لا يزال ما تبقى من آثار خجولة للحياة الاجتماعية في الثقافة المحلية يحظى برواج كبير بين الإماراتيين، ولا تغادر صور تفاصيل «الفريج» والأحياء الشعبية القديمة والحياة التكافلية حاضرة في ذاكرة أبناء هذا الوطن.

وتُعد مجالس الأحياء السكنية أحد أبرز المعالم التي تميّز بها المجتمع الإماراتي، والتي نشأت بمبادرات جماعية تطوعية ركيزتها التواصل الدائم بالآخر ومساعدته في تلبية احتياجاته.

وفي بادرة لتعزيز ذلك الموروث وصون البيئة الملائمة لاستمراريته، أطلقت هيئة تنمية المجتمع بدبي مشروع التواصل مع المواطنين في الأحياء السكنية بالمدينة عبر 7 مجالس في المرحلة الأولى، بهدف تنمية الفرد وتمكينه اجتماعياً من خلال سلسلة من البرامج التي تعزز دور المجالس باعتبارها حلقة وصل بين الفرد ومختلف الجهات المعنية بحل قضاياه.

«البيان» التقت القائمين على المشروع للحديث عن أهدافه ودوره والخطوات المستقبلية وتفاصيل أخرى، حيث يؤكد أحمد المهيري مدير برنامج المراكز المجتمعية في الهيئة أن دور المجالس التي تنعقد بصورة دورية مع السكان يكمن في متابعة قضاياهم والتأكد من وصولها للمعنيين من المسؤولين أصحاب القرار حتى يتم حلها، ويشير إلى هدف اللقاءات في إيجاد بدائل للطرق المتعارف عليها في حل القضايا، وأهمية إشراك جميع المعنيين بالموضوع في إيجاد حلول بديلة.

بدءاً، ما الهدف من مشروع التواصل مع المواطنين في الأحياء السكنية؟

نهدف إلى إيجاد طريقة للتوصل لاحتياجات السكان في المجتمع الإماراتي بصورة سهلة، والهيئة التي تفرض خصوصيتها غير المحصورة بتقديم الخدمات فقط، الهدف بالنسبة لنا هو الفرد وتنميته واستمرارها، نتجاوز مفهوم الخدمات التي تتيحها غيرنا من الدوائر بالنسبة لنظام الشكاوى والمقترحات، بل لابد من الوصول للفرد، وذلك لا يتعلق فقط بالمجالس، بل سياسة تتبعها الهيئة في جميع الخدمات التي تقدمها بمختلف الإدارات.

وعندما نتحدث عن الاحتياجات الراهنة للإماراتيين ومراعاة للثقافة التي تتمتع بخصوصية نرى أهمية تواجد هذا النوع من المجالس، الذي بدأ بالانحسار في الفترة الأخيرة، وجزء من أهداف المشروع هو إعادة إحياء ثقافة مجالس الأحياء السكنية، بطريقة تتلاءم واحتياجات الإماراتيين.

والهدف الثاني يتحقق من خلال عملية التواصل مع الأفراد، ونحن في هذا المشروع نود تفعيل دور المجالس عبر أسلوب شعبي للتواصل، يتسم بالراحة والمرونة وهو أسلوب محبب إلى قلوب السكان بعيد عن الرسميات. ووجدنا اليوم أن الإماراتي يفضل التواصل الشخصي للتعبير عن همومه وقضاياه، إلى جانب كل ذلك نحن نطمح للمزيد من التواصل الداخلي في المجتمع.

متابعة وشفافية

في المرحلة الأولى للمشروع، كم يبلغ عدد المجالس؟

هناك خمسة مجالس في جميرا ومجلس في الراشدية وآخر في الممزر، وأخرى تحت الإنشاء في الخوانيج ومنطقة جميرا، وهناك خطة تشمل مجالس أخرى، والغرض منها إيجاد وسط تحت مظلة حكومية، ونحن نسعى أيضاً للتواجد في المجالس الخاصة العديدة الأخرى. ولكن ما يميز هذه المجالس في الأحياء، هو القدرة على احتوائها والإشراف عليها دون استئثار أحد الأطراف، بل نعمل على المشاركة وتفعيل هذه المجالس نزولاً عن رغبات وتوجهات روادها من السكان.

