ذات مرة، قام مقاولو البناء بقطع أشجار يفوق عمرها مئات السنين في مدينة براغ ما أثار حفيظة أهالي المدينة، ورد عليهم أحد المقاولين قائلاً: «إن هذه الأشجار لا تساوي شيئاً».
لكن امرأة خرجت من بين المتظاهرين وأثبتت غباء هذا المقاول عندما أشارت بأصبعها إلى الدوائر التي تبين عمر الشجرة قائلة: «هذه الدوائر تدل على انهيار الإمبراطورية النمساوية المجرية. وهذه إلى نهضة براغ، أما هذه فتشير إلى ربيع براغ» وسألته: «كيف يمكن لرابط أن يشبك أحداث تاريخ المدينة بهذه الحيوية والواقعية ألا يساوي شيئاً وألا يكون له مستقبل؟». هذه الأشجار تحمل الذاكرة والأقاصيص والمعرفة الثقافية.. وقطعها جريمة في كل مكان شأنها شأن البنايات التاريخية وغيرها. لذلك تحرص إدارة التراث العمراني في دبي على الحفاظ على الأشجار والأبنية التاريخية والتراثية وترميمها وتعيد إحياء تاريخها وذاكرتها باعتبارها تمثل نشاطاً روحياً تحمل الكثير من عبق التاريخ وذاكرة المكان. ولا يمكن أن تقوم بذلك دون نشر التوعية التراثية بين صفوف الأجيال الشابة.
والتاريخ لا يتعارض مع العلوم الحديثة أبداً، ولعل في أقوال الراحل الكبير، المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في التراث أكبر دليل على ذلك، في قوله: «إن العلم والتاريخ يسيران جنباً إلى جنب، فبالعلم يستطيع الإنسان أن يسيطر على تاريخه ويحفظه للأجيال ليطلعوا عليه ويعرفوا ما قام به الأجداد والآباء». والشعار الذي رفعته إدارة التراث العمران ينسجم مع هذه المقولة «تراث الأمس لجيل الغد» في الدورة الثانية التي أطلقتها هذا الصيف، يشارك فيها الأطفال الصغار من عمر السادسة حتى الثانية عشرة في برنامج يومي دائم ومتنوع على مدى ثلاثة أيام في الأسبوع.
وتشمل هذه البرامج: القرآن الكريم ـ تلاوة وتجويد، السيرة ـ قصص وأحاديث، زيارة متحف المسكوكات، دورة في الجص والخشب، عرض فيلم تراثي، وعرض فيلم متحف العمارة، مسابقة تراثية، زيارة سور دبي، دورة في الرسم، زيارة متحف الهجن والخيل، دورة التصوير الفوتوغرافي، دورة في الخط، وزيارة مدينة مدهش ومدينة الطفل.
استلهام التراث
هذه البرامج كلها من شأنها أن تستلهم التراث وتترجمه إلى واقع ملموس، سواء بالكلمة أو بالصورة المعبرة، والهدف منها هو ربط الأجيال الحالية والمستقبلية بماضيها وتراثها وخاصة في إمارة دبي التي تشهد تطورات هائلة في مجال البناء والتعمير الحديثين.
ولذلك حرصت إدارة التراث العمراني على تخصيص مسابقة خاصة للمباني التاريخية والتراثية، يشارك فيها الطلبة والطالبات من مختلف مدارس الدولة وإسهام مؤسسات أخرى منها: وزارة التربية والتعليم، مركز راشد للعلاج ورعاية الطفولة، مركز الإمارات لذوي الاحتياجات الخاصة، مركز النور، وغيرها من أجل أن تتحقق النتائج.
وهذه البرامج الصيفية تقع ضمن السياسة العامة لإدارة التراث العمراني كجزء من عملية الحفاظ على التراث كما يؤكد لنا رشاد بوخش، مدير إدارة التراث العمراني التابع لبلدية دبي. ويضيف: «إن أهداف المحاضرات والندوات والدورات في هذا الصيف تثقيفية بالدرجة الأولى.
ونحن نقوم بحوالي مئتي نشاط موجه للكبار وطلبة الجامعات والأطفال الصغار. ونشرك في هذه البرامج جميع الفئات العمرية والمستويات الثقافية، من مواطنين ومقيمين وسياح أجانب. وبدأنا من خلال ذلك نعرف مقياس ونسبة الوعي التراثي في دبي.
وتبين لنا أن نسبة الوعي التراثي بلغت 71 بالمئة بفضل جهود التوعية ونشرها في الدولة. ونحن نطمح إلى توسيع هذه البرامج من أجل ترسيخ الوعي التراثي وزرعه في أذهان الصغار. وتبين أن نسبة الوعي كانت كبيرة في مدرسة باكستانية على سبيل المثال وليس الحصر».
ويتساءل مدير فريق المتاحف بإدارة التراث العمراني، المهندس يعقوب يوسف علي آل علي: «لماذا يقضي الطلبة أوقاتهم أمام شاشة التلفزيون في مشاهدة البرامج الأجنبية التي من شأنها أن تبعدهم عن التراث. وقد تبين لنا من خلال إقامة هذه الدورات أن فكرتنا صحيحة. فقد طلبنا من الأطفال أن يرسموا بيتاً قديماً، فرسموا بيوتاً على شكل مثلث، وهو طراز البيت الأوروبي وذلك لتشعبهم بمشاهدة الأفلام الأجنبية.
حاولنا أن نعطيهم فكرة عن البيوت الإماراتية القديمة مثل «بيوت العريش» وبيوت «الأحجار الجصية» و«بيوت البراجيل» لكي يعوا تراثهم ويفتخروا به.. وكذلك طلبنا منهم رسم القوارب الشراعية، لكنهم قاموا برسم قوارب القراصنة الموجودة أيضاً في الأفلام، لذا فالبرامج التي نحاول تقديمها ترسخ القيم التراثية في أذهانهم لكي يحافظوا على هويتهم الوطنية».
إنارة العقول
ويعلق بدر محمد آل علي، رئيس قسم دراسات التراث العمراني: «بأن الجهود التي نبذلها في إدارة التراث العمراني تأتي بثمراتها في إنارة عقول الأجيال الشابة قبل أن تستلبها البرامج الأخرى.
ومن خلال الدورة الحالية نركز على ربط المعرفة التراثية بالترفيه لأن الأطفال لا يمكن أن يتقبلوا أية معلومة ما لم تمر من خلال قنوات ترفيهية لذلك وفرنا للأطفال ورشات الرسم والتلوين واللعب وبرامج البحث عن الكنز والمسابقات التراثية الأخرى».
وتتضمن هذه البرامج الترفيهية والتعليمية إقامة وتنسيق المعارض لمدارس الدولة والجامعات وأيضاٌ المعارض العامة مثل: معرض سوق السفر العالمي، معرض الصيفي المصاحب لمفاجآت صيف دبي، وأيضا المعارض التي نقيمها في الدوائر الحكومية على سبيل المثال المعرض التراثي في دائرة الأراضي والأملاك بدبي. تنظيم الزيارات المدرسية والجامعية واستقبال الطلاب والطالبات والوفود الرسمية لزيارة لمنطقة البستكية والمتاحف التابعة لإدارة التراث العمراني.
يُضاف إلى ذلك، تنظيم المحاضرات التراثية الشهرية بالإضافة إلى ما يُعقد في المدارس والجامعات وعمل دورات تدريبية «للتشكيل والحفر على الجبس مع الفحم» لزوار منطقة البستكية والمراكز الصيفية المتوزعة في الدولة.
وتمتد هذه البرامج لتشمل إقامة الفعاليات التراثية لمراكز ذوي الاحتياجات الخاصة الموجودة في الدولة ـ أسبوع التراث العالمي. ومن أهم النشاطات إقامة المسابقة التراثية على مستوى مدارس الدولة «الابتدائي ـ الإعدادي ـ الثانوي» بشكل سنوي. وتشمل المسابقة «الرسم والتلوين ـ التصوير الفوتوغرافي ـ المجسمات التوضيحية ـ البحوث والتقارير».
وتحرص إدارة التراث العمراني على إقامة حفل التكريم السنوي للمسابقة التراثية للفائزين، وإقامة الحفل السنوي لموظفي الإدارة وتوزيع الشهادات على المتميزين والعاملين على إنجاح الفعاليات والأنشطة التراثية بالإضافة إلى الأشخاص الذين ساهموا في إبراز الدور الريادي للإدارة.
الرسم والتلوين التراثي
من الفعاليات التي تحتضنها الإدارة مسابقة تراثية في الرسم والتلوين تحتضن طلبة المدارس وذوي الاحتياجات الخاصة حيث جاءت نتائج المسابقة في دورتها السادسة 2008 ـ 2009 على النحو التالي: في المرحلة الابتدائية فازت شيخة عبد العزيز راشد الحمام بالمركز الأول من مدرسة حراء للتعليم الأساسي في رأس الخيمة، حصة محمد مطر المسافري بالمركز الثاني من مدرسة بنت الشاطئ للتعليم الأساسي في أم القيوين، أحمد محمد العوضي بالمركز الثالث من مدرسة الحكمة الخاصة في عجمان، عائشة أحمد علي البصري بالمركز الرابع من مدرسة نسيبة بنت كعب للتعليم الأساسي في رأس الخيمة، مهرة حمد أحمد الزعابي بالمركز الخامس من مدرسة البطين العلمية الخاصة أبوظبي، سعود أحمد محمد الحمادي بالمركز السادس القاسمية للتعليم الأساسي في رأس الخيمة، فاطمة طارق بن مكسور بالمركز السابع من مدرسة النخيل للتعليم الأساسي في رأس الخيمة.
أما المرحلة الإعدادية ففاز بالمركز الأول حميد عبدالله علي راشد من مدرسة وادي أصفني للتعليم الأساسي في رأس الخيمة، راشد محمد خالد سرور بالمركز الثاني، طالب سعيد عبدالله سعيد بالمركز الثالث، فاطمة درويش بالمركز الرابع من مدرسة لطيفة بنت حمدان للتعليم الأساسي في دبي، علي سعيد محمد المهيري بالمركز الخامس من مدرسة الرازي للتعليم الأساسي في دبي، سارة سلطان محمد شخبوط بالمركز السادس من مدرسة مزيرع للتعليم الأساسي عجمان.
وفي المرحلة الثانوية فازت آمنة حمد أحمد الزعابي بالمركز الأول من مدرسة الإمارات الوطنية في أبوظبي، حسن عبد اللطيف بالغزوز بالمركز الثاني معهد التكنولوجيا التطبيقية في دبي، فارعة سرور مبارك بالمركز الثالث من مدرسة المفرق للتعليم الأساسي في أبوظبي، إبراهيم عبد الرحمن الجميلي بالمركز الرابع من أكاديمية الفجيرة العلمية الإسلامية في الفجيرة.
شاكر نوري



