غالبا ما تكون مشكلاتنا الصحية نابعة من عادات غذائية ويومية غير صحيحة خاصة في ظل الحياة العصرية ونمطها الذي يدفع الإنسان إلى البحث عن كل ما هو سريع وسهل ومصنع، ومن بين المشكلات الصحية التي قد يشكو منها البعض ما يتعلق بآلام الصدر، والتي يكشف التشخيص الطبي مصدر هذه الآلام وأسبابها .

والتي قد تعود لمشكلة صحية في المعدة أو الرئة أو الشرايين أو حتى القلب، حيث يعتبر الاختصاصيون في مجال آلام الصدر بأن أي ألم في المنطقة المحصورة بين منطقة «الذقن» وحتى «السرة» يندرج ضمن آلام الصدر، ولكن لا يمكن اعتبار أي ألم بسيط في هذه المنطقة بمجرد حدوثه حالة مرضية، كما يجب الالتفات إلى معرفة ما هي العادات اليومية التي قد تصل بالفرد منا للشكوى من مثل هذه الآلام.

ولا شك أن حصول مدينة الشيخ خليفة الطبية بأبوظبي على الاعتماد العالمي كمركز متميز لعلاج آلام الصدر «المرحلة المتخصصة والمتطورة» من قبل الجمعية الطبية العالمية لمراكز علاج آلام الصدر، يعتبر طاقة أمل أمام الذين يعانون من هذه الآلام، حيث إن هذا الإنجاز يتطلب منا ضرورة الاستفادة من خبرات هذه المدينة الطبية وجهودها في مجال علاج آلام الصدر، وما إن كانت هذه الجهود العلاجية تحتاج للدعم من الأفراد من خلال الوعي بالجانب الوقائي وكيفية الحفاظ على الصحة تفاديا للتعرض لهذه المشكلات الصحية، ومعرفة حجم الإصابة بهذه المشكلات الصحية في الدولة.

يقول الدكتور نزار البستاني استشاري أمراض القلب ورئيس قسم قسطرة القلب والمدير الفني لمركز علاج آلام الصدر بمدينة الشيخ خليفة الطبية مفهوم آلام الصدر بشكل عام بأنها آلام يشعر بها المريض في المنطقة الممتدة من « الذقن» وحتى « السرة» فأي مشكلة في أي من الأعضاء التي تضمها هذه المساحة من رئة ومعدة وقلب ومريء، كلها تظهر في شكل آلام بالصدر، ولها أعراض مرضية تتمثل في ألم وثقل في الصدر مصحوبا بألم في الظهر والذراع اليسرى بالإضافة إلى التعرق وربما يرافقها إحساس بضيق التنفس، وتستمر لفترة تتجاوز الخمس دقائق، بمعنى أنه ليس كل ألم في الصدر هو حالة مرضية.

وأشار إلى أن هذه الآلام إذا ظهرت بهذه الصورة فهي تكون ناتجة عن أسباب عدة منها ارتجاع حموضة المعدة أو مشاكل في الرئة أو في المعدة أو المريء ولكن أخطر هذه الآلام ما يكون ناتج عن حدوث جلطة في القلب أو ذبحة صدرية غير مستقرة، وبطبيعة الحال فإن عملية تحديد مصدر وسبب الألم يكون من خلال التشخيص الدقيق للحالة وهذا ما يقوم به قسم الطوارئ في مدينة الشيخ خليفة الطبية بمجرد وصول الحالة التي تعاني من آلام في الصدر حيث تفحص مباشرة وتحول إلى القسم المختص طبقا للتشخيص.

وذكر الدكتور نزار أن أهم شيء في حالات الإصابة بالجلطات هو التعامل معها بأسرع وقت وبالشكل الصحيح من ناحية التشخيص والعلاج، لأنه كلما تأخرنا وطال الوقت تأثرت عضلة القلب لدى المريض، مشيرا إلى أنه من بين معايير العمل التي تميز بها مركز آلام الصدر في المستشفى لديهم هو سرعة نقل لحالات المرضية التي تعاني من آلام الصدر لسرعة علاجها وذلك في اطار التعاون والتنسيق بين المدينة الطبية وإسعاف شرطة أبوظبي.

التدخين والسمنة

وتحدث الدكتور نزار عن الإصابة بتصلب الشرايين التاجية موضحا أن هناك العديد من المسببات التي تؤدي لحدوث تصلب الشرايين والتي يجب أن يعيها الأفراد تماما ومنها عادة التدخين والسمنة، وأن أكثر الحالات تعرضا للإصابة بها من يعانون من أمراض السكر والضغط وارتفاع الكولسترول، وهنا حذر د. نزار من التدخين ومخاطره على الصحة العامة وخاصة أمراض القلب والشرايين، وكذلك من المشكلات الصحية التي تترتب على تناول الوجبات السريعة التي تحتوي نسبة عالية من الدهون وتساهم في زيادة ترسبها في الجسم وبالتالي زيادة الوزن لدى الفرد وخاصة لدى صغار السن المقبلين على تناول الوجبات السريعة وغيرها من العادات الغذائية السيئة.