ذلك يعني أنكم تتعاملون مع شريحة مختلفة من الاحتياجات والقضايا التي لا يمكن حصرها، ما نوع الخدمات التي تقدمونها؟

دورنا يكمن في متابعة القضايا والتأكد من وصولها للمعنيين من المسؤولين أصحاب القرار، حتى يتم حلها، ولا بد من أريحية التعبير واعتماد مبدأ الشفافية بصورة دائمة مع السكان، بعض الحلول ستكون في الهيئة نفسها وعبر مؤسساتها المختلفة، مثل المنافع الاجتماعية وحقوق الإنسان، والتراخيص والرقابة وغيرها من الخدمات التي تقدمها الهيئة، مع وجود حلول عبر مؤسسات أخرى خارج الهيئة، مثل القطاع الخيري وجمعيات النفع العام ومؤسسات القطاع الحكومي حيث يقع على عاتقنا متابعتها في مختلف المراحل حتى يتم تنفيذها. وأعود لأؤكد بأن هدف المجلس يتمثل بصورة رئيسية في إحياء دوره السابق.

وكيف تعمل الهيئة على تلبيتها أو التعاطي معها؟

دورنا يؤكد إيصال صوت الجمهور إلى الجهات المعنية، وليس فقط تقديم خدمات اجتماعية؛ فنحن معنيون بتنمية المجتمع عبر الأفراد، ونحن مجرد وسيط في تلك العملية، نقوم بوضع خطط لتنفيذ مختلف المتطلبات، ومثال على ذلك قضية سكن العزاب في منطقة الراشدية والتي سيتم خلال الجلسة المقبلة دعوة مختلف الجهات المعنية بالأمر وسيتمكن السكان من طرح الأسئلة التي تشغلهم، ونقوم نحن بإدارة عملية التنسيق.

فقبل الجلسة الأولى كان لدينا توقعات حول متطلبات السكان، وأعددنا مسحا مبدئيا لمنطقة الراشدية، وتلمسنا خلالها أهم القضايا التي طُرحت، والتي جاءت متوافقة مع توقعاتنا.

- هل لديكم خطط في الهيئة لحل قضية مثل سكن العزاب بالتعاون مع مختلف الجهات المعنية؟

نحن لا نغفل دور الجهات المعنية التي اتخذت إجراءات رادعة، ولكن علينا تفعيل الأمور بطريقة أفضل. والبحث الدائم عن حلول مختلفة وجدوى تطبيقها. وأؤكد أن إعادة طرح هذه القضايا لا ينفي دور الجهات المعنية، بل يلفت إلى ضرورة التنسيق فيما بينها للتأكد من تنفيذها.

حلول بديلة

هذا فيما يتعلق بالتنسيق فيما بين الجهات المعنية، هل لديكم إجراءات توعية خاصة بكم في الهيئة؟

نؤمن بضرورة إيجاد بدائل للطرق المتعارف عليها في حل القضايا، وفرض القانون ليس حلاً وحيداً، بل من الأهمية إشراك جميع المعنيين بالموضوع في إيجاد حلول بديلة، عبر التواصل مع السكان الذي يختصر العديد من الإجراءات، أو حتى اللجوء إلى توعية السكان بضرورة حل قضاياهم ودياً، احتمالية انتقال السكان إلى مناطق جديدة أمر وارد ومتكرر، وعلينا من الآن توعية أصحاب المنازل القديمة بضرورة تأجيرها لمن يراعي آداب الأحياء السكنية التي تقطنها العائلات بما يصب في مصلحة المجتمع، وذلك ينساق على مختلف الأحياء السكنية وليس فقط منطقة الراشدية.

بينما يُعد مجلس الراشدية نموذجاً سيتم خلاله التعرف على آلية العمل والتي ستعمل الهيئة على تطبيقها تباعاً في المجالس الأخرى حتى يتم الاستفادة من التجربة بصورة تحقق الاستفادة القصوى من المشروع، مع حفظ خصوصية كل منطقة.

هل كانت حاجات السكان متشابهة في مختلف المناطق السكنية؟

بالتأكيد هناك فوارق، من خلال التواصل المبدئي مع السكان تبينّا خصوصية كل منها، وطبيعتها الجغرافية وسكانها، مع وجود قضايا مشتركة مثل سكن العزاب، والتي ما إن يتم حلها في منطقة ما حتى يتم تداركها في مناطق أخرى.

ما هي أهم البرامج والخطوات المقبلة؟

في المرحلة الأولى سيقتصر التركيز على منطقة الراشدية ومناطق أخرى بطرق مختلفة، ولكن بمجرد التعرف على مدخلات التجربة سيتم تعميمها على مناطق أخرى، والخطوات المقبلة تتمثل في وضع نظام للتواصل، وتجربة الاحتمالات الأخرى التي تتضمنها الخطة للاستفادة من المجالس. على سبيل المثال اليوم ينحصر دور المجلس في التواصل، مع إمكانية تحوله في المستقبل إلى مكان تقديم خدمات، نزولاً عند رغبة السكان، وهناك احتمالات كثيرة حول الدور المتوقع من هذه المجالس.

