عادة ما تهوى الفتيات الصغيرات اقتناء الدمى وخاصة تلك الدمية التي على شكل عروس صغيرة بثوبها الأبيض أو الملون المزركش، في حين نرى الأولاد يلهون بكرة القدم وألعاب أخرى كالسيارات والقطارات وغيرها، وعلى ما يبدو أن لهذا دلالات تبرز ملامح اختلاف «هي» عن «هو».

كما أن ارتباط الفتاة الصغيرة بدميتها العروس يتشكل مع نموها ويتحول لحلمها الخاص بأنها تشبه تلك العروس، وتبدأ في التفكير في ليلة عرسها وكيف ستكون هي ملكة هذه الليلة. والحقيقة أن مغزى هذا التصور هو محاولة لفهم أهمية ليلة العرس لدى الفتيات، وذلك من خلال استطلاعنا لآراء البعض من فتيات وسيدات حول مدى تقبلهن لفكرة إقامة عرس جماعي للبنات على غرار أعراس الشباب. فإلى أي مدى يمكن أن تتشبث الفتاة بصورتها في ليلة عمرها وحلمها بها؟ وهل ستتقبل أن تشاركها فيها أخريات؟

وهل العرس الجماعي للفتيات قابل للتحقيق في مجتمعنا؟. الدكتورة شيخة عبيد الطنيجي رئيس قسم أصول التربية بجامعة الإمارات رأت أن فكرة العرس الجماعي سهلة التحقيق بالنسبة للرجال ولكنها صعبة للإناث في مجتمعنا، فمن الصعب أن توافق الفتيات عليها ولن تنجح بالشكل المتخيل لها، لأن هناك خصوصية للفتاة وهناك ثقافة أهل ومجتمع، فلكل أسرة وضعها وأسلوبها المختلف عن الأخرى، ولديهم رؤيتهم لأعراس بناتهم.

وكذلك الفتاة لديها تلك الصورة أو الحلم بليلة الزفاف، بالإضافة إلى الالتفات إلى نقطة هامة وهي أن أعراس الرجال متشابهة في الفكرة عامة من ناحية الصورة الطبيعة والطقوس التي تجمعها، أما عرس الفتاة فلكل منهن طريقة ورؤية خاصة.

قيم وقناعات:

وتضيف د. الطنيجي أن الفكرة من الناحية العقلية أو من ناحية الفوائد التي يمكن تحقيقها تعد ممتازة، كونها تعلي من شأن مفهوم الزواج بأنه ليس مجرد حفل بل هو حياة، كما أنها ستقلل من التكاليف، ولكن التطبيق ليس سهلا، مشيرة إلى أن بعض الفتيات قد يقبلن بالفكرة ويتحمسن لها وذلك سيكون نابعاً من وصولهن لقناعة بقدسية وأهمية الزواج بحد ذاته بغض النظر عن الشكليات. لكن غالبية الفتيات ينظرن للموضوع بصورة مختلفة.

ولو توقعنا أن الأسر محدودة الدخل قد تكون أكثر إقبالا على الفكرة، فإن هذا أيضا لن ينطبق على الجميع لأن الفتاة وإن كان زوجها بإمكانيات متواضعة فهي على استعداد لمساعدته ماديا بشرط إقامة ليلة زفافها الخاصة بها، وبعض الحالات يكون كلا الزوجين ميسور الحال ولكن قد يشاركان بالعرس الجماعي لأن لديهم قيماً دينية عالية.

ثقافة الاقتصاد أفضل

وأشارت د. الطنيجي إلى أن نجاح فكرة العرس الجماعي للطرفين في بعض الدول العربية لطبيعة تلك المجتمعات واختلافها عن المجتمع الإماراتي، فهناك عنصر الاختلاط في الحفل فلا يشعر كل طرف بأنه يحتفل وحده، بالإضافة إلى الظروف المادية وظروف الحياة التي تجعل بعض الفتيات لا يفكرن في الجوانب الشكلية بقدر التركيز على تحقيق الزواج من الشخص الذي تحبه، فهناك ثقافة مختلفة.

بينما نحن في الإمارات وكمجتمع خليجي فإن قدسية الكماليات أكبر لدينا عن الدول الأخرى، موضحة أن الشباب سيؤيدون الفكرة بالتأكيد لأن الشاب لا يهتم بحفلة العرس ولا يحب الجلوس في الكوشة، بالإضافة إلى نظرته لجانب التكاليف التي تختلف عن الفتاة، حتى الأسرة تتعامل مع العرس على أنه فرحة للجميع وكل فتاة من الحضور ترتدي ثوب وكأنها العروس، لذا فإن التركيز على خلق ثقافة الاقتصاد وعدم التكلف في الأعراس ستكون مجدية أكثر من ثقافة العرس الجماعي للبنات.

