يتميز كل عصر في التاريخ ببحثه عن التنوير في منحى معين، حيث يُنبش الماضي ويُلفظ ما كان في زمن مضى منارة للتقدم والمعرفة ليؤخذ بما كان مهملا أو منبوذا، وفي القرن الواحد والعشرين تستحوذ الذات، على اهتمام أكبر من أي زمن مضى.

في هذا الإطار صدرت العديد من الكتب والدراسات والأعمال الأدبية، وواكبها مؤخرا في إطار الفن التشكيلي صدور كتاب«وجه إلى العالم: في البورتريهات الشخصية»، للناقدة الفنية البريطانية لورا كامينغ. وقد قدم ملحق صحيفة الجارديان نيوز الأسبوعي«ذا أوبزيرفر» عرضا للكتاب بقلم ريتشيل كاسك. تتناول كامينغ في كتابها عدة محاور لقراءة بورتريهات الفنانين، وتؤكد أن البورتريه الذي يرسمه الفنان لنفسه يحمل بعدا لا يمكن تلمسه في البورتريهات التي يرسمها لشخصيات أخرى، وذلك انطلاقا من أن الفرد يعرف عن نفسه أكثر مما يمكن معرفته عن الآخر، لذا فإن بورتريهات الفنانين الشخصية تحمل دوما عمقا معينا أو مصداقية تتجلى في نظرة العين غالبا، سواء كان أسلوب الرسم جادا أم ساخرا.

تعطي مثالا على ذلك بورتريه الفنان الهولندي فانسنت فان كوخ (1853 - 1890)، والفنان الفرنسي جوستاف كوربيه (1819 - 1877) ولوحته بعنوان «رجل يائس». وتبين كامينغ أن تلك الخصوصية أكثر ما تتجلى في البورتريهات التي يرسمها الفنان لنفسه بعد تقدمه في العمر، إذ تحمل اللوحة عبء المعرفة والإحساس بالانحدار إلى نهاية العمر، كلوحة الفنان الهولندي رامبرانت فان ريجين (1606 - 1669) التي رسمها لنفسه حينما كان عمره 69 عاما.

وتعتبر أجمل لوحة في هذا الإطار، اللوحة الشخصية للفنان النرويجي إدوارد مانش (1863 - 1944) التي رسمها عام 1940 حينما كان عمره 77 عاما وهي بعنوان«المهجور: بين الساعة والسرير».

في محور آخر، تتحدث الكاتبة عن لغة الفن التي تعتمد بالمجمل على مصطلحات فنية غريبة بعض الشيء، والتي تتحرر من جمودها أو غرابتها أمام لوحة شخصية رسمها الفنان لنفسه، حيث تأخذ الكتابة ولغة التعبير اتجاها آخر خارج دورها كوسيط فني لرؤيا بصرية.

وتقدم مثالا على خصوصية اللغة المستقاة من الفن، من خلال ما قيل في لوحة «وصيفات الشرف» التي رسمها الفنان الاسباني دييغو فاليسكيز (1599 - 1660) عام 1656، والتي تعتبر من أهم اللوحات الفنية في الغرب. فقد اختزل الرسام الإيطالي لوكا جيوردانو (1632 - 1705) قوله فيها إلى عبارة خاصة بالفن هي،«لاهوت الرسم»، وفي القرن التاسع عشر قال الفنان سير تومانس لورنس (1769 - 1830)، أحد أشهر رسامي الوجوه في بريطانيا، عن اللوحة «فلسفة الفن».

وتبين كاتبة المقال، ان أهم ما يميز الكتاب هو رسمه عبر الفن، لخط بياني للذات ومجموعة تحولاتها. وتعلق أيضا على محور آخر من الكتاب يتمثل في رؤية الفنان لذاته عبر شفافية العلاقة مع المضمون، والتي إما تنطلق من الفئة التي تكتسب معرفتها الحياتية من معرفتها لنفسها، أو من هؤلاء الذين يحرصون على بقاء ذاتهم مختبئة ليأتي العالم في المقدمة كحقيقة وواقع.

تذكر كامينغ أن الفئة الثانية لا تشعر بالراحة إزاء نظرة مباشرة لنفسها، مثل الفنان الفرنسي بوسان الذي يتجلى في لوحته البورتريه انحراف زاوية نظره عن المشاهد والذي يوحي، بتحفظه وحرصه على مسافته الفاصلة عن المحيط الاجتماعي. كذلك الأمر مع الفنان الاسباني فرانشيسكو غويا (1746 - 1828)، وإن كان انحساره بسبب مرضه وإصابته بالصمم الذي تسبب في عزلته عن العالم الخارجي.

باختصار يعتبر هذا الكتاب من المراجع الفنية القيمة التي تربط بين الفن والواقع، ونافذة تضيء الجانب الشخصي من حياة رواد الفن الكلاسيكي والتعبيري. ويلخص مضمون هذا الكتاب ما قاله فان كوخ في إحدى رسائله«من الصعب أن تعرف نفسك. والأصعب أن ترسم نفسك بنفسك».

دبي - رشا المالح