هل تتوقع انحسار الدور الرسمي لهذه المجالس بعد فترة من تفعيلها؟

نأمل ألا تكون هناك حاجة لتواجدنا في هذه المجالس، مع ضرورة استمرارية تواجدها كموروث محلي ودليل على هوية المجتمع الإماراتي.

حلقة وصل

يؤكد أحمد سعيد البخيت مدير التوافق الاجتماعي وشؤون المتطوعين أن دور المجالس يجمع بين كونها منبراً للتواصل مع السكان ومنسقاً بين مختلف الجهات المعنية، وجهةً لمتابعة مختلف القضايا حتى الوصول إلى إيجاد حل.

ويقول: «من خلال الزيارة الأولى في مجلس الراشدية تم الاجتماع بالسكان والزوار من مناطق أخرى، والاستماع لاحتياجاتهم، ومن هذا المنطلق فنحن في الهيئة نطرح بصورة دائمة مفهوم التمكين الاجتماعي، وذلك من خلال مساعدة السكان على اتخاذ خطوة إيجابية نحو حل المشاكل التي تواجههم، وقد حرصنا على أن تكون اللقاءات ذات طابع اجتماعي ودي، يتم خلالها مناقشة القضايا بحرية، تمكن السكان من إبداء آرائهم بكل أريحية، وخلال اللقاء الأول عبر السكان عن مشاكل يمر بها جيرانهم مبدين تضامناً معبرين عن بضرورة إيجاد الحل لها. في المرحلة الثالثة، يتم دراسة متطلبات السكان، والمتابعة في حلها مع مختلف الجهات الحكومية والخاصة، كلاً حسب اختصاصه، أو بين السكان وحلها بصورة ودية».

الهيئة تفتح أبوابها لاستقبال احتياجات السكان

يقول حميد الشامسي رئيس قسم التوافق الاجتماعي في هيئة تنمية المجتمع إنه من خلال اللقاء الأول بالسكان والتعرف عليهم وتعريفهم برؤساء المؤسسات والأقسام في الهيئة وطبيعة عملها ونوعية الخدمات المقدمة، تم فتح المجال أمام السكان للاستفسار عن خدمات الهيئة.

ولم يكن لدى السكان أي طلبات محددة أو مباشرة، وأبدوا سعادةً وترحيباً بفكرة إحياء هذه المجالس التي ترعاها الهيئة بتوجه من حكومة دبي، والتي تعمل على الإشراف وإدارة هذه المجالس وتلبية احتياجات السكان.

أهم ما تناوله اللقاء الأول هي قضية مساكن العزاب في منطقة الراشدية، وذلك نتيجة لانتقال العديد من قاطنيها إلى مساكن أخرى جديدة فاتحين الأبواب أمام المؤجرين دون أدنى وعي بطبيعة وخصوصية المنطقة السكنية التي تسكنها العائلات، ما ترتب عليه العديد من المشكلات الصحية والبيئية والأمنية، إلى جانب الإفرازات السلوكية السلبية للمناظر التي يتعرض لها السكان تبدو دخيلة على المجتمع الإماراتي، وأكد السكان أن الدوائر الحكومية المعنية بحل هذه المشكلة مثل البلدية والشرطة وهيئة كهرباء ومياه دبي تقوم بدورها في حل المشكلة ولكن ما يغيب عن تلك الإجراءات هو التنسيق فيما بينها، ما ينتج عنه الوصول إلى طريق مسدود. ونعمل في الهيئة على وضع إطار معين للتنسيق فيما بين هذه الجهات والسكان، وفي نهاية الأمر هو جهد جماعي للوصول نحو تحقيق رغبات السكان.

وحول دور الهيئة في إيجاد حل في قضية سكن العزاب قال الشامسي «هناك بلا شك جهود تقوم بها البلدية والشرطة وهيئة كهرباء ومياه دبي، وحسب التسلسل الإجرائي المُتبع في تلك الجهات فإن القضية تصل إلى حد معين، يبدأ من بلاغ يصل إلى البلدية متبوع بتفتيش ثم إنذار أولي وثاني وثالث يتم على إثره إبلاغ هيئة الكهرباء والمياه بقطع التيار الكهربائي، فالإجراءات موجودة ولكن يجب متابعة وصولها للمراحل النهائية، حتى تشكل رادعاً للآخرين. وهنا يكمن دور الهيئة في وضع الآلية المُثلى لتكوين فريق عمل من مختلف الجهات بحيث يوضع حد للمخالفين».

أمل الفلاسي