في أغلب الحالات ولا تسبب الإدمان قطعا، كما أن هناك أدوية خاضعة للرقابة من قبل وزارة الصحة وتعطى عن طريق المستشفيات الحكومية وكذلك عدد من الصيدليات، والتي في أغلبها تدخل ضمن الأدوية النفسية والمخدرة، وهذا لا يعني أنها مسببة للإدمان، فأحيانا تفرض الرقابة نتيجة وجود أعراض جانبية خاصة أو نظام إداري معين يتبعه الطبيب، بينما هناك أدوية تخضع لرقابة صارمة من الوزارة وهي الأدوية النفسية التخصصية التي لا تؤخذ إلا من أطباء متخصصين وعن طريق المستشفيات الحكومية فقط.
مشيرا إلى وجود حالات فعليا تشتكي أعراضا مرضية معينة تتطلب نوعا من الأدوية أو ما يشابهها في التركيبة، إلا أنه يتم الاعتذار لها وعن عدم وجودها أساسا، وطلب تحويلها إلى الطوارئ في المستشفى الذي يتولى هذا النوع من المعاينة وإعطاء الأدوية المناسبة.
كما لفت عبدالودود إلى نقطة توضح دورهم الحالي في كيفية ضبط نوعية الأدوية إن كانت تؤخذ بصفة رسمية أم لا، وذلك عبر الرقابة باستخدام الوصفات الطبية والتي تحدد تواريخ صرفها وكمياتها ونوعها واسم الشخص وما إلى ذلك، إلى جانب الرقابة والمتابعة الدائمة من قبل المفتشين على الصيدليات.
إلا أنه يتمنى أن تتم الرقابة باستخدام الحاسوب الذي يربط الصيدليات بالوزارة مباشرة بهدف الرصد على كل العمليات المتعلقة بهذه الأدوية من تواريخ شرائها والمستودع الذي باعها والشخص الذي قام بشرائها، وهي الطريقة المعمول بها في بعض الدولة الغربية، دون وضع قيود وشروط في بيع الأدوية التي يكثر تناولها بيد الشباب في صيدليات معينة وفي المستشفيات، بحيث تسهل مراقبة بيعها وصرفها وكما يسهل على الصيدليات أيضا التأكد من موثوقية الوصفات الموجودة بين أيدي الأفراد.
ناهد مبارك

