شجرة اللبان عبر مسيرتها الطويلة لها تاريخ قديم، جعل منها جسراً للتواصل بين حضارات العالم منذ القدم، كانت قوافلها تتحرك على طرق شاقة من ظفار في جنوب عمان، إلى شواطئ جنوب العراق، والى اليمن والشام ومصر، وحتى فلسطين التي حملت منها السفن العمانية اللبان إلى البلدان الأوروبية، ولا يزال اللبان العماني واليمني يعتبر من أفضل أنواع اللبان في العالم.
وللبان استعمالات كثيرة كان في صناعة الأدوية والزيوت والمساحيق والعطور، أو في العلاج الشعبي، وكثير من الناس يستخدمون ثمارها في ماء الشرب. حيث يعتقد أنها تساعد على «الإدرار»، كما أنها تجعل الماء بارداً ونقياً في أوقات الصيف، ويتم استخدام اللبان كمادة هامة في صناعة البخور الذي يستخدم في الكثير من المناسبات الاجتماعية، المرتبطة بعادات الزواج والولادة، وخاصة في الإمارات حيث لا يوجد بيت إماراتي في قرية أو مدينة يخلو من اللبان العربي، وعادة ما يكون مخلوطا بعدد من بذور الأعشاب وبعض التوابل والنباتات العطرية البرية والجبلية إضافة إلى حجر الشب.
شجرة مقدسة يؤخذ اللبان من شجرة صمغ ولا يوجد هذا النوع إلا في مدينة الشحر بحضرموت وجبال اليمن وعمان، والذكر منه المستدير الصلب الضارب إلى الحمرة، والأنثى الأبيض الهش وآخر يسمى المدحرج، وتبقى قوته نحو عشرين سنة، وهو حار في السنة الثانية أو الثالثة، ويقال انه يجلو القروح ويصفي الصوت ويفيد في عسر النفس والسعال والربو، كما يخلط مع زيت الزيتون أو السمسم لإزالة آلام الأذن، ويخلط مع زبيب الجبل والزعتر لعلاج ثقل اللسان. وقد ازدادت أهمية هذه الشجرة نتيجة للمادة التي تنتجها، والتي تستخدم في العديد من الأغراض سواء في المجالات الطبية، أو المنزلية، أو في المناسبات الدينية، والعائلية كالأعراس، بجانب استخداماتها اليومية في المنازل على شكل بخور ذات رائحة طيبة، كما يستخدمها البعض في عملية الصمغ خاصة النساء.
إضافة إلى استخداماتها الأخرى، ويطلق البعض على هذه الشجرة بـ ''الشجرة المقدسة''، وتنمو شجرة اللبان بشكل طبيعي على الحواف المتأثرة بالأمطار الموسمية، ونظرا لما تمثله هذه الشجرة من أهمية تاريخية وطبيعية ودينية واقتصادية وصحية، فقد أجريت لها العديد من الدراسات والأطروحات العلمية حولها، والتي تناولت هذه الشجرة من زوايا مختلفة.ويعتبر اللبان عمود التجارة الأساسي في جنوب شبة الجزيرة العربية قديما، ومصدرا مهما من مصادر الدخل حيث اشتهرت بإنتاج أجود أنواع اللبان في العالم، لتوفير المناخ الملائم لنمو أشجاره في مجموعات صغيرة، ويكون ارتفاع شجرة اللبان حوالي ثلاثة أمتار وتصبح قادرة على العطاء بعد ثماني أو عشر سنوات من زراعتها.
أغراض متعددة
يقول حسن الشريف: الأصل في صمغ اللبان انه يستخرج من أشجار أو شجيرات تسمى «بوسفليا سكرا فلو كغر» وهي من فصيلة البخوريات، وموطن إنتاج أنواع اللبان بشكل أساسي يقع في الساحل الأوسط لجنوب الجزيرة العربية، وبالذات منطقة حضرموت، ومنطقة ظفار، وكذلك جزيرة سقطرى، والساحل الصومالي حيث ينمو اللبان على جانبي خليج عدن، ولما كانت معظم الدول التي كان اللبان مطلوباً فيها غير قادرة على إنتاجه فقد دفعها ذلك إلى نوع من النشاط للبحث عنه.
