ربما تكون عبارة ماركيز «الحياة نوع من الأذى العميق» هي الأكثر قدرة على توصيف مصائر الشخصيات الثلاث التي تناولها فيلم هالة العبد الله الجديد «هيه!..لا تنسي الكمون».

وربما يكون العنوان غريبا بعض الشيء، لكن مع سياق الفيلم سوف يتضح أنها الجملة الأخيرة التي نطق بها الكاتب السوري جميل حتمل قبل أن يدخل غيبوبته، ومن ثمة يغادر الحياة في عام 1992، وقد عُرض الفيلم مؤخرا في المركز الثقافي الفرنسي بدمشق، ضمن فعاليات النادي السينمائي الذي يديره المخرج أسامة محمد والناقد أسامة غنم، وكانت هذه هي المرة الأولى التي تلتقي فيها المخرجة مع جمهورها السوري.

يندرج الفيلم في إطار السينما التسجيلية المستقلة، فالمخرجة هي كاتبة السيناريو وهي المنتجة أيضا، ومن خلاله قدّمت مقترحها الخاص لمقاربة السيرة الذاتية، فقد اختارت هالة ثلاث شخصيات، هم: جميل حتمل، وكاتبة المسرح الإنجليزية سارة كين، والفنانة السورية اللبنانية دارينا الجندي، وانطلقت من النص الأدبي لا من الوثيقة التاريخية، لتصوغ خط حياة كل منها، كانت تنتقي العبارات والمقاطع من هنا وهناك، ثم تعيد تشكيلها في سياق جديد ولغة شعرية خالصة.

بدأت الحكاية من جميل حتمل الكاتب الذي طحنه منفاه في باريس، فحاول الانتحار عدة مرات، وتمنى العودة إلى وطنه سوريا ولو بكفن، وتحققت أمنيته حين فارق الحياة وهو في الرابعة والثلاثين، وبدأت التفاصيل من قصته «نرجسية» التي كتبها وهو على فراش الموت، والقصة فتحت بوابة الهواجس والكوابيس التي أرّقت ليل المؤلف.

كما فتحت قاموس عشقه، لتنقلنا حروف الأبجدية ما بين النساء الكثيرات اللاتي أحبّهن في عمره القصير، وكان النص ينساب بالتوازي مع مشهدية لم تسعَ لتوثيق الكلام بالصور الفوتوغرافية أو الشرائط المسجّلة، بل حاولت عكس حالة النص وكاتبه عبر تشكيلات ضبابية لنساء يرتدين السواد، وغرف إنعاش ومقبرة وما شابه، وغالبا ما كانت الرؤى تدور على خلفية من أغاني يولا خليفة.

ودون ممهدات خرج المسار عن باريس وهذيانات جميل، ليدخل في عوالم سارة كين، ويقتفي أثرها من خلال مسرحيتها «هوس الساعة 48,4»، وهي الكاتبة التي لفتت أنظار النقاد إليها بجرأة نصوصها الخمسة، والتي كانت تمقت الزيف الاجتماعي، وتبحث عن الصدق في كل علاقة.

والتي اعتبرت أنها جاءت في الجسد الخطأ، وفي التوقيت الخطأ، ففضلت الإسراع بالرحيل عن عالم لم يعطها ما يكفي من الحب والدفء الإنساني كي تعيش أكثر، فانتحرت عام 1999 وهي في سن الثامنة والعشرين، وهنا أيضا لم تلجأ المخرجة إلى التوثيق، بل فتحت العدسة على مشاهد طبيعة ذات أبعاد جمالية ودلالية تناسب حالة النص.

وعلى خلاف الشخصيتين السابقتين فإن الثالثة مازالت على قيد الحياة، وكانت دائما حاضرة في قلب الكادر، وسيرتها انبثقت من مونودراما كتبتها دارينا بنفسها وعن نفسها، ثم قامت بتجسيدها باللغة الفرنسية على خشبة المسرح في باريس، وقد تابعتها عدسة التصوير من بروفات التحضير، إلى العرض على الخشبة.

ومن ثمة إلى العرض الثاني في البيمارستان في حلب الذي يعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي، وتروي دارينا في نصها كيف ضُربت واتُهمت بالجنون، ووجدت نفسها محتجزة في مشفى الأمراض العقلية ببيروت، حفاظا على سمعة العائلة، ووسط صمت مطبق ممن عرفوها، كانت في الداخل تُحقن بالمهدئات وتُهان، لأنها تشكل خطرا على الجميع.

بينما كان كل المغتصبين والمجرمين في الخارج طلقاء ينعمون بالحرية ـ كما تقول ـ وسوف تعود بها الذاكرة إلى سنوات الحرب الأهلية حين كانت مراهقة تكتشف متع الجسد والمخدرات، سوف تطلق العنان لنفسها، وتغرق بالدموع، وهي تستعرض كيف اغتُصبت، وكيف أجهضت، سوف تبوح وتبوح، وتنكأ جرحها بأظافرها كي تشفى منه، وتستعيد روحها التي انكسرت.

دمشق ـ تهامة الجندي