لا للجماعي

هبة آل بريك مسؤولة علاقات عامة بإحدى الشركات أكدت رفضها تماما لفكرة حفل زواج جماعي للفتيات، معتبرة أن كل فتاة تحلم بليلة زفافها ولا تتمنى أن يشاركها فيها أحد، مشيرة إلى أن هناك بعض الحالات التي كانت تحدث سابقا في إطار الزواج المشترك في مجتمعنا، كزواج بعض الأخوة أو أبناء العمومة في ليلة واحدة، وهذا في أقصى الحدود لمن كانت تقبل بفكرة ليلة زفاف مشتركة، ولكن بخلاف ذلك فالفكرة ليست سهلة.

كما تذكر هبة أن الموضوع إذا كان مقصود به التوفير وتقليل التكلفة فإنها مستعدة لإقامة ليلة زفافها ببيتها وبين أسرتها، مقابل أن يبقى لها خصوصيتها وإحساسها بأنها عروس الحفل وزوجها معها، موضحة أن هناك زواجا جماعيا في الدول العربية الأخرى لأنه قائم في الأساس على الاختلاط واجتماع العروسين معا بالإضافة إلى أن للمشاركات فيه أسبابهن وقناعاتهن.

كما تحدثت هبة عن أن أحلامها في الزواج تعتمد على النمط الذي يجمع البساطة والجمال معا،فهي تميل لشكل العرس الأوروبي الذي لا يبرز تكلفا ومغالاة كما يحدث في الأعراس اليوم، فهي لا تحب الضخامة وكثرة الحضور والابتكارات التي يميل لها البعض، وهنا تشير إلى أن الأهل أحيانا يكونون السبب في زيادة تكاليف العرس لحرصهم على الظهور أمام العائلات الأخرى بمظهر خاص بهم ومميز.

لا نسعى وراء المادة

في حين كان لراضية التميمي الموظفة بإحدى الشركات رأي مختلف حيث أبدت استعدادها للمشاركة في فكرة العرس الجماعي من منطلق الإحساس بالمسؤولية المجتمعية، مشيرة إلى أنها كأي فتاة تحلم بيوم الزفاف وليلة خاصة بها يشاركها فيها الأهل والجيران والأصدقاء، ولكن إذا كان لهذا العرس هدف اجتماعي فهي مستعدة للمشاركة، ولكنها ستكون حريصة على الاحتفال بشكل خاص وبسيط على مستوى أسرتها ولو بحفل في المنزل للاحتفاظ بالخصوصية والتقاط الصور التذكارية لهذه المناسبة مع أهلها وأصدقائها.

واعتبرت أن طرح فكرة عرس جماعي للفتيات سيخلق ثقافة مختلفة وسيؤكد أن الفتاة لا تسعى وراء الزوج القادر على دفع المهر المرتفع وإقامة العرس الضخم، فكثيرات يردن العيش باستقرار مع الزوج المناسب، ولا ترى مانعاً في أن يتعاون الطرفان معا في بداية حياتهما لأن الشاب في النهاية يعتمد على راتبه.

وذكرت راضية أنه وإن لم تكن هناك فكرة عرس جماعي للفتيات، فإن الفتاة يجب أن تعي كيف تبدأ حياتها الزوجية، وأن تقيم عرسا في حدود إمكانات زوجها دون دفعه نحو الديون التي تعد بداية الطريق نحو المشكلات التي تفضي إلى الطلاق، لذا يجب أن نرتقي بتفكيرنا ونعمل على الترفع عن الصرف الزائد غير المجدي، والتخطيط للاستفادة من المال بشكل أفضل يعود بالنفع على الحياة الزوجية كالتفكير مثلا في البدء بمشروع صغير. فالزواج ليس حفلا فقط بل هو حياة مليئة بالمسؤوليات.

نظرة واقعية

من جانبها لا ترى إيمان الصايغ مشكلة في قضية عرس جماعي للفتيات، فإذا كانت ظروف الزوجين المادية لا تسمح ولديهما فرصة للمشاركة في عرس جماعي فلا مشكلة في ذلك، مشيرة إلى أنها كأي فتاة سترى أن الفكرة ليست سهلة.

ولكن إذا تعاملنا مع الأمور بواقعية ومنطقية ستتغير نظرتنا للموضوع، فمن خلال النظر للمسألة على مستوى الخليج ككل سنجد أن الأعراس الجماعية مطبقة في السعودية للطرفين الشاب والفتاة وناجحة، بينما في البحرين مثلا هناك شباب يقضون سنوات في انتظار جمع المال الكافي للزواج، وفي الإمارات فإن الوضع المالي جيد لدى البعض فيتزوج دون مشكلة وآخرون في ظل متطلبات الزواج يقعون في الديون، وكثير من حالات الطلاق التي تحدث يكون سببها الدين، فكيف يمكن تصور استمرارية حياة بدأت بديون.

واعتبرت أن العرس الجماعي للفتيات سيساهم في تقليل التكاليف التي يمكن أن تستغل في تجهيز بيت الزوجية والاستعداد للحياة الجديدة، كما أنها ستساعد عدداً كبيراً في الإقبال على الزواج، وستخلق وعيا لدى الشباب بكيفية التعامل مع الإنفاق في حياتهم كذلك ستقضي على مشاكل الطلاق والعنوسة ولن تجعل الشباب ينتظر حتى الثلاثينات ليتزوج.