وكذلك أدى إلى تطوير التجارة الدولية، وذلك باستعمال قوافل الجمال على ما يسمّى طريق البخور الذي يبدأ باليمن ويتجه شمالاً إلى فلسطين ثم سوريا ومصر، وحاليا يستعمل اللبان في معظم بيوت أهل اليمن وأهل الخليج، ويستفاد منه لأغراض متعددة، كما انه مصدر دخل حاليا لليمن.
بخور للماء
وتقول يسرى محمد: لا يمكن أن تجد بيتا إماراتيا في قرية أو مدينة خاليا من اللبان العربي، وعادة ما يكون مخلوطا بعدد من بذور الأعشاب وبعض التوابل والنباتات العطرية البرية والجبلية إضافة إلى حجر الشب، لكن اللبان تحديدا هو الأهم فهو سيد هذه المجموعة من المكونات النباتية المجففة، وقد عرف الإماراتيون اللبان العربي المسمى محليا بـ «المَاكَل» منذ القدم حيث يجلبه التجار من اليمن وعمان، واستخدموه لأغراض عدة كعلاج للأعراض الباطنية، فهو منقوعا في الماء لمشاكل الكلى والأمعاء.
وهو ممضوغا مطيب للنَفَس ورائحة الفم ومدر للعاب، كما له العديد من الاستخدامات التي ألفها الناس ومازالوا أوفياء لها، ولهذه النبتة المباركة في نظرهم، كما كان السكان قديما يبخرون به الماء حيث يحرق تحت زير الماء، ويحكر دخانه ثم يسكب الماء في الزير فيمنح الماء طعما ورائحة مميزان.
وتبخر به البيوت الجديدة قبيل سكناها، لكن الأهم من ذلك كله أن اللبان مكون أساسي في تحضيرات أدوات الحامل قبيل وضعها، حيث يحرق اللبان على مدى أربعين يوما تحت مهد الرضيع، حيث يسود الاعتقاد بقدرته على إبعاد الشياطين عن مهد الطفل خاصة في سويعات المغرب، كما تبخر باللبان ثياب الرضيع وثياب أمه، لتمنحها رائحة زكية محببة تجلب الهدوء.
رائحته زكية
وتضيف أمل: لم تخلُ البيوت الإماراتية العابقة بالعطور والبخور والروائح المعتقة يوماً من اللبان، الذي يستخدم على الدوام كمعطر ومعقم للجو، بطريقة تشبه استخدام البخور والعود لرائحته الزكية والعطرة، وارتبط استخدامه في الأدوية العشبية، ويدخل في مكونات المركب الدوائي «الحلول» وهو خلطة من عدة أعشاب تجلب من الهند، هي الخروع، واليليلان «بذور الكزبرة»، واللبان، والزعتر البري والحبة السوداء، واليعدة والحلبة، فمفعوله ملطف للخليط الدوائي، ويستخدم أحياناً لتبخير الماء وله فوائد طبية عدة، كما يتم استخدامه كعلكة تُمضع بهدف التخلص من غازات المعدة.
لكن بعض الأطباء حذرمن الآثار السلبية لمضغ «اللبان» على الفك، رغم الاعتقاد السائد لدى العديد من الناس بأن له العديد من الفوائد سواء في الهضم أو في تعطير رائحة الفم أو تقوية عضلات الفك، لأنه يتم استخدام عضلات ومفاصل الفك تلقائيا في الأكل والكلام وابتلاع الريق أكثر من 1500 مرة يوميا ويتضمن ذلك انقباض عضلات الفك حتى تنطبق الأسنان العلوية والسفلية على بعضها.
وفي حالة مضغ «اللبان» فإن كمية الضغط المتولدة من هذه العضلات تكون كبيرة لدرجة أنها تصيب الفك بالتضخم والإجهاد وعدم الراحة والشد العضلي، و الأبحاث الحديثة أثبتت أن لعضلات الفك ذاكرة قوية للغاية، فإذا تم التعود على مضغ «اللبان» لفترة طويلة فإن العضلات تستمر في الانقباض حتى بدونه، مما يتسبب عنه الضغط على الأسنان حتى دون وجود «اللبان» وبالتالي تنعدم فترة راحة العضلات والمفاصل الصدغية.
شجرة اللبان.. حضور تاريخي كبير
حظيت شجرة اللبان عبر مسيرتها، بحضور تاريخي هائل جعل منها جسراً للتواصل بين حضارات العالم القديم قبل أكثر من 7 آلاف سنة، ولأجلها تحركت القوافل التجارية، في مسارات شاقة من ظفار بجنوب عمان، الى شواطئ جنوب العراق، والى الشام ومصر القديمة، وحتى غزة الفلسطينية الساحلية، التي حملت منها السفن ثمار الشجرة الظفارية إلى البلدان الأوروبية، وخاصة روما القديمة.
ويعتقد اللبان انه جاء اشتقاقا من اللبن «لبن الشجرة» أو ما يسمى بالعلك المر أحيانا، و هو ضرب من صمغ الشجر كاللبان، يمضغ ويستخدم كبخور أحيانا، وله له أنواع عديدة ويتم استخراجه مرتان او ثلاثة سنوياً من شجرة ال؟ندُر أوشجرة اللبان أو اللبنى، ويتم استخراج أجود أنواع اللبان عالميا من أشجار اللبان من عمان حيث يعرف هذا اللبان بأسم اللبان العماني، يليها بالجود اللبان اليمني، الا أن شجرة اللبان تنتشر في بقية أجزاء شبه الجزيرة العربية وشمال الصومال وأثيوبيا .
كانت اليمن قديما تعتمد على تجارة اللبان، وقد اعتمدت على تجارته حضارات قديمة مثل حضارات مثل مملكة معين وسبأ والأنباط، ويعتقد أن مركز تجارة اللبان كانت مدينة ارم ذات العماد ''المفقودة'' جنوب الجزيرة العربية.
إبريل الموعد السنوي لاستخراج اللبان
يستخرج اللبان في أوائل شهر إبريل من كل عام، وما أن تميل درجة الحرارة إلى الارتفاع، حتى يقوم المشتغلون بجمع الثمار، «بتجريح» الشجرة في مواضع متعددة، فالضربة الأوغ يسمونها «التوقيع»، ويقصد به كشط القشرة الخارجية لأعضائها وجذعها، ويتلو هذه الضربة نضوح سائل لزج حليبي اللون، سرعان ما يتجمد فيتركونه هكذا لمدة 14 يوماً تقريباً، وتتبعها عملية التجريح الثانية ''ثمار درجة ثانية '' .
حيث أن النوعية في هذه المرة لا تكون بنفس القدر من جودة المرة الأوغ، فضلاً عن كون الكميات المنتجة منها غير تجارية، ويبدأ الجمع الحقيقي بعد أسبوعين من التجريح الثاني، حيث ينقرون الشجرة للمرة الثالثة، في هذه الحال ينضح السائل اللبني ذو النوعية الجيدة، والذي يعد تجارياً من مختلف الجوانب، ويكون لونه مائلاً إلى الصفرة، وضرب أشجار اللبان ليست عملية عشوائية، وإنما هي عملية تحتاج إلى مهارة فنية خاصة ويد خبيرة، وتختلف الضربات من شجرة إلى أخرى حسب حجمها، ويستمر موسم الحصاد لمدة ثلاثة أشهر، ويبلغ متوسط إنتاج الشجرة الواحدة عشرة كيلو جرامات تقريباً من الثمار.
جميل محسن