حياة مرفهة وقلة حركة

واعتبر د. البستاني انه من الضرورة لحماية أنفسنا من مثل هذه المشكلات مستقبلا الابتعاد عن العوامل المسببة لها من تدخين والغذاء غير الصحي بالإضافة إلى الاهتمام بممارسة الرياضة وجعلها من عاداتنا اليومية، لأنها ستعالج نمط حياتنا اليومي الذي يعتمد فيه الفرد على عدم بذل المجهود من خلال التنقل بالسيارة والأعمال المكتبية وغيرها من الأمور التي تقلل من حركة الفرد وتزيد من تعرضه لمشاكل السمنة، فنمط الحياة المرفه له سلبياته على الفرد.

ومشكلة تصلب الشرايين تنتج عن تلك الترسبات الدهنية التي يسببها الغذاء المليء بالكولسترول والتي تزداد وتتجمع في الشرايين فتؤدي لضيق الشريان وبالتالي يحتاج المريض للعلاج، والذي قد يتطلب عمل قسطرة للقلب وفي بعض الأحيان الحاجة إلى توسيع الشريان وتركيب الشبكات المعدنية داخل الشرايين، وربما تتطور الحالة فيحدث انغلاق في الشريان ويصاب الفرد بالجلطة.

الذبحة والجلطة

من جانبه أوضح الدكتور شريف بكير استشاري أمراض القلب رئيس قسم اختبارات القلب الغير نافذة بمدينة الشيخ خليفة الطبية، أن كثير من الأفراد لا يفرقون بين الذبحة الصدرية والجلطة، موضحا أن الذبحة الصدرية هي عبارة عن ألم في الصدر له علاقة بالمجهود الذي يبذله الفرد ويزول الألم عند الراحة، وهي تشير لوجود ضيق في الشريان وعند بذل المجهود تكون الحاجة لضخ كمية أكبر من الدم المحمل بالأكسجين فيحدث الألم، وفي حال الراحة يقل الاحتياج للأكسجين وتكون نسبة الدم والأكسجين التي تضخ عبر الشريان إلى القلب أقل فلا يشعر الإنسان بذلك الألم.

أما الجلطة كما يقول الدكتور بكير فهي ناتجة عن انسداد مفاجئ للشريات بسبب الدهون المترسبة فتحدث الجلطة، مشيرا إلى أننا نسمع في بعض الأحيان عن انسان لا يعاني من مشكلة صحية ولم يشكو من أي مرض وفجاة يدخل المستشفى مصابا بجلطة، وتفسير ذلك ينطلق من حقيقة أننا جميعا وبشكل طبيعي ومن أعمار صغيرة يكون لدينا ترسبات دهنية ولكنها بسيطة وبنسب قليلة، ولكن هذه الدهون تزداد مع الأسباب السابقة المتعلقة بالعادات الغذائية السيئة والتدخين والسكري.

وبالتالي فالشخص لا يكون يعاني من شيء ولكن وجود احد تلك العوامل أو أكثر يعرض الفرد للإصابة بتصلب الشرايين مما يؤدي إلى حدوث انسداد مفاجئ، مؤكدا أن نحو 17 % ممن هم في العشرينيات من العمر يكون لديهم ترسبات دهنية ولكنها بسيطة، بينما النسبة تصل إلى 80% لمن هم في سن الخمسين.

كما ذكر الدكتور بكير أن متوسط الأعمار التي تصاب بالجلطات في الامارات تكون في عمر « 51» عاما اما على مستوى الخليج فهي « 56» عاما وفي أوروبا « 61»، بمعنى ان الحالات التي تتعرض للجلطات لدينا تكون في أعمار أقل عن المعدل العالمي بعشر سنوات، وهذا مؤشر الى حاجتنا لمزيد من الوعي والابتعاد عن المسببات لمشكلات وآلام الصدر، وبالأخص السكري والسمنة، موضحا أن طبيعة الحياة المرفهة وقلة الاعتماد على الحركة كلها تخلق هذه المشكلات.

المدينة تحتضن أفضل الممارسات العالمية في أمراض القلب

حرصت مدينة الشيخ خليفة الطبية على توفير أفضل الممارسات الطبية العالمية في رعاية أمراض القلب والأوعية الدموية، مما ساهم في تحقيقها الاعتماد العالمي كمركز متميز لعلاج آلام الصدر «المرحلة المتطورة» وذلك من خلال تقييم فريق من خبراء الرعاية الصحية العالمية الذي يضم عددا من أطباء القلب من جمعية مراكز آلام الصدر.