وإيمان التي تزوجت منذ فترة قليلة قالت إنها تطبق تفكيرها في حياتها فهي لم تكن متطلبة في حفل زفافها، ولم تكن مبالغة في مهرها، فأهم شيء هو اختيار الزوج الجيد والصالح الذي ستعيش معه بقية حياتها، والمطلوب من الفتاة أن تقدر ظروف الشاب الذي سيتزوجها وتسعى معه للاستقرار، وتقول إن الوقت قد حان لتغيير ثقافتنا وأفكارنا في مجال احتفالات الأعراس.

وللرجال رأي أخر

الشيخ عبد العزيز الحمادي الموجه الأسري بدائرة الأحوال الشخصية بمحاكم دبي ذكر أن فكرة الأعراس الجماعية سواء للذكور أو الإناث جيدة ما دامت الجهة المنظمة لها جهة رسمية وتعدها وفق الضوابط الشرعية، ولكنه رأى ضرورة ألا تكون هذه الأعراس صورية وشكلية فقط، لأن البعض يشارك في عرس جماعي ثم يقيم فيما بعد عرساً آخر خاصاً به وبأهله فما الفائدة التي نجينها في مثل هذه الحالات التي تحدث بالفعل.

وأكد الشيخ الحمادي أن مثل فكرة الزواج الجماعي تساهم في التقليل من العبء المادي على الشباب اليوم، وطبقا لما يسمعه عادة من أرقام وإحصاءات فإن أكثر من 70% من الشباب الإماراتي عليهم ديون قبل الزواج.

مشيرا إلى أن الكثير من حالات الطلاق التي ترد إليهم في المحاكم لها علاقة بمسألة الديون والأمور المالية وذكر حالة إحدى الأخوات التي اشتكت بأنها تعيش في سكن صغير وضيق على أولادها منذ سبع سنوات من الزواج وتريد بيتاً اكبر لراحة أسرتها، وعند مراجعتهم لجذور المشكلة وجد أن الزوج غير قادر على توفير السكن الملائم لأنه مدين بـ 600 ألف درهم منذ زواجه وفي أمور كمالية. ويقول إن حفلة العرس شيء جيد للإعلان والإشهار والفرحة ولكن دون مغالاة ومبالغة في الإنفاق عليها ودعوة الآلاف من الحضور.

واعتبر أن التوعية عملية تكاملية، فهناك تقصير على مستوى الجميع من أفراد ومؤسسات في مجال التوعية، ولو أن كل منا لعب دوره بالشكل المطلوب لوصلنا لهدفنا من درجة وعي شبابنا، فالأسرة يجب أن تقوم بدورها في توعية أولادها خاصة الفتاة التي تحتاج لذلك لأننا نعيش في مجتمع محافظ والفتاة تنتظر من الأسرة الخبرة والنصح والتوجيه، كذلك المؤسسات المختلفة ووسائل الإعلام يجب أن تلعب دورها وتفسح المجال من خلال برامجها للقاء المختصين واطلاع الشباب على الواقع ليتعلموا من تجارب الآخرين وخبراتهم.

مركز التواصل للاستشارات الأسرية ينظم عرساً جماعياً لـ 26 شاباً وفتاة

أكدت أمينة الماجدالمديرالعام لمركز التواصل للتدريب والاستشارات الأسرية والاقتصادية في أبوظبي أن المركز يدعم فكرة الزواج الجماعي ويشجع عليها بين الفتيات، والعائلات لتعزيز إقامة أفراح أبنائهم وبناتهم معا بما يوطد العلاقات الاجتماعية ويقارب بين الأهل ويدعم شباب العائلة في زواجهم ويقلل التكاليف عليهم.

وأشارت إلى تجربة الناجحة في مجال إقامة عرس جماعي للشباب والبنات من المواطنين والذي نفذوه في إطار حملة « الترابط الأسري» التي نظموها وشارك فيها نحو 26 عريساً وعروساً، وتم إعطاء خصوصية للعروس بدخول كل عروس وحدها إلى صالة الحفل وإتاحة المجال لها للالتقاط الصور الخاصة بها مع أهلها وأصدقائها، مؤكدة أن الفكرة كانت رائعة جدا وناجحة.

وقالت الماجد إن هناك شباباً أنفقوا مبالغ وصلت إلى 600 ألف درهم على أعراسهم، والنتيجة ديون متراكمة وعدم استقرار للطرفين، ومثل هذه المشكلات المادية تفضي غالبا إلى الطلاق، لذا يجب أن تتغير نظرتنا في التعامل مع حفلات الأعراس، كما أن الغالبية العظمى يحبون الترف والإنفاق في الزواج وقلة قد تصل إلى 2% يفكرون بشكل عقلاني.

لبنى أنور والبيان