لا يخفى على قارئ نص الكاتب السوري سعد الله ونوس «طقوس الإشارات والتحولات» أنه يكسر تابوهات عدة ويكشف الأقنعة التي تغلف المجتمع الشرقي. وهنا فإن إخراج هذا النص يمثل مجازفة كبيرة أمام المخرج الذي يجهد أن يكون أميناً قدر المستطاع لنص الكاتب ولأفكاره. هذا ما نراه في العرض الذي يخرجه المخرج السوري فداء محيسن الذي يدير مسرح الجلجامش في مدينة أفينيون حيث يقدم عرضه على خشبة مسرح المانيفاكتور نظراً لكبرها.

الرؤية الإخراجية التي يقدمها فداء محيسن تبدو مختلفة عن عمل سابقيه من المخرجين الذين تصدوا لهذا النص، فهو يعتمد على قراءة بعض مقاطع المسرحية أثناء العرض، حيث ان الممثلة التي تؤدي دور وردة تقرأ الإيضاحات النصية التي تعبر عن حركة الممثلين على الخشبة.

في هذا السياق يقوم الممثلان اللذان يؤديان دوري نقيب الأشراف عبدالله والغانية وردة بقراءة المشهد الأول في المسرحية وهما يحملان كتابين بيديهما. إن خيار القراءة يعتبر كحل دراماتورجي وإخراجي يريد المخرج منه أن يقلص بعد المشاهد الحركية ويجعلها تتم على مستوى الكلام بين الممثلين.

مسرحية ونوس تخلخل أركان المجتمع الدمشقي المحافظ الذي تمر فيه العلاقات في الخفاء والسر والكتمان بحيث ان الجميع يعلم بما يحدث لكن دون أن يتحدثوا عن شيء. فالمرأة الشابة مؤمنة ترفض الحياة ضمن الطبقة الغنية التي تحظى بسلطة كبيرة في المجتمع الدمشقي وفي نفس الوقت فإن سمعتها تغلفها الأكاذيب وعندما تطالب بالطلاق فهي تلبي رغبة داخلية بالتحرر من براثن تلك الطبقة.

في المقابل يقع زوجها (نقيب الأشراف) وهو زير نساء غارق في ملاهي الحياة ومتعها فهو ضحية خدعة سياسية حاكها له المفتي. وفي خط آخر يقوم شاب متورط بعلاقة جنسية، وهو عفصة، لوطية بالانتحار تحت وطأة الحزن والكآبة بعد أن يُرفض منطقه في الحب الشاذ.

بالنسبة لسينوغرافيا العرض التي أعدها فداء محيسن بنفسه نرى أنه يعتمد على الخشبة العارية ففضاء المسرح خالي من أي ديكور إلا من منصة متحركة ذات طابقين بحيث يتحرك المفتي في الطابق الثاني وذلك للترميز على علو مكانته في المجتمع الدمشقي المحافظ. أما في الطابق الأول فنرى كرسي أبيض صغير توضع عليه مسرحية ونوس حيث ان أحد الشخصيات (وردة التي تؤديها الممثلة المغربية خديجة المهدي) تقوم بقراءة بعض مقاطع المسرحية.

يحسن المخرج استخدام المؤثرات الصوتية التي يتفاعل إيقاعها بحسب المشاهد ودرجة الدراما فعندما يكون المشهد مفصلياً ويحدث تغيير في مجريات أحداث المسرحية نرى أن المخرج يختار موسيقى إيقاع تواكب هذا التغيير وتجعل المشاهد بحالة تماهي مع المشهد. وهنا فإن المسرحية لا تخلو من بعض المقطوعات الغنائية الدينية التي تتناسب من طبيعة وفلكلور المجتمع الدمشقي. ففي بداية العرض نرى المملين على نسق واحد وهم ينشدون نشيداً ديناً يعطي انطباعاً عاماً بأن أحداث المسرحية تتم في مجتمع ديني محافظ.

وفي أحد مشاهد المسرحية هناك أيضاً وصلة موسيقية ترافق المشهد الإيمائي الذي يؤديه الممثل ريمون حسني الذي يجسد دور نقيب الأشراف. هذا الأخير يصاب بالجنون ويهذي بعد أن طلق زوجته فنراه في نهاية المسرحية وحيداً على الخشبة يرقص رقصة الرفاعية ويدور حول نفسه كأنه يرجو الخلاص لروحه والتكفير عن ذنوبه.

تبدو شخصية المفتي غير متصالحة مع نفسها تضمر خلافاً لما تظهر لذلك نراه مختلاً في مواقفه مهزوزاً يتستر بالدين لتغطية ما يمارس من شهوات فهو قوي ورع أمام أعوانه وأمام العامة وعاشق ضعيف أمام مؤمنة.

تبدو هذه الشخصية الأكثر إشكالية في عرض فداء محيسن فهي أقل إقناعاً من الشخصيات الأخرى في هذا العرض حيث ان الممثل الذي يؤدي دور المفتي يغلب على هذه الشخصية الطابع السياسي السلطوي أكثر من الديني. ربما أن ذلك يعود إلى كون الممثل الذي يؤدي دور المفتي فرنسياً لا يحسن جيداً تأدية الحركات التي يقوم بها المفتي في المتجمع الشرقي. يُلبس المخرج شخصية المفتي طقماً أزرق غامق اللون وقميصاً أبيض دون أن يضع ربطة عنق وذلك كدليل على استمرار ذهنية الانغلاق والتستر بمكارم الأخلاق.

الخط السياسي

ثمة تقاطع في العرض المسرحي بين خطين سياسي نلاحظه في مسرح ونوس خط سياسي يكمن في كشف خبايا الطبقة الحاكمة.

وخط إنساني نرى من خلاله صراعات النفس البشرية ومحاولتها للتصالح مع نفسها في خضم مجتمع تسوده سحابات من المحرمات الفكرية التي تحاول الحفاظ على المجتمع من خلال الحفاظ على القناعات السائدة فيه والتي من خلالها يسهل السيطرة عليه.

أفينيون - منتجب صقر