وتعتبر مدينة خليفة الطبية هي المستشفى الأول الذي يحظى بهذا الاعتماد العالمي خارج أمريكا، حيث يتطلب الاعتماد في هذه المرحلة المتقدمة التوسع في مشاريع تحسين الجودة في مجال علاج آلام الصدر والتدريب المكثف للموظفين في التعامل مع تلك الحالات وتوفير الكادر الطبي المعتمد في مجال أمراض القلب والأوعية الدموية، والاستمرار في التوسع وتثقيف المجتمع حول آلام الصدر والعوامل المؤدية لها وكيفية التعامل معها.

وذكر الدكتور نزار البستاني أن المدينة الطبية تعتبر المركز الوحيد في الشرق الأوسط الذي يوفر العمليات الأولية لتوسيع الشرايين والذي يتضمن نقل المرضى المصابين بالنوبات القلبية مباشرة من قسم الطوارئ إلى جناح القسطرة القلبية لإجراء قسطرة قلبية لعلاجية.

ووفقا لإرشادات جمعية القلب الأمريكية والدراسات السريرية فإن حصول عملية توسعة أولية طارئة ناجحة للشرايين التاجية يجب أن يكون معدل الزمن المستغرق بين دخول المريض غرفة الطوارئ وفتح الشريان باستخدام البالون في مختبر قسطرة القلب أقل من 90 دقيقة، وفي مدينة خليفة الطبية فإن أكثر من الـ 85% من الحالات تتم عملية القسطرة في أقل من 90 دقيقة وهذا انجاز هام.

والحقيقة أن مدينة الشيخ خليفة الطبية حصلت على الاعتماد نتيجة التزامها بتطبيق العديد من المعايير العالمية والتفوق فيها ومنها التعاون الكبير لقسم طب الطوارئ ومركز علوم القلب مع قسم الإسعاف بشرطة أبوظبي، وفحص تقييم مرضى الطوارئ الذين يعانون من أعراض آلام الصدر في وقت قياسي، والمبادرات المستمرة لتحسين الجودة وتوفير الكادر الطبي والفني المتخصص والمعتمد وتقديم خدمات فعالية للرعاية الصحية وتثقيف المجتمع حول آلام الصدر.

السجل الخليجي

تأكيدا على ما سبق ولبيان حجم المشكلات المتعلقة بآلام الصدر، تناول الدكتور نزار البستاني الإحصاءات التي تضمنها « السجل الخليجي» موضحا أنه في الفترة من يناير وحتى مايو من العام 2007 م تم جمع البيانات الديموغرافية وكيفية علاج مرضى الجلطة وحالات ما قبل جلطات القلب من خلال ما يسمى بالسجل الخليجي الموحد، وكانت الدول المشاركة في هذا السجل كل من الإمارات والبحرين وقطر وسلطنة عمان والكويت واليمن.

وقد تم إدراج (2706 ) مريض من كل هذه الدول، وكان نصيب الإمارات 20% من العدد الإجمالي وكان عدد المستشفيات المشاركة من الإمارات 14 مستشفى، وعند مقارنة المعدل الحسابي لأعمار المرضى، كان المعدل الحسابي لمرضى الإمارات (7, 52 عاما )، مقارنة بـ (2, 57 عاما) في الدول الأخرى، وكانت نسبة الذكور في الإمارات (87%) مقارنة ب (73%) في الدول الأخرى المشاركة في السجل.

وعندما ننظر إلى العوامل المؤدية لتصلب الشرايين في هذا السجل نجد أن نسبة الإصابة بمرض السكري كانت 41% من إجمالي المصابين، ونسبة الإصابة بالضغط 50%، ونسبة الإصابة بارتفاع الدهون 32%.

المدينة تدرس إقامة عيادة خاصة لحالات هبوط القلب

ذكر الدكتور نزار البستاني أن مدينة خليفة الطبية تدرس حاليا إقامة عيادة خاصة بالتعامل مع حالات هبوط وظائف القلب، مشيرا إلى أنهم بعد تحقيقهم هذا الاعتماد العالمي سيكون لديهم تركيز اكبر على معايير الجودة بالنسبة لآلام الصدر المتعلقة بمشكلات القلب والأوعية الدموية، لأن التطوير لا يعني توفير أجهزة ومعدات حديثة فقط بل التطوير الحقيقي في معايير العمل وجودة الأداء، وان لديهم اليوم عيادات متخصصة في مجال علاج آلام الصدر الناتجة عن مشكلات القلب، فلديهم عيادات متقدمة ومتخصصة لحالات اضطرابات كهربائية القلب وفسيولوجيته، واخرى لمنظمات نبضات القلب وفق أعلى التقنيات وهذا في اطار التطور والتخصص.

وأوضح أنه في ظل تطور الرعاية الصحية والتوعية بالدولة أصبح عمر الفرد أطول والناس تعيش لأعمار أكبر وبالتالي فان هذه الأعمار الكبيرة التي تعيش الى سن الشيخوخة ستواجه المشاكل الصحية المرتبطة بهذه المرحلة العمرية المتقدمة والتي يعد هبوط وظائف القلب أحدها.

لبنى